ارشيف من : 2005-2008

جولة المالكي العربية:استحقاقات متبادلة لتغيير ملامح المشهد العراقي

جولة المالكي العربية:استحقاقات متبادلة لتغيير ملامح المشهد العراقي

الجولة شملت دولا عربية تمتلك كل واحدة منها نقطة قوة ربما تختلف عن نقطة القوة التي لدى الاخرى، وفي انها بدأت بمصر، وحينما سألت سياسيا عراقيا مقربا من اوساط رئيس الحكومة عن مغزى اختيار القاهرة لتكون المحطة الاولى لجولة السيد المالكي الاقليمية ـ العربية، قال "شئنا أم أبينا تعد القاهرة مفتاحا لحل ازمات ومشكلات عديدة، وهي تتمتع بقدرة سياسية ربما لا تتمتع بها عواصم اخرى في حسم وتقرير بعض الامور".‏

بحسب ظاهر الأمور وما تم تسريبه عبر بعض القنوات السياسية فإن رئيس الوزراء العراقي نجح في تحقيق مكاسب سياسية مهمة في محطته الاولى، التي مهدت لها الحكومة المصرية بموقف ايجابي جدا تمثل بالادانة والاستنكار الشديدين للعمليات الارهابية التي وقعت في العاصمة العراقية بغداد في مناطق الصدرية والكرادة والصدر والسيدية في الثامن عشر من شهر نيسان ـ أبريل الجاري، وتسببت بسقوط مئات الابرياء بين قتيل وجريح.‏

واهداف الجولة الاقليمية لنوري المالكي تمحورت حول التمهيد والتحضير لمؤتمر شرم الشيخ المزمع عقده في منتجع شرم الشيخ بمصر بمشاركة عربية وإقليمية ودولية، والحصول على دعم عربي حقيقي لا سيما من الأطراف الفاعلة والمؤثرة مثل مصر في مجال مواجهة الإرهاب، والاستفادة من الخبرات والتجارب العربية في ميادين الاعمار في قطاعات البترول والكهرباء وغيرهما من القطاعات الحيوية، وحث اصحاب الرساميل والمستثمرين لتوظيف رؤوس اموالهم وخبراتهم وامكانياتهم في العراق.‏

ولا شك ان الوفد العراقي سمع في القاهرة ما يدفع الى التفاؤل والاستبشار بالغد، وقد يكون كلام امام الازهر الشريف، الذي يعد احد ابرز المرجعيات الدينية السنية في العالم الاسلامي الشيخ سيد محمد طنطاوي الى المالكي بمثابة موقف داعم بكل وضوح للحكومة العراقية، ومدين ومستنكر لكل مظاهر الارهاب في العراق. فقد خاطب طنطاوي المالكي قائلا له "انك على عدل وستنتصر، ونحن معكم قلبا وقالبا، ونحن نبارك لكم المصالحة الوطنية، وان من كفر مسلما فهو كافر، وان الاعمال الارهابية التي تطال المدنيين لا تمت الى الاسلام بصلة".‏

والمؤشر الآخر هو التهيئة والتمهيد الافضل لمؤتمري شرم الشيخ حول العهد الدولي للعراق، ووزراء خارجية دول الجوار العراقي، وتعزيز قدر اكبر من التفاهمات بين بعض الاطراف المعنية وخصوصا تلك التي شملتها جولة المالكي، وهي تفاهمات ذات أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية، والمؤشر الثالث هو إعