ارشيف من : 2005-2008

"جبهة الحرية" لبناء القوات وحماية المسيحية وبعيدة عن "14 آذار"

"جبهة الحرية" لبناء القوات وحماية المسيحية وبعيدة عن "14 آذار"

جعجع وشرعية هيئته التنفيذية، عندما أعلنوا عن تشكيل جبهة الحرية بعد 22 سنة من الاعتكاف التنظيمي امتدت من زمن الانتفاضة على الاتفاق الثلاثي الى القبول المشروط باتفاق الطائف.‏

وجاء تشكيل الجبهة بعد فشل جميع محاولات الجيل المؤسس للقوات في إقناع سمير جعجع المفرج عنه بقانون العفو، لإعادة بناء هيكلية القوات استناداً الى جردة حساب سياسية وتنظيمية ورؤية استراتيجية لمرحلة جديدة من العمل تعيد الاعتبار الى المؤسسة المسيحية الأم الحاضنة للمجتمع المسيحي والجامعة للقوى كافة من اليمين المنشود الى دعاة الاعتدال.‏

وتأخذ القوات اللبنانية "جناح جبهة الحرية" على سمير جعجع تنكره لرفاق خاضوا حروب الشوارع منذ العام 1975، وأخلصوا لمبادئ وأهداف قوات بشير الجميل، ونصبوا أنفسهم مدافعين عن الطائفة المسيحية. وينتقد القدامى نزوع جعجع نحو السلطة واستئثاره بالقرار والاستبداد بالرأي والغرور بالمواقف، والاعتداد الرخيص بحلفاء اليوم الذين كانوا أعداء الأمس، وطعنوا القوات بالتحالف الرباعي ويقودونها الى إقرار التوطين وحرب مع سوريا، وكل ذلك لا يستند الى استراتيجية مسيحية بأهداف ذاتية وتطلعات آمنة تحافظ على الوجود المسيحي في لبنان والشرق ولا تجعله تابعاً لفريق يستمد قوته من الأكثرية العربية المحيطة به، لا من التنوع اللبناني.‏

في العشاء الأول الذي جمع القدامى من مختلف المناطق والمواقع التنظيمية الأمنية السرية أو العسكرية العلنية، تداول الرفاق الاحياء منهم أو الجرحى والمعوقون (أنصاف الأحياء) بحال القوات اللبنانية وأحوالها، واتهموا سمير جعجع وزوجته النائب ستريدا وبعض الذين يبحثون عن دور سياسي أو اعتادوا تنفيذ الأوامر لاتخاذها بالقضاء على القوات اللبنانية وتحويلها الى حزب يرأسه زعيم يمارس الاستبداد بدلاً من الديمقراطية في الادارة، والقمع مكان الحريات في العمل التنظيمي والسياسي.‏

هؤلاء القادمون من فوج المظليين والمغاوير وقوات الصدم ومعهم النظاميات ومجموعة كبيرة من وحدات أدونيس، الى جانب رابطة سيدة إيليج والاحرار، أوجزوا في ثلاث ساعات 11 سنة من العمل السياسي، منذ 23 آذار 1994، تاريخ حظر القوات اللبنانية من جانب حكومة انبثقت عن اتفاق الطائف وكان يترأسها رفيق الحريري في ذلك الوقت، وأكدوا أنهم عملوا منذ دخول جعجع الى السجن في نيسان من عام الحظر لإبقاء القوات والقواتيين على قيد الحياة السياسية، متحدين السلطة ومن خلفها القيادة السورية في لبنان.. وأكدوا أنهم كانوا أوفياء للقوات في سنوات العاصفة، ورفضوا عروضاً سخية مقابل إعادة انتاج القوات في ظل نظام الوصاية السورية والتضحية بجعجع نفسه.. إلا أن الوفاء للقوات لا لسمير منعهم من قبول العروض وظلوا متمسكين بمواقفهم الرافضة لوثيقة الوفاق الوطني وللدور السوري الكبير في تشكيل الحكومات وتعيين الموظفين في الفئات الاولى والثانية والثالثة، ووضع قوانين الانتخابات البرلمانية وربط لبنان بمجموعة كبيرة من الاتفاقات مع دمشق، الى جانب رفض توطين الفلسطينيين مهما كانت الظروف والأثمان.‏

كان على سمير جعجع بعد العفو عنه الذي أصدره مجلس نيابي انتخب على أساس قانون انتخابي وضعه مسؤول القوات السورية العاملة في لبنان غازي كنعان في ذلك الوقت ـ بحسب القدامى ـ أن يجمع القوات حوله ويلتقي بالمجموعات القيادية والعناصر الفاعلة طوال سنوات الحظر والسجن، والتأسيس معها لمرحلة جديدة من العمل التنظيمي والسياسي.. لكنه انفرد وزوجته وجماعة معروفة تدين لها بالولاء والطاعة، ولا تربطها بماضي القوات أو مستقبلها الاّ مصالح ضيقة جداً.‏

