ارشيف من : 2005-2008

إسعاف المنصوري لنجلاء أبو جهجاه:شهادات حية بين الكاميرا والكلمة

إسعاف المنصوري لنجلاء أبو جهجاه:شهادات حية بين الكاميرا والكلمة

ودمائهم، وبوحها وهاماتهم. ولئن وهبهم الله سبحانه خلود الشهداء في جناته الواسعة، فقد وهبتهم كاميرا نجلاء الشجاعة دليل براءتهم الساطع من تهمة قتل أنفسهم، فلا يغتال صاروخ "هيل فاير" إعلامي صهيوني شهادتهم، كما اغتال هذا الصاروخ حياتهم: (ثمة تبريرات جاهزة وتحت الطلب ان غاب الإعلام عن جرائم مماثلة، وهي حتماً صناعة صهيونية).‏

بعد مجزرة إسعاف المنصوري امتشقت نجلاء كاميرتها والقلم هذه المرة، ومضت تتربص بجرائم أخرى أدرجها في الأدراج، كنيست سوّدته آثام وزرائه، وبيت سوّد الله ولو بعد حين بياضه، فكان هذا الكتاب الذي رصّعته نجلاء بصور الشهداء وحَدَت لهم الشعر كأحلى ما يكون، ومنه "لحنين" هذا لحداء (ص 197 – 198).‏

من أين أبدأ إليك حدائي؟ ماذا أغني كي تغفو عيناك من دون ألم؟ أهودجك فوق الجراح! قومي ما بال عينيك أثقلها الأرجوان؟ لوّحي بيديك صغيرتي.. فالسنون أرجوحة الانتظار.. قومي ننتصب كفوّهة بندقية.. فالطوافة ما زالت في السماء.. قومي حنين ما بالك؟ لمن هذا النوم السديم؟ ولمن أهدهد هذا الحداء؟ ولمن أرقص الرقص المشظى بالتراب؟ أجيبيني.. لمن تخرّ الجراح؟ لا بأس يا صغيرتي.. نامي واطمئني.. فلسوف تشرق الشمس ساطعة من شفتيك.. ولسوف أرتل حدائي إليك مع كل أصيل.‏

اذاً.. في مواجهة ذهول اللحظة الأولى للفاجعة، أسعفت نجلاء بكاميرتها شهداء الإسعاف، فأسعفت هذه الشهيدة وطناً جريحاً، هطلت فوق جراحه مع أمطار نيسان، وغسلتها عندما لفظ الأطفال أنفاسهم الأخيرة، نكست نجلاء كاميرتها أمام رهبة موتهم.. ومثلها سأفعل، سأنكس أمام رهبة هذه الذكرى على مفردات النقد السميحة، قائلة لكل أميرة من أميرات الطهر في بلادي: "يحق لك يا صغيرتي أن تسندي رأسك البريء إلى حداء الأم في قلب نجلاء".‏

فهو منها.. وفي تلك الدقائق الرهيبة ترانيم حنانٍ وأمطار أمومة في لحظةٍ ذرفتها من كاميرتها نجلاء.. ديماً غسلت دماء "حنين" فوق جدائلها المشلّعة بالرياح الغادرة.. فوق حافة نافذة الإسعاف".‏

يرشدنا هذا الحداء جميعاً إلى مكامن العاطفة التي ثبّتت في يد نجلاء كاميرتها، في مكان كانت أرضه تتزلزل ألماً على وقع صواريخ الغدر والتآمر.‏

لذلك يأتي السؤال الذي طرح على نجلاء في كل لحظة بعد المنصوري وإسعافها.. هزيلاً.. ولو عرضته لنا في كتابها: "كيف استطعت متابعة التصوير، (كيف كان الك قلب؟).‏

لا يا نجلاء.. ما كان بمقدورك أبداً إدارة دفة القدر إلى حيث كنت تشتهين ونتمنى.. ما كنا مكانك كي نطرح عليك سؤالاً كهذا، إلا إذا أردنا درساً في الثبات فوق أرض يزلزلها غدر السماء التي هجرها حماتها وتركوها مباحة لغربان الحياة وبومها الناعق موتاً ودماراً.‏

ما كان يجب أن تموت الحقيقة قبل شهدائها في الإسعاف بإلقائك الكاميرا جانباً والالتهاء بمسح الدموع بعد ذرفها، أو بمحاولاتٍ يائسة لإنقاذهم محكومة بالفشل مسبقاً، لأنها ليست خبرتك ولا مردّ لقضاء الله، حسناً فعلت بالتزامك العفوي برسالتك، وإلا.. لكان الشهداء خسروا كرامة موتهم.. ومعهم كنا سنفقد هذا الوطن. اطمئني نجلاء، فقد وقفت أمام هول المشهد أكثرنا إنسانية، لأننا كنا نلوذ بخوفنا ونبكيهم، وكنت مع الكثير من زملائك تواجهين لؤم الصواريخ الغبية، وصدمة الموت الرهيب. لقد أضأتِ للشهداء عينيكِ، وأحرقت للأحياء أناملكِ كي تزلزلي بشاعة الظلام الصهيوني وتشيري اليه.. عدواً وحيداً للإنسانية جمعاء.. وهذا ما يفعله كتابك.‏

ولاء إبراهيم حمود‏

الانتقاد/ العدد1211، 20 نيسان/أبريل2007‏

2007-04-20