ارشيف من : 2005-2008
نفايات النورماندي: توزعت على معظم المناطق وإقليم الخروب ينتفض ضد موزعيها
السامة في أكثر من منطقة لبنانية بشكل عشوائي، وصُدموا عندما شاهدوا العبّارات المائية تُفرغ أخطر النفايات تلويثاً وبالأطنان في البحر قبالة العاصمة بيروت. لكن كيف سيكون رد فعل اللبنانيين عندما يدركون أن عدداً من السياسيين الذين يتشدقون بحرصهم على مصلحة بيئة لبنان واقتصاده هم من يغطي جريمة إفراغ مكب النورماندي من محتوياته وتوزيعها هنا وهناك؟ بل ما الذي سيقوله اللبنانيون عندما يعلمون بأن السواد الأعظم من الجمعيات البيئية في لبنان قد التزمت الصمت حيال هذه الفضيحة نظراً للمصالح المالية أو السياسية التي تربطها بمن يغطي جريمة النورماندي؟
الصمت الرسمي لم ينسحب على الاهالي المتضررين من فعلة السلطة و"هداياها" المسمومة.. فكان آخر المحطات تحرك اهالي اقليم الخرّوب وقطعهم الطريق أمام الشاحنات، حركة أسماها البعض "انتفاضة الاقليم ضد نفايات السلطة".
القصة بدأت في التسعينيات عندما أصبح مكب النورماندي للنفايات ملكية خاصة لشركة سوليدير. جبال من النفايات المطمورة منذ ما قبل انتهاء الحرب الأهلية التزمت سوليدير في عقد شراء عقار النورماندي من الدولة اللبنانية على معالجتها، وتحويل جزء من الموقع إلى حديقة عامة، في حين تشيد على الجزء الآخر عدداً من المنشآت والمنتجعات السياحية.
عام جرّ عاماً، وسوليدير لم تف بالتزامها المفترض أن يكون منتهياً أواخر العام 2005.
وتكشف مصادر مطلعة على الملف، "أن سوليدير تعاقدت مع شركة أوروبية لمعالجة المكب، وبعد أشهر من العمل على فرز النفايات تبيّن أن الجزء الأكبر من مكب النورماندي هو من النفايات غير العضوية التي يحتاج تحليلها ومعالجتها إلى الكثير من العمل والمال، فتوقفت الشركة الأجنبية عن العمل لتدخل في صراع قانوني مع سوليدير". وهكذا تحول مكب النورماندي بعد عمليات الفرز تلك إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول عبارة عن أطنان كبيرة من مادة النايلون التي تحتاج لقرابة المئتي عام كي تتحلل في التربة بحال لم يُصر إلى معالجتها، والصنف الثاني عبارة عن كمية محدودة من التراب الذي استخدم في طمر المواد العضوية التي مع تحللها حوّلت هذا التراب إلى سماد، أما الصنف الثالث وهو الأخطر، فهو جبال من التراب الذي اختلطت فيها النفايات الصناعية كالزيوت وبطاريات الطاقة التي تحولت مع مرور الوقت إلى غازات سامة ومواد يكفي 200 غرام منها لتلويث هكتار زراعي بأكمله بحسب الخبراء.
الصفقة بين سوليدير والمقاول جهاد العرب
المصادر المطلعة كشفت عن اسم المقاول جهاد العرب، المقاول المشهور في تيار المستقبل، إذ أبرم العرب نهاية العام 2006 مع شركة سوليدير صفقة تفريغ النورماندي من جميع محتوياته وتوزيعها على المناطق اللبنانية على مسؤوليته الخاصة مقابل مبلغ كبير من المال.
وهكذا بدأت الجرافات والشاحنات بالعمل، وما هي إلا أسابيع حتى بدأت رائحة الفضيحة تظهر، أهالي المناطق التي تم رمي النفايات فيها بدأوا يشكون من روائح كريهة في محيط بلداتهم، وأن شاحنات تعمل ليلاً على تفريغ حمولاتها في تلك الأماكن.
من عرمون والشويفات وخلده، وصولاً إلى منطقة ملتقى النهرين في الدامور والناعمة والمشرف وسبلين وكسارة المستقبل في إقليم الخروب، وإلى القريّة في إقليم التفاح وليس انتهاءً بالجية ودير الزهراني في الجنوب. حتى أن الشاحنات وصلت إلى المتن الشمالي وكسروان في المونتيفيردي وبيت شباب والمكلّس وإنطلياس.
ومما زاد في سوء نية المقاول المذكور، إقدامه على تجميع كميات كبيرة من نفايات النورماندي في مجبل الزفت التابع له في منطقة التيرو بالقرب من الشويفات، ومن ثم تحميلها في الشاحنات وإخفائها تحت غطاء من الردميات تمهيداً لإفراغها ليلاً في أماكن متفرقة.
وبحسب المعلومات الواردة، فإن شهر نيسان/ أبريل المنصرم شهد تفريغ النسبة الأكبر من نفايات النورماندي في منطقة إقليم الخروب وبالأخص في منطقة سبلين بالقرب من معمل الترابة، وذلك بغطاء سياسي وأمني من قبل عناصر الحزب التقدمي الاشتراكي، وأن عمليات التفريغ اليومية تشمل ما لا يقل عن الألف حمولة شاحنة يومياً.
تفريغ النفايات في البحر
عمليات التفريغ المذكورة شملت بمعظمها نفايات النايلون والتراب المختلط بالنفايات المنزلية وبعض قطع الغيار. لكن ما لا يمكن نقله بالشاحنات هو عشرات آلاف الأطنان من النفايات الصناعية السامة التي لا يمكن رميها وإخفاؤها على اليابسة بسهولة. لكن ذلك لم يمنع المقاول جهاد العرب وسوليدير من الاصرار على إخراجها من النورماندي، مستعيناً بعدد من العبّارات المائية وببعض المتعهدين المقربين من جهات سياسية في فريق 14 شباط/ فبراير، فبدأ العرب وبعلم سوليدير بملء العبّارات بكميات كبيرة من تلك النفايات السامة وإلقائها داخل مياه البحر على بعد نحو مئتي متر عن السنسول الشمالي لشاطئ النورماندي، وبحسب المعلومات فإن بعض العبّارات ألقت أطناناً من تلك النفايات في نقطة بحرية أبعد يعرفها الصيادون باسم الغاروقة، وهي نقطة يبلغ عمقها نحو 70 متراً.
طرد الموظفين على أساس طائفي
يصف مصدر المعلومات حالة المقاول جهاد العرب ورؤساء الأمن في "سوليدير" عندما أدركوا أن وسائل الإعلام باتت تتناولهم كملوثين للبيئة، لا سيما بعدما عرضت قناة المنار في نشرات أخبارها سلسلة الأدلة والاثباتات بالصور للمخالفات التي يتم ارتكابها في النورماندي وخارجه. ويشرح المصدر تلك الحالة بالقول إن الحيرة والارباك سيطرا على العرب وشركائه خصوصاً فيما يتعلق بهوية مصادر المعلومات التي تسرّب للصحافة ما يحدث داخل النورماندي.
وبسبب الرؤية المحدودة لدى هؤلاء، فإن أول ما قاموا به بعد عرض التقارير الاخبارية الخاصة بفضيحة النورماندي على قناة المنار، هو فصل معظم الموظفين داخل النورماندي من طائفة المسلمين الشيعة، ثم أُتبع بعد أيام بفصل 16 آخرين من العاملين في مجال الأمن الخاص في محيط النورماندي، وذلك بشكل تعسفي ومن دون دفع التعويضات علماً أن عدداً من هؤلاء يعمل لدى سوليدير منذ أكثر من خمس سنوات.
وتضيف المصادر أنه وبتاريخ الثالث والعشرين من الشهر المنصرم بلغت قلوب العرب وشركائه الحلقوم عندما قطع الأهالي في بلدتي برجا والجية الطريق بوجه الشاحنات المحملة بالنفايات في طريقها إلى منطقة سبلين، وفيما كانت قناة المنار تذيع الخبر، كان شقيق جهاد العرب خليل والمتعهدان ميلان والقاعي ومعهم عدد من مسؤولي الأمن في "سوليدير" يحملون أجهزتهم اللاسلكية ويتخاطبون على موجة واحدة طالبين من بقية الشاحنات التوقف عن نقل النفايات بشكل مؤقت، والايعاز للشاحنات الأخرى بالتفريغ على الطريق قبل الوصول إلى الجية، وهذا ما حصل.
المتواطئون: سياسيون، أمنيون، بيئيون، رؤساء بلديات...
هنا لن تعجب هذه الكلمات الكثيرين ممن يعقدون المؤتمرات ويتقاضون المساعدات الأممية وغيرها كونهم يمثلون الشريحة المناضلة من أجل سلامة البيئة في لبنان. وإذا كان رأس الهرم المتمثل برئيس لجنة البيئة النيابية النائب أكرم شهيّب قد نخرت سمعه أخبار النورماندي، فإن قيادته السياسية في الحزب التقدمي الاشتراكي، ووفقاً للمعلومات، قد أبرمت اتفاقاً مع المقاول جهاد العرب لاستقبال كميات من النفايات في بعض مناطق إقليم الخروب ومن بينها الناعمة وسبلين.
أما وزير الداخلية في الحكومة الفاقدة للشرعية، فقد أصدر قراراً يوم 14/4/2007، أي في عز أخبار فضيحة النورماندي، ينص على تمديد فترة السماح بنقل الردميات على الأراضي اللبنانية، في غطاء واضح لعمليات نقل نفايات النورماندي، ولا سيما أن ورشة نقل الردميات من الضاحية الجنوبية نتيجة عدوان تموز قد انتهت.
وإذا كان هذان النموذجان يكفيان لكشف الجهات التي تؤمّن الغطاء السياسي لجريمة النورماندي البيئية، إلا أن ما هو أخطر يتمثل في المعلومات التي وردت بشأن تورط عدد من المسؤولين في أجهزة غير مدنية مختصة بالأمن الداخلي في الجريمة، سواءً لناحية تأمين الغطاء الأمني أو لناحية تسهيل مرور شاحنات النفايات. وإذ تكتفي "الانتقاد" بهذا القدر من المعلومات حول المتورطين الرسميين، فإنها تضيف أن عدداً كبيراً من الجمعيات البيئية المعنية بسلامة تربة لبنان وبحره متواطئة أيضاً في عدم التحرك ضد الجريمة، وباختصار فإن ذلك يعود لعدم إحراج الجهة التي تموّل نشاطات هذه الجمعيات التي لن تُكشف أسماؤها الآن إفساحاً في المجال أمام القضاء للتحرك، وهو تحرك إذا ما حصل سيجر إلى التحقيق عدداً كبيراً من متعهدي النقل والأشغال والمستثمرين في بعض المناطق اللبنانية، إضافة إلى عدد ليس بقليل من رؤساء البلديات الذين تقاضوا مبالغ مالية من المقاول جهاد العرب بطريقة مباشرة أو عبر جهات ثالثة لاستقبال كميات من نفايات النورماندي واستخدامها في أعمال الردم، ضاربين عُرض الحائط بأمانة الحفاظ على بيئة البلدات التي انتخبهم أهلها للحفاظ عليها.
ضياء أبو طعّام
الانتقاد/ العدد1212 ـ 27 نيسان :أبريل 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018