ارشيف من : 2005-2008

الأسيرة المحررة منال غانم: تعود إلى أحضان الأحبة بعد 4 سنوات تحت الأرض

الأسيرة المحررة منال غانم: تعود إلى أحضان الأحبة بعد 4 سنوات تحت الأرض

مني".‏

تقول منال وهي تهرع إلى أولادها تقبلهم وتحتضنهم طويلا، ثم تنتظر عودتهم من المدرسة بشوق لا يوصف...‏

هكذا حاولت الأسيرة الفلسطينية المحررة منال غانم من مخيم طولكرم شمال الضفة الغربية، اختصار وصف عودتها إلى الحياة الطبيعية مع عائلتها وأطفالها الأربعة وزوجها، بعد أن فقدت التواصل معهم لأكثر من أربعة أعوام قضت مساحة كبيرة منها في العزل مع طفلها نور الذي ولد بعد اعتقالها بأشهر. وهم الذين ظلت جاهدة "أن لا تنسى ملامح وجوههم في ظلمة الزنزانة".‏

كثير من الألم وقليل من الفرح وعلى الرغم من صعوبة التجربة، إلا أن منال غانم استطاعت أن تتحدث بجسارة عن سنوات اعتقالها التي مثلت قصة ولادتها لطفلها نور مقيدة في سرير المستشفى الإسرائيلي، ومن ثم نموه في الزنازين وفصله عنها بعد عامين من ذلك، مثلت أبرز محطاتها. وتروي منال أن طفلها وخلال نموه ومعايشته لمجتمع الأسيرات في السجن كان يتصرف وكأنه "بنت" مثل الأسيرات حتى أنه كان يلجأ الى وضع غطاء على رأسه عند وقت "عد الأسيرات"، ولكنه في الوقت ذاته كان يتقمص دور السجان بحيث كان يطالبنا خلال اليوم بالوقوف لعدنا ويحاول دائما إقفال الأبواب علينا.‏

وكان نور بالنسبة لأكثر من 65 أسيرة في أحد أقسام سجن تلموند (المخصص للأسيرات الفلسطينيات)، يمثل الحياة المفقودة في ذلك المكان، حيث تذكر والدته أنه كان ينادي جميع الأسيرات بـ"ماما عبير.. ماما آمنة .. ماما منال..". ويخاف من الرجال كثيرا.‏

مضايقات وعزل‏

وتعرضت الأسيرة المحررة منال غانم برغم مرافقتها لطفل ولد في الأسر تحت ظروف إنسانية صعبة، الى مضايقات شديدة، وروت منال أنها في إحدى المرات عندما قررت إدارة السجن عزلها ونقلها إلى سجن آخر في 27 نيسان من العام الماضي، لم يسمح لها حينها بحمل أغراضها او أغراض طفلها وملابسه. وتضيف: "عاملوني بلا إنسانية حيث كان الطفل يعاني من أوجاع في بطنه ورفضوا نقله الى الطبيب او تقديم العلاج له". وبعد ذلك، نقلت منال الى عزل الرملة، حيث قضت 15 يوما تحت ظروف "مذلة" كما تصفها، دون تقديم أي نوع من الخدمة الإنسانية، في الوقت الذي كان يقترب فيه موعد انفصال نور عنها بعد إكماله عامه الثاني. وخلال هذه الفترة هُددت منال بالعقاب إذا خالفت الأمر الذي يمنع نور من النوم إلى جانبها.‏

وفي 11 حزيران الماضي قررت سلطات الاحتلال فصل الطفل نور عن والدته تطبيقا للقانون الإسرائيلي الذي ينص على فصل الطفل عن أمه الأسيرة إذا بلغ العامين. وتتذكر منال ذلك اليوم "بأسى" كما تقول، وتضيف: "قبل ذلك بأيام أخذوني الى المحاكمة وخلالها اتهمتني القاضية بأنني وطفلي نور إرهابيان، وأمرت بفصله عني فورا، وإذا لم أوافق سيؤخذ الطفل من أحضاني عنوة".‏

