ارشيف من : 2005-2008

إيران ـ أميركا: الصعود والهبوط

إيران ـ أميركا: الصعود والهبوط

الخارجية التي يبدو انها ستكون المجال الرئيس لكلا الفريقين: الديمقراطيين والجمهوريين، في السباق الى البيت الأبيض العام المقبل.‏

وبمعزل عن هذا السباق، فإن الديمقراطيين بدأوا عملية تضييق للخناق على ادارة بوش، لا سيما في ما يتعلق بالملف العراقي، حيث الاصرار على الانسحاب من هذا البلد في العام 2008، في ظل النتائج الكارثية التي ألحقتها الحرب حتى الآن بصورة الولايات المتحدة وقوتها. كما ان الديمقراطيين بدأوا بمقاربات مختلفة في طريقة التعاطي مع من تعتبرهم الادارة الحالية دول "محور الشر"، وعلى رأسها إيران، أو دولاً "مارقة" مثل سوريا.‏

وقد شكلت الزيارة التي قامت بها رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي انتكاسة لمحاولات بوش وفريقه عزل هذا البلد، وأظهرت ان من يتعرض للعزل هذه الايام هو الادارة الأميركية. ويتسلح الديمقراطيون بالتوصيات التي خلصت اليها لجنة بيكر هاملتون لمعالجة المأزق في العراق، والتي أوصت بالحوار مع سوريا وإيران.‏

ومن هنا جاء الحديث اللافت الذي أعلنه رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي توم لانتوس، أنه "مستعد منذ الغد" لركوب الطائرة الى طهران، وأنه يعتقد ان بيلوسي قد تكون هي أيضاً مستعدة للزيارة تحت شعار ضرورة الحوار. موضحاً أنه يحاول منذ عقد تقريباً الحصول على تأشيرة لزيارة إيران. وقد اعتبرت بيلوسي انه "حين يعتبر شخص في وزن لانتوس وخبرته انه من المهم فتح حوار، فأعتقد ان هذا الامر يظهر أهمية الحوار". واستقر الرأي مؤخرا على ان يقوم لانتوس بالزيارة دون ان ترافقه بيلوسي، لكنها قدمت دعماً له للبدء بالحوار مع طهران.‏

لكن مجرد التفكير بهذه الزيارة أثار جنون البيت الابيض، فكيف عندما تحصل؟ وبدا ذلك واضحا من اعتبار المتحدثة باسمه دانا بيرينو، انه "من المقلق ان يكون ديمقراطيون يخططون لزيارة طهران" بعد اتهامات واشنطن لإيران بالمساهمة في قتل جنود أميركيين في العراق.‏

وما يزعج ادارة بوش اكثر عبرت عنه بيرينو بقولها: "اذا كان الديمقراطيون يريدون الحوار الى هذا الحد فعليهم قبول دعوة الرئيس الى الاجتماع في البيت الابيض لمناقشة تمويل العمليات العسكرية في العراق".‏

لكن خلافاً لاستنكارات البيت الابيض والخارجية الأميركية، فإن الاتجاه للحوار مع طهران لا سيما في ما يتعلق بالملف العراقي، بدأ منذ طلبت واشنطن رسمياً عبر سفيرها السابق في بغداد زلماي خليل زادة التحادث مع الإيرانيين، دون أن تبدي طهران حماسة للموضوع.. كذلك عندما انطلقت المناقشات حول الملف العراقي في مؤتمر بغداد بحضور أميركي ـ إيراني ـ سوري مباشر، وأيضاً في مؤتمر شرم الشيخ المقبل الذي أبدت فيه كونداليزا رايس استعدادها لعقد لقاء ثنائي مع نظيرها وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي، شرط تعليق تخصيب اليورانيوم.‏

لكن طهران تبدو غير مستعجلة إزاء هذه الحماسة الأميركية من الطرفين الجمهوري والديمقراطي للحوار معها، فهي لم تقرر بعد المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ، فضلا عن انها لم تبحث لقاءً بين متكي ورايس، وهي أجهضت مسبقا شرط اللقاء برفع سقفها عندما تجاوزت مسألة الطلب إليها وقف تخصيب اليورانيوم، لتوصل هذا التخصيب الى المرحلة الصناعية.‏

أما بالنسبة الى زيارة بيلوسي وما أثير بشأنها، فقد أبدت طهران استعدادها لدراسة طلبها، ولم تعطِ موافقة مجانية ومتسرعة على هذا الموضوع، خصوصاً وهي ترى نفسها في وضع المرتاح جداً الى التغييرات التي تشهدها العلاقات الدولية، والتي تنعكس إيجابا على موقعها الإقليمي والملفات المتصلة بها، فيما تبدو الولايات المتحدة في حال تخبط وارتباك، وواقعة في سلسلة مآزق تبحث عمن ينجدها منها.‏

ومن الواضح ان الحصار الداخلي الذي يعانيه بوش يضعه في موقع أضعف، ويفاقم من هذا الضعف كون تحركات الديمقراطيين في الكونغرس بشأن العراق وسوريا وإيران تسعى الى التنصل من أي مغامرات يقدم عليها هذا الرئيس المتدنية شعبيته كثيراً. وقد طرحت تساؤلات حول فعالية السياسة الخارجية عندما يحصل انقسام كبير بشأنها، وعندما تحاول السلطة التشريعية التأثير فيها، في حين انها من اختصاص الرئيس حصراً. وقد أثير هذا الكلام رسميا من قبل مسؤولين في الخارجية الأميركية والبيت الابيض عندما لوحظ انه قد يصبح هناك سوء فهم في كيفية تعاطي الاطراف الدولية، ومن ذلك قول المتحدث باسم وزارة الخارجية شون ماكورماك إن السياسة الخارجية الأميركية تقررها السلطة الاجرائية، أي البيت الأبيض، وليس السلطة التشريعية التي يمثلها الكونغرس، وإنه لا يعتقد ان ثمة التباساً لدى الرأي العام الأميركي او المجتمع الدولي حول من يصوغ السياسة الخارجية للبلاد ومن يقررها.. إنها السلطة الإجرائية برئاسة الرئيس بوش".‏

وفي هذا السياق يعتبر الجمهوريون انه عندما يسعى الديمقراطيون على سبيل المثال للضغط من اجل جدولة انسحاب القوات الأميركية من العراق، فهم "يتجاوزون الخط" الذي يجعل من الرئيس "القائد الأعلى"، و"يحاولون تعطيل قدرة الرئيس على اتخاذ قرارات أساسية".. في حين يرد الديمقراطيون وعلى رأسهم بيلوسي، بتأكيد صلاحياتهم، لأن الناخبين منحوهم تفويضاً للسعي الى عودة القوات من حربٍ لا تحظى بالتأييد الشعبي، وأن على الولايات المتحدة ان تكون قادرة على التحدث الى أعدائها: سوريا وإيران.‏

من هنا يُتوقع مزيد من الارتباكات في ادارة السياسة الخارجية الأميركية جراء المحاولات الديمقراطية للتأثير في القرارات الأساسية فيها، مما يعزز من وضعية خصوم الولايات المتحدة، وعلى رأسهم إيران، ويجعلهم في موقع المتريث في معالجة الملفات المثارة بوجههم.‏

عبد الحسين شبيب‏

الانتقاد/ العدد1212 ـ 27 نيسان/أبريل2007‏

2007-04-27