ارشيف من : 2005-2008
مغامرة فرنسا الساركوزية
التصويت في حدود ثلاثين بالمئة لمرشح الاتحاد من أجل حركة شعبية، نيكولا ساركوزي، وفي حدود 25 بالمئة لمرشحة الاشتراكيين، سيغولين رويال.
وعليه سيُدعى الفرنسيون إلى جولة انتخابية ثانية، بعد أسبوعين، أي في السادس من أيار/ مايو المقبل، لاختيار خليفة لجاك شيراك الذي حكم فرنسا لفترتين رئاسيتين متتاليتين تخللتهما فترة تعايش إجباري مع الاشتراكيين. والسؤال المطروح، بعد استبعاد مرشح يمين الوسط، فرنسوا بايرو، الذي حقق تقدماً مفاجئاً خلال الحملات الانتخابية دون أن يحصل على أكثر من المرتبة الثالثة حيث نال نحو 18 بالمئة من أصوات المقترعين، هو من سيكون الرئيس القادم؟ ساركوزي أم رويال؟
التحليلات واستطلاعات الرأي ووسائل الإعلام التي توجهها المجموعات المالية الكبرى لا تتردد في تقديم توقعات بفوز ساركوزي بنسبة تتراوح بين 52 و54 بالمئة من الأصوات مقابل 46 و48 بالمئة لمنافسته رويال.
ذلك ممكن، لكن المفاجآت ممكنة أيضاً، لأن الأسبوعين الفاصلين بين الجولتين سيكونان حافلين باستعراضات إعلامية ادخر لها كل فريق أوراقاً سيحاول استخدامها في التأثير على الناخبين، خصوصاً في المواجهة التلفزيونية التي ستجري بين ساركوزي ورويال في 2 أيار/ مايو، أي قبل أربعة أيام من الاستحقاق الانتخابي.
بالتوازي مع ذلك يتركز الاهتمام على كسب الأصوات التي توزعت على المتنافسين في الدورة الأولى. وفي هذا المجال، بات من المؤكد أن رويال التي حصلت في الدورة الأولى على معظم أصوات المقترعين من أصول مغاربية، ستحصل على أصوات 5 أحزاب يسارية جمعت ما يقرب من 11 بالمئة من الأصوات في الدورة الأولى. من هنا، فإن التنافس سيكون على أشده لكسب الـ30 بالمئة من الأصوات التي حصل عليها في الدورة الأولى كل من ممثل يمين الوسط (الاتحاد من أجل الديموقراطية الفرنسية)، فرانسوا بايرو، والجبهة القومية بزعامة اليميني المتطرف جان ماري لوبين. وإذا كان من الصعب على رويال أن تحقق اختراقاً لمصلحتها في صفوف الجبهة القومية بسبب الهوة التي تفصل بين توجهاتها اليسارية والتوجهات اليمينية للجبهة، فإن مثل هذا الاختراق يظل ممكناً فيما يتعلق بيمين الوسط الأكثر اعتدالاً في يمينيته. فالواقع أن نوعاً من الغزل بين الاشتراكيين وبايرو قد لوحظ خلال الحملة الانتخابية وخصوصاً من خلال تصريحات ادلى بها هذا الأخير عندما وصف المجتمع الأميركي بأنه يتسم بالعنف على جميع الأصعدة، وعطف ذلك على ما أسماه بالطابع العنفي المميز لخطاب ساركوزي.
ومع ذلك فإنه من المستبعد أن يحقق ذلك الاختراق وزناً ذا تأثير فعلي بسبب تشابك المصالح التاريخية بين حزبي ساركوزي وبايرو.
أما ساركوزي، فقد حرص منذ الجولة الأولى على كسب أكبر عدد من أصوات اليمين المتطرف من حلال تبنيه لأطروحات عنصرية اتهم فيها المهاجرين من اصول عربية بالقذارة ومنافسة الفرنسيين بطرق غير شريفة على لقمة العيش، إضافة إلى اعتماد حلول "أمنية" لمشكلات الضواحي التي لوّح بأنه سيقوم بتطهيرها بواسطة المبيدات... والواضح ان هذه الطروحات هي ما يفسر الفارق الملموس بين الأصوات التي حصل عليها لوبين في انتخابات العام 2000 والتي بلغت حدود الـ20 بالمئة والـ11 بالمئة التي حصل عليها في الدورة الأولى من الانتخابات الحالية.
