ارشيف من : 2005-2008

المرحلة المقبلة في المنطقة ولبنان : إدارة أزمات ومراوحة... إما بدايات تسويات وحلول

المرحلة المقبلة في المنطقة ولبنان : إدارة أزمات ومراوحة... إما بدايات تسويات وحلول

بان كي ـ مون في زيارته الأولى لدمشق كان له سحره الخاص.‏

وأكثر من ذلك بدا المشهد مشدوداً مرة أخرى إلى حالٍ من الترقب والانتظار المشوب بالقلق والمتوجس من الآتي، في الوقت الذي عادت فيه السخونة إلى المواقف المتناحرة، وليتبين معها أن الأوضاع اذا ما بقيت على حالها، فإنها ستكون مفتوحة على تطورات سياسية بالغة الدقة والخطورة.‏

اللوحة الداخلية تتداخل فيها الألوان الخاصة بكل طرف مع الألوان العامة للمشهد ككل، اضافة إلى الظلال الكثيفة التي ترميها عليها التطورات المتسارعة اقليمياً ودولياً، والانخراط الدولي غير المسبوق، على الأقل شكلاً، في اللعبة اللبنانية الداخلية.‏

إننا أمام مشهد سوريالي بالكامل، وأمام خيوط متداخلة ومتعاقدة، وكل طرف منها ممسوك من جهة، لدرجة يصعب معها تحديد نقطة البداية، وخريطة الطريق، والمخرج.‏

في المشهد النووي الإيراني يبدو أن شيئاً ما يتحرك، جوهره ان احتمالات اندفاع الأمور نحو المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران هي في تراجعٍ مستمر، أو هي، على الأقل، وضعت في مسار تنازلي، وأن احتمالات التسوية هي في قوس الصعود.‏

في المشهد العراقي تبدو أحوال الاحتلال الأميركي إلى مزيدٍ من الاعتلال، ومظاهر المأزق تتسع وتتجذر، ولا ينقص اعلان الخسارة إلا الإقرار به، اذ هذا ما هو حاصل فعلاً، وإنما ينقصه البوح به جهاراً.‏

أما مشهد التسوية الذي عاد إلى الحياة مجدداً بقوة الدينمو السعودي، المعطوف على تعاطف اميركي ولا ممانعة اسرائيلية، يبدو أنه يشق طريقه بصعوبة، حيث الاعتراض العملي عليه جاء بقوة الدم والنار في الضفة والقطاع، والاعلان عن انفراط عقد الهدنة، والعودة إلى مناخ المواجهات.‏

وسط هذه المشاهد يقوم وزير الحرب الأميركي بجولة على كل من السعودية والأردن والكيان الاسرائيلي وتنتهي في موسكو. غايتس كان شفافاً وصريحاً في تحديد مهام جولته: تطمين دول المنطقة لجهة التزام واشنطن حمايتها لا سيما في مواجهة ايران، والبحث مع الدول التي زارها في كيفية التصدي لإيران وحزب الله، وأخيراً وليس آخراً عقد صفقات سلاح جديدة لمواجهة العدو الجديد: ايران.‏

لكن ما لم يقله غايتس قالته الصحافة الاسرائيلية: الهدف الرئيسي للزيارة هو ترتيب مرحلة ما بعد الانسحاب من العراق، وتطمين تل أبيب لما بعد هذه المرحلة.‏

أما في موسكو، لم يتمكن غايتس من اقناع بوتين بـ"النوايا الطيبة" لواشنطن التي تقف وراء نشرها الدرع الصاروخي في أوروبا الشرقية.‏

خلاصة القول هنا، إن كلمة السر في كل ما يجري من حولنا في المنطقة تتمثل بالتالي: ترتيب أوضاع المنطقة لمرحلة ما بعد اعلان الهزيمة الأميركية ـ الاسرائيلية بدءاً من العراق وانتهاءً بعدوان تموز.‏

ترتيب الأوضاع هذا يقتضي وضع حواجز وموانع أمام قوى المقاومة، يقتضي عدم ترك المنطقة في حالة فراغ، أي لا بد من ملئها بكل ما من شأنه أن يمنع القادرين على إشغالها من أن يكونوا هم البديل، كما يقتضي، في الإجمال، وضع المنطقة تحت وطأة ستاتيكو، لا يمكن انجازه بدون تسويات ولو ظرفية وموقّتة، وبالتالي بدون مقايضات وصفقات هنا وهناك.‏