وانتقد القدامى حاكم الأرز بحسب وصفهم، وخصوصاً أسلوبه في استقبال القواتيين وتصويرهم اعلامياً كأنهم في زمن الكنيسة في القرون الوسطى، يوم كان الولاء للرهبان قبل الإيمان بالله. ويعترف البعض منهم ولا سيما الجامعيون في مصلحة الطلاب، بأنهم وافقوا على مقابلة الحكيم في أرزه الشامخ وفقاً لطقوس مجموعة قواتية مستوردة لا تاريخ لها، إلاّ أنهم اليوم نادمون على تلك اللقاءات التي أعطت شرعية لرجل زاد السجن في نزوعه الحاد نحو الشخصانية، والممزوج بهلوسات روحية استمدها من جدران زنزانته الانفرادية، وأقنعه أتباعه الجدد بقداسة أفكاره وقراراته.‏

ويقول القدامى عن سمير جعجع في معرض النقد والكراهية، إنه يتظلل باتفاق الطائف الذي يرتكز على الاتفاق الثلاثي الذي انقلب عليه وشق القوات وورّط المسيحيين في حروب دموية لا يمكن للزمن تجاوز آثارها.. كما انه مدّ يدّه الى وليد جنبلاط زعيم التقدميين الاشتراكيين الذي قتل وذبح وطرد المسيحيين من الجبل، ويرفض التفاهم مع التيار الوطني الحر ومع القوات المسيحية الاخرى، لأن أتباعه الجدد أقنعوه بأنه الزعيم المسيحي الأوحد ورئيس الجمهورية الخامسة! بينما يرى القدامى أن مكانه الحقيقي في السجن لا في قصر بعبدا ولا حتى في الهيئة التنفيذية، بسبب الجرائم التي ارتكبها بحق المسيحيين قبل غيرهم.‏

باستثناء كراهية جعجع، فإن القدامى والمؤسسين للقوات قادة "جبهة الحرية"، لم يقدموا رؤية واضحة من الانقسام الوطني في لبنان حول المحكمة الدولية وسلاح المقاومة وقانون الانتخاب وبناء الدولة ومحاربة الفساد وغيرها من القضايا الخلافية، لكنهم أكدوا ابتعادهم عن جماعة "14 آذار" التي تشكل سياستها خطراً على المجتمع المسيحي، لأنها تقوم على مصالح شخصية وترتبط بسلطة المال والاعلام، ولا تستند الى مشروع سياسي.. من دون أن يعني أنهم أقرب الى قوى المعارضة، ولا يرون في الجدل السياسي حول المحكمة الدولية جوهر الانقسام اللبناني حالياً، إنما المشكلة تكمن في الانقسام حول إعادة تكوين لبنان، لذلك فإن الأولية الآن لإعادة بناء المسيحية عموماً والمارونية خصوصاً.‏

وفي الوقت الذي أكد فيه قدامى القوات تطبيق مبدأ العلاقة اللبنانية مع الدول العربية في ما يتعلق بسوريا، رفضوا في العشاء الأول تحديد موقفهم من المقاومة والقرار الدولي 1701 والقرارات الأخرى التي سبقته، إلاّ أن شارل شرتوني أحد أبرز المنظرين للقدامى، عبّر في مجلس خاص أمام إعلاميين عن رأيه الشخصي بضرورة أن "يتوجه لبنان الى إقامة علاقات كاملة مع "اسرائيل" اليوم قبل الغد، ورأى أن القرار الدولي 1701 يسمح بذلك، وهو أفضل القرارات الدولية التي يمكن أن تقلص المواجهات على الحدود اللبنانية مع "اسرائيل"، وتنزع السلاح الفلسطيني وتعيد بناء الدولة اللبنانية".‏

القدامى عائدون دون شك، وهم أفصحوا عن هيكلية تنظيمية شبيهة جداً بتلك التي اعتمدتها القوات "جناح جعجع".. ويبدو أنهم نجحوا في استقطاب الكوادر القديمة من القوى التي سبق ذكرها، فضلاً عن عناصر حزب الوعد الذي أسسه الوزير إيلي حبيقة بعد انتفاضة جعجع على الاتفاق الثلاثي عام 1985. وتتوقع أوساط مسيحية أن تنشط "جبهة الحرية" في الأشهر القادمة، وهي تتحضر لاستعراض شعبيتها في مهرجان كبير لم يحدد موعده، لكنه سيؤكد أن ما يدعيه جعجع من تمثيل قواتي ومسيحي ليس سوى أوهام.‏

قاسم متيرك‏

الانتقاد/ العدد1212 ـ 27 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-27