ارشيف من : 2005-2008
الاختلاط بين الرجل والمرأة
الجمادات، من الكهرباء والمغناطيس وغيرهما، حتى الذّرّة فيها الشحنة الكهربائية الموجبة والشحنة السالبة (الإلكترون البروتون)،وإلى ذلك أشار الله تعالى في قوله: "ومن كلِ شيءٍ خلقنا زوجينِ لعلّكم تذكّرون".
فالذكر والأنثى كالشيء ولازمه، لا غِنى لأحدهما عن الآخر.. والقرآن الكريم يقول: "وليسَ الذكر كالأنثى".
فالمرأة بهذا غير الرجل، ومع هذا لم تُخلق لتكون نداً ولا خصماً، بل هي منه وله، تكمله ويكملها: "بَعضُكُم من بعضٍ"، "والله جَعَلَ لَكُم من أنفسِكُم أزواجاً".
لقد ركّب الله في كل من الرجل والمرأة شهوة غريزية فطرية قوية تسوقهما إلى التجاذب واللقاء حتى تستمر الحياة ويبقى النسل إلى الأجل المسمّى عند الله.
وعلى هذا الأساس من النظر إلى فطرة المرأة، وما يجب أن تكون عليه في علاقتها بالرجل، يعامل الإسلام المرأة، ويقيم كل نظمه وتوجيهاته وأحكامه.
إنه بهذه الأحكام يرعى أُنوثتها الفطرية، ويعترف بمقتضياتها، فلا يكبتها ولا يصادرها، ولكنه يحول بينها وبين الطريق الذي يؤدي إلى ابتذالها وامتهان أنوثتها، ويحميها من ذئاب البشر وكلاب الصيد التي تتخطف بنات حوّاء، لتنهشها نهشاً وتستمتع بها لحماً ثم ترميها عظماً.
وهو أيضاً بهذه التشريعات والأحكام يحمي الرجال من عوامل الانحراف والقلق، ويحمي الأسرة من أسباب التفكك، ويحمي المجتمع كله من عوامل السقوط والانحلال.
فالإسلام يرفض كل نظام يصادم هذه الفطرة ويعطلها، ولكنه من جهة أخرى يحظر كل تصريف لهذه الطاقة على غير الوجهة التي خُلقت لها، فشرع الزواج الذي هو أساس الأسرة، وحرّم الزنى، كما حرّمته الأديان السماوية كلها، وسدّ كل منفذ يؤدي إلى هذه الفاحشة الكبرى مما هو من مقدماتها ودواعيها، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
انطلاقاً من هذه المبادئ والغايات، وإذا أردنا التكلم بلغة الحريات والحقوق، نرى أن الإسلام لم يشرّع إمساك المرأة في البيت، فلا تخرج منه البتّة! وكيف يستقيم هذا في منطق الإسلام وقد اعتبره القرآن (أي إمساكها في البيت) ـ في مرحلة من مراحل تدرج التشريع قبل النص على حد الزنى المعروف ـ عقوبة بالغة لمن ترتكب الفاحشة من نساء المسلمين. وفي هذا يقول تعالى في سورة النساء: "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً". وعليه فإننا لو فعلنا ذلك نكون في منطق القرآن كأننا نعاقبها عقوبة دائمة، وهي لم تقترف إثماً!
إن الإسلام وإن سمح للمرأة بالخروج من البيت، لكنه لم يسمح لها بذلك كيفما اتفق ولأي سبب كان، بل جعل خروجها مقتصراً فقط على السعي في حاجتها خاصة. فعن الرسول (ص) أنه قال مخاطباً النساء: "قد أذن الله لكنّ بالخروج من بيوتكن في حاجتكن". هذا في السبب الموجب لخروجها، أما في الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها عند خروجها، فقد أوجب الإسلام عليها الالتزام بالإرشادات التالية:
ـ الغض من بصرها: "وقُل للمؤمناتِ يغضُضنَ من أبصارهنَّ ويحفظنَ فروجَهُنَّ".
ـ الاحتشام والتستر في لباسها وزينتها: "ولا يُبدينَ زينتهُنَّ إلا ما ظهرَ منها وليضربنَ بِخُمرهنَّ على جُيُوبهنَّ". والخمر جمع خمار، والخمار هو غطاء الرأس. والجيوب جمع جيب، وهو من المرأة نحرها وما علا صدرها. والمقصود بقوله تعالى: "وليضربنَ بِخُمرهنَّ على جُيُوبهنَّ"،أي ليغطين نحورهن.
ـ أن تتوقر في مشيتها وكلامها: "ولا يَضربنَ بأرجُلِهِنَّ ليُعلمَ ما يُخفينَ من زينتهنَّ"، "فلا تَخْضَعنَ بالقولِ فيطمعَ الذي في قلبهِ مرضٌ وقُلنَ قولاً معروفاً". فليست ممنوعة من الكلام، وليس صوتها عورة، بل هي مأمورة أن تقول قولاً معروفاً.
ـ أن تمتنع عن الخلوة بأي رجل ليس زوجها ولا مَحرماً لها: "لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ ولا تسافرنَّ امرأة إلا ومعها مَحرم".
ـ ألا تختلط بمجتمع الرجال الأجانب.. ونقصد بالاختلاط بين الرجل والمرأة أن يرتفع الحاجز بينهما حتى تعود العلاقة بينهما كما تكون العلاقة بين الرجل والرجل، وكما بين المرأة والمرأة، فتكون زميلته ويكون زميلها، في الدراسة أو العمل! أو تكون صديقته ويكون صديقها!
ولنا من سيرة رسول الله (ص) أكثر من شاهد على حرمة الاختلاط هذا: فمن الثابت أن المرأة كانت تشهد الجماعة والجمعة في مسجد رسول الله (ص)، لكنه(ص) كان يحثهن على أن يتخذن مكانهن في الصفوف الأخيرة خلف صفوف الرجال. وكان المسلمون في أول الأمر يدخلون رجالاً ونساءً من أي باب اتفق لهم، وعندما لاحظ (ص) ذلك قال: "لو تركنا هذا الباب للنساء"، فخصّصوه بعد ذلك لهن، وصار يُعرف إلى اليوم باسم "باب النساء".
وكان النساء إذا فرغن من الصلاة قمن وثبت رسول الله ومن صلى من الرجال ما شاء الله حتى يدخلن بيوتهن، فإذا قام رسول الله (ص) قام الرجال.
والخلاصة: انَّ اللقاء بين الرجال والنساء في ذاته ليس محرّماً، إنما الاختلاط غير المبرّر هو المحرّم.
الانتقاد/ العدد1211، 20 نيسان/أبريل2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018