هذا هو الإطار العام الذي يتحرك فيه المشهد اللبناني بكل مكوّنات أزماته الأصلية والفرعية، فهل يمكن للبنان أن يكون خارج تفاعلات المنطقة وشروط تسوياتها العامة والخاصة.‏

ما يعني واشنطن وحلفاءها الاقليميين بالدرجة الأولى هو منع المعارضة من تجيير انكسار المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي في المنطقة لمصلحتها، وعلى نحو مخصوص المطلوب منع حزب الله بما يمثل من نقطة ثقل أساسية في المعارضة وفي محور المقاومة من أن يكون الطرف الأقدر على ملء فراغ الانكسار الأميركي في لبنان.‏

خريطة الطريق لاحتواء المعارضة وحزب الله باتت واضحة: دعم فريق السلطة بكل ما يلزم ليشكل حاجزاً سياسياً في وجه المعارضة، الاستفادة من قوات اليونيفل لإيجاد واقع موضوعي جديد يقيد من حركة المقاومة في الجنوب، العمل، اذا أمكن، على إكمال الطوق من خلال الحدود اللبنانية ـ السورية، والعمل على الغاء كل ما يمكن عده ذرائع تستخدمها المقاومة لتبرير احتفاظها بسلاحها.‏

في هذا الإطار العام، يأتي تحريك دعوى تهريب السلاح عبر الحدود السورية ـ اللبنانية، وتحريك ملف مزارع شبعا باتجاه وضعها تحت الوصاية الدولية.‏

في هذا الإطار أيضاً، يمكن أن نجد تفسيراً ليس فقط للاستعجال الأميركي ـ الفرنسي زائد فريق السلطة لنقل مسوّدة نظام المحكمة ذات الطابع الدولي من إطارها اللبناني الى مجلس الأمن لإقرارها تحت الفصل السابع. فهؤلاء يريدون إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد، أو هكذا في ظنهم: فهم يريدون أولاً ليس تحرير نظام المحكمة من شبكة الصراع الداخلي، وانما تحريرها اذا أمكن من أن تكون موضع تفاوضٍ اقليمي ودولي يؤدي الى الإجهاز عليها بالصورة التي يريدونها هم، أي كأداة ابتزاز سياسي في وجه خصومهم السياسيين.‏

بكلمة أخرى، هؤلاء مستعجلون لتحويلها الى أمر واقع ليتم إخراجها من أي عملية تفاوض، وبالتالي تريد واشنطن تحويلها الى أداة في يدها لوحدها تدخلها في الخدمة ساعة تشاء ضد خصومها، وإن كان المتصور ان الوظيفة المقدرة لها في المرحلة المنظورة أو على الأقل، من الآن وحتى نهاية عهد بوش، هي أن تشكل أداة حماية لعناصر المشروع الأميركي ـ الاسرائيلي في لبنان: حكومة السنيورة البتراء وفريق 14 شباط، قوات اليونيفل في الجنوب، ترتيب مرحلة انتقال سياسية لا تكون على حساب فريق السلطة، وترسم نوعاً من الستاتيكو يساعد على تقطيع المرحلة المقبلة بأقل خسائر ممكنة.‏

هذا لا يعني أنه في هذه المرحلة لن نشهد مبادرات وتحركات هدفها احتواء أي محاولة تقود الى إفاضة في وعاء الأزمة الى ما حواليه، وقد نشهد محاولات لصياغة الستاتيكو المطلوب عبر حكومة جديدة توفيقية، قد تمهد الطريق لانتخاب رئيس توافقي، لأن هناك خشية حقيقية من انفلات الأمور سياسياً الى مزيد من تكريس الانقسامات وتعميق الأزمات وصولاً الى المؤسسات الدستورية نفسها.‏

من هنا، ليس من المتوقع أن يكتب النجاح لأي مبادرات لا تأخذ بعين الاعتبار التوازنات العامة في المنطقة وفي لبنان، وما هو مطلوب مرحلياً، وبالتالي فأي أطروحات تخبئ في داخلها محاولات لمضامين معاكسة ستبوء بالفشل، وستدفع الأوضاع الى مزيد من التأزم.‏

خلاصة القول هنا، ان المرحلة المقبلة في المنطقة ولبنان يبدو أنها ستتراوح بين أمرين: إما إدارة أزمات، وإما بدايات البحث عن حلول، وكلاهما لا يستغني عن كباشٍ وتجاذب هنا وهناك.‏

مصطفى الحاج علي‏

الانتقاد/ العدد1212 ـ 27 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-27