وهذه الاعتبارات مجتمعة هي ما يسمح للتحليلات والاستطلاعات بترجيح كفة ساركوزي على مستوى تقاسم الأصوات التي حازها الخاسرون في الدورة الأولى.
ومع ذلك يظل الحديث عن المفاجآت ممكناً، لما قد يستجد من أحداث خلال الأيام القليلة التي تفصل فرنسا عن الجولة الحاسمة، وخصوصاً لما قد يكون عليه "مزاج" الناخبين خلال تلك الفترة.
فالمعروف أن البرامج الانتخابية هي آخر ما يحدد توجهات الناخبين بالنظر إلى طابعها الشعبوي وسهولة انتقالها، تحت مختلف أنواع الاعتبارات، من الأقصى إلى الأقصى في ظل حالة الميوعة واللغة الخشبية التي تحكم خطاب السياسة "السياسوية" السائدة.
والمعروف أيضاً أن 24 بالمئة من الناخبين لم يكونوا، حتى اللحظات الأخيرة من الحملة الانتخابية، قد حسموا مواقفهم النهائية لمصلحة هذا المرشح أو ذاك، ما يعني أن المزاج سيكون اللاعب الأساسي في الخيارات.
وإذا كانت الكلمة الفصل غير وثيقة الصلة بالبرامج والتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فما هي الاعتبارات التي تتحكم بالمزاج الشعبي ودوره الحاسم؟
هنالك، إلى جانب المستجدات الميدانية الممكنة، تفضيلات قد تبدو غرائبية بعض الشيء في نظر من ينظرون إلى الشأن السياسي بحد أدنى من الجدية.
الوضع الصحي للمرشح أساسي في تفضيلات المرشحين، وهذا ما يفسر الكتمان الذي يحيط به المرشحون أوضاعهم الصحية أو الإشارات التي يطلقونها للإيحاء بأنهم يعيشون أوضاعاً صحية جيدة.
فالدعايات الانتخابية تحرص مثلاً على تعريف الناخبين بأعمار المرشحين وبعاداتهم اليومية الإيجابية من قبيل حرص فرانسوا بايرو على تناول الفواكه بكثرة واهتمام ساركوزي بممارسة رياضة الركض بانتظام، او السلبية من قبيل فقدان لوبين لإحدى عينيه، أو الصداع النصفي والإدمان على الشوكولا عند ساركوزي، والابتسامة المصطنعة التي تعكس القلق عند رويال...
وإلى جانب ذلك، يتحدد المزاج أيضاً انطلاقاً من اعتبارات أشد تعقيداً يبدو أن أهمها تلك التي تتحرك في أعماق الشخصية ببعدها الذي يمتزج فيه الوعي باللاوعي. فالمرشح الأكثر حظاً بالفوز، أي نيكولا ساركوزي، هو أكثر المرشحين شهرة في جمعه لصفات الكذب والخيانات المتكررة والغدر والاستعداد لفعل الشيء ونقيضه من أجل تحقيق مآربه. أفلا يمكن القول بأن هذه الصفات وما يرتبط بها من ميول تسلطية واضحة هي ما يدفع الشريحة الأكبر من الفرنسيين إلى انتخابه؟ أولا يمكن القول بأن السأم السياسي هو ما يفسر نجاح هذه الشخصية، برغم كل ما تتسم به من شوائب أخلاقية، في الضرب على وتر حاجة الناخبين إلى التغيير والتشويق عن طريق المغامرة بانتخاب شخص من شأنه ان يبث الحركة في أوصال المجتمع، حتى ولو كانت هذه الحركة من نوع النزوع الانتحاري في لعبة شبيهة بالروليت الروسية؟
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/العدد1212 ـ 27 نيسان/أبريل2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018