وحينها فكرت منال جديا، كما تروي، في أن مكان نور ليس في السجن ويجب أن يخرج للحرية وعليها تسليمه بنفسها لوالده وإخوانه، وكانت القاضية قد استهزأت بها قائلة ان الأمهات الفلسطينيات لا يعرفن كيفية تربية الأبناء، وخاصة أن الأسيرات يسمحن بوجودهم معهن في السجون". وتستذكر منال غانم يوم فصل طفلها عنها مؤكدة أنه كان من أصعب أيام حياتها، وبعد مطالبات عديدة سمحت إدارة السجن لها بالجلوس قليلا مع عائلتها لمحاولة تعريفه اليهم، وفي هذه الأثناء حضرت قوة كبيرة من عشرات الجنود الذين راقبوا لقاءهم، وبعد وقت قصير أمرت مديرة السجن بتسليم الولد "وقمت بتسليمه في مشهد حزين جدا، لكنني في الوقت ذاته كنت فرحة لأن ابني خرج للحرية".‏

وتقول منال إن أصعب لحظات هذه العملية كانت عندما أعيدت وحيدة بدون طفلها الى سجن تلموند، وكان القسم حزينا جدا بسبب غياب نور وغرقت الأسيرات في البكاء. وخلال فترة انفصاله عنها التي امتدت لعشرة أشهر، حاولت الأم الاتصال بالعائلة للاطمئنان الى طفلها وأخوته الثلاثة الباقين وزوجها، إلا أن إدارة السجن رفضت.‏

مريضة بلا علاج..‏

ومنذ صغرها، أصيبت منال غانم بمرض التلاسيميا "فقر دم البحر المتوسط"، وهو المرض الذي يحتاج الى متابعة علاجه بصورة دورية سواء عن طريق الحصول على وحدات دم كل أسبوعين أو الحصول على "حبوب" يومية. تقول منال ان إدارة مصلحة السجون تجاهلت مرضها، وافتعلت الصعوبات كي تعرقل تقديم العلاج لها، أسوة بتعاملها مع مئات الأسرى المرضى في سجونها. وتضيف: "كنت بحاجة الى علاج عبارة عن حبوب يومية، لكن إدارة السجن كانت تحضر لي 10 حبات كل 7 اشهر، وفي كل مرة ينتهي فيها الدواء كنت أضطر الى تقديم طلب وأن أمضى في إجراءات مرهقة مع الإدارة كي تحضر لي الدواء، لكنني مللت في الفترة الأخيرة وتوقفت عن طلبه".‏

في إحدى المرات التي خضعت منال فيها لفحص دم، لم تتمكن الممرضة من استخراج نقطة دم واحدة من يدها بسبب تدهور وضعها الصحي، بعد أن خاضت إضرابا طويلا عن الطعام، "لكنهم لم يهتموا لذلك" قالت منال. وكما تؤكد منال فإن معظم الأسيرات في سجن تلموند أو في أقسام العزل في سجن الرملة، يعانين من أوضاع صحية سيئة للغاية، بسبب انخفاض القسم الذي تحتجز فيه الأسيرات 50 درجة تحت الأرض، بدون هواء او شمس، وتشير إلى أن 90% من الأسيرات يعانين من أمراض جلدية والتهابات في المسالك البولية والمفاصل وتساقط الشعر، وأمراض العظام المختلفة بسبب طريقة النوم غير الصحية، وعدم السماح بالحركة. إلى جانب أن عشرات الأسيرات يعانين من بعض الأمراض المزمنة مثل السكري والسرطان والضغط، وبعضهن من الصرع بسبب تعرضهن لأوضاع نفسية سيئة جدا خلال التحقيق معهن.‏

أريد استرجاع حياتي..‏

وبعد الإفراج عنها، لا تتمكن منال غانم من نسيان معاناتها مع نحو 118 أسيرة فلسطينية في أقبية الزنازين، "لم تكن تجربة سهلة، بل خالية من الإنسانية" تقول، "ولكنني الآن أريد استرجاع حياتي". وفي كل صباح، تصحو منال مؤخرا لإيقاظ أبنائها "إيهاب ونفين وماجد" وتحضير الفطور لهم، "أوقظهم من نومهم وأحتضنهم بشدة كأنني وصلت الى المنزل في حينها"، وتودعهم بحرارة في طريقهم إلى المدرسة "أخاف أن لا أراهم ثانية"... تضيف: "بين السجن والحرية صدمة غير عادية".‏

الانتقاد/ العدد1211، 20نيسان/أبريل2007‏

2007-04-20