ارشيف من : 2005-2008
"من المذهبية إلى الطائفية" لعلي المؤمن
تنفيذه على عاتق كل المسلمين المخلصين (أفراداً وجماعات) في عموم أنحاء العالم الإسلامي، ذلك أن مسألة المذهبية الطائفية في الواقع الإسلامي المعيش اليوم، هي تماماً نقيض نافر بل ممقوت في حياة المسلمين، لما أمرهم به قرآنهم الكريم وسنّتهم النبوية المطهّرة، بعدم نزاعهم وتفرقهم، وباعتصامهم بحبل الله جميعاً، حتى لا تذهب ريحهم فيضحوا عُرضة للتسلط عليهم المفضي بهم إلى تشتتهم وهوانهم.
وبما أن كل مطلب حق له شروطه الموضوعية ومقوماته الذاتية وآلياته المفضية إلى تحقيق هدفه الصحيح، فإن شروط ومقومات وآليات تحقيق هدف وحدة الأمة الإسلامية جمعها الكتاب الجديد للباحث علي المؤمن بعنوان: "من المذهبية إلى الطائفية ـ المسألة الطائفية في الواقع الإسلامي"، (نشر دار الكوكب وتوزيع دار الرافدين ـ بيروت).
هذا الكتاب يحث المسلمين جميعاً على العمل العقلاني المكثّف ويدفعهم إلى السعي الحثيث والدؤوب لنبذ كل ما يهدف إلى تناحرهم وتشتتهم وضياعهم. يقول المؤلف: "إن الهدف من دراسة المسألة الطائفية في الواقع الإسلامي، كحقيقة تاريخية وعلمية، وكقضية تدخّلت عدة عوامل في صنعها وتأجيجها، ومن ثم حرفها عن سيرها الطبيعي، هو الوصول إلى مشروع قناعة مشتركة يمكن أن يكون دافعاً لإيجاد نواة التفاهم والتقارب الحقيقيين بين مختلف الاتجاهات، ومن ثم بناء الأساس الراسخ لوحدة الأمة الإسلامية".
فهو يرى أن الواقع الإسلامي بأمسّ الحاجة اليوم إلى تحرك ميداني مركّز يقود عقلاء الأمة، فضلاً عن جهود فكرية وإعلامية وبحثية مكثفة من شأنها التقريب بين فصائلها ومكوناتها، ولا سيما الطائفتين السنيّة والشيعية.. ونظرا إلى أجواء الشحن الطائفي التي تميّز المشهد الإسلامي الحالي بتأثير من التحول السياسي والاجتماعي الذي أعقب احتلال العراق وسقوط دولته عام 2003، وتداعياته القاتلة التي من أخطرها ظاهرة التكفير والاستخفاف بدماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم ومقدساتهم.
ولقد بدأت بوادر الانقسام الأول في الواقع الإسلامي بالظهور بقوة في المدينة المنورة، كما يشير الباحث، نتيجة اختلاف المسلمين في ما بينهم بعد وفاة رسول الله (ص) مباشرة، على مبايعة من سيخلفه في قيادة الأمة، فانقسموا إلى ثلاث جماعات خلافية، ثم إلى جماعتين: واحدة بايعت أبا بكر الصديق بالخلافة، وتبلورت في ما بعد بما عُرف بـ"أهل السنّة"، وأخرى أصرّت على أن الخلافة لعلي بن أبي طالب وتمخضت ـ في ما بعد ـ عمّا عُرف بـ"الشيعة".
وبظهور بوادر الطوائف والفِرق نتيجة الآراء والمواقف المختلفة التي اختلطت فيها المفاهيم الفكرية والسياسية، اتخذ أصحاب الأغراض الخبيثة هذا التصنيف (سنة ـ شيعة) أساسا ملائما لواقع قائم، وشرعوا في تغذية الشقاق وتعميقه بين المسلمين، وهذا الذي يلخص الباحث هنا عوامله التاريخية بالآتي:
1 ـ المصالح الضيقة والأهواء التي تقاذفت بعض المسلمين.
2 ـ الأيدي المغرضة الدخيلة المتمثلة ببعض العناصر الجاهلية والمنافقة اليهودية التي ما فتئت تحاول الفتك بالإسلام وتمزيق وحدة أبنائه.
3 ـ التفسيرات المختلفة للقرآن الكريم والسنّة المطهّرة، والاجتهادات الخاصة الخاطئة التي انتقلت من الصعيد النظري إلى المجال العملي، ثم تغيّرت إلى شكل تعصّب أعمى.
ولقد بقيت قضية الخلافة نقطة الخلاف المركزية التي ساهمت الأحداث المتلاحقة الناتجة عنها، في ترسيخ مصطلحي "الشيعة" و"السنّة" للدلالة على مدرستين اسلاميتين مختلفتين، تفرّع عنهما مذاهب وطوائف بارزة ومختلفة.
ومع أن طبيعة هاتين التسميتين لا تعبّران عن حقيقة علمية ثابتة، إلاّ أن تقلبات السياسة والتعصب والأمزجة الخاصة قد جرّت بالضرورة إلى أفكار وتصورات وأحكام فرضت هذين المصطلحين بالقوة والفعل معاً، كما يقول الباحث الذي تناول في دراسته هذه حالات الانقسام الإسلامي المذهبي بتتبعها عبر العصور وصولاً إلى عصرنا الحاضر، من خلال دراسته لمسارات الانقسام المذهبي والطائفي في الأمة الإسلامية، وأسبابها وتداعياتها السياسية والاجتماعية والعلمية في فترات تاريخية متلاحقة، مُظهراً دور السلطات السياسية المتعاقبة في استغلال الخلاف المذهبي وتجييره لمصالحها الخاصة، عبر توظيف بعض الرواة والقضاة والفقهاء في تمرير مآربها.. كما يدرس الفرق بين سلوك أئمة المذهب وأصحاب المصالح، مبرزاً محاور الخلاف بين السنة والشيعة.. الى جانب تناوله بحث عوامل انتشار المذاهب ودور السلطات في حصرها والتدخل في غلق باب الاجتهاد وعلاقة الفُرس التاريخية بالمذاهب السنية والشيعية، ودور الوضّاعين في تأجيج الصراع الطائفي وتحريف التاريخ، مركزاً على أشكال الصراع الطائفي التاريخي، كالحروب وأعمال العنف والفتاوى الطائفية السياسية، الى مقاربته واقع المسألة الطائفية المتمثلة في بحثه عن الدور الخارجي (الاستعماري) في الطائفية، وبعض نماذج الأنظمة الطائفية ودعاة الطائفية الجدد، الى استعراضه وسائل الدعاية الطائفية كالكتب والمنشورات، خاتماً بدرس الأساليب الموضوعية والخطوط النظرية والعملية لوحدة الأمة الإسلامية، واضعاً مقترحاته العملية للتقريب بين مكوناتها ومذاهبها في رؤية واقعية فنّدت آثاراً ومخلفات قاتلة لقضية تجذّرت وتشعبت واتخذت شكلها النهائي خلال ما يقرب من 1400 عام، فكانت وبالاً على المسلمين بكل أشكالها ومفاعيلها وذيولها.
فهذه القضية التي تجسدت بالجانب السلبي من المسألة الطائفية، لا يمكن حلّها، وبالتالي تحقيق هدف وحدة إسلامية صحيحة ومتفاعلة إلا بمعالجة هذا الجانب المأساوي، من خلال البحث الموضوعي المعمّق لجذور هذه المسألة، بعد الإذعان بوجودها كمشكلة معقدة وكواقع مُرّ نُعاني منه، وطرح جميع ما يتعلق بها بكل وضوح وتجرّد ومن دون انغلاق أو تعصب أو أحكام سابقة.
ويوضح الباحث أن استخدام مصطلح "الوحدة الإسلامية" هو استخدام مجازي (خيالي)، وبرأيه فإن الأصح أن نعتمد مصطلح "وحدة الأمة الإسلامية"، لأنه ينطوي على مداخل واقعية نفسية واجتماعية وسياسية، يمكن أن تشكل مساحات مشتركة يدخل فيها المصير الديني المشترك، والتعايش الجغرافي والاندماج الاجتماعي والتكافل الاقتصادي والمصلحة الوطنية والإقليمية والقرابة القومية، مع الأخذ الجدّي بالاعتبار المعتقدات الموروثة والتاريخ والاستعمار، في مشاريع مدروسة كخيار وحيد معزّز بالدعوة الى وحدةٍ تنسجم وحركة الواقع كغاية مرتجاة، يعرّفها الباحث بالإرشاد الى سبل تحقيقها، على أنها سلسلة من الخطوط (النفسي، الإعلامي، الاجتماعي، السياسي، والعلمي)، والتفاعلات العميقة والآليات، تبدأ بحسن الظن بجميع المسلمين والشعور بالمصير المشترك، وممارسة التضامن بمواجهة الأعداء بمختلف أشكالهم ومواقعهم، والتعارف والحوار والتفاهم في كل المجالات الثقافية والفكرية والمعتقدية، وفي الآداب والسنن والفرائض. ويشدد المؤلف أخيراً في دراسته العلمية هذه، على أن الخط العلمي للوحدة المنشودة يجب أن يحظى بأهمية خاصة، لأنه كان وما زال محور عناية الكثير من علماء الأمة ومؤسساتها العلمية، وهو ـ من دون شك ـ يقع في دائرة اختصاصهم. ويقول: إن منطلق كل تلك الأهداف والخطوط وغايتها، هو العمل على تحقيق مرضاة الله تعالى، وطلب النجاة بالسير على الخط المستقيم الذي أراده الله تعالى للمسلمين.
أحمد ياسين
الانتقاد/ العدد1211، 20 نيسان/أبريل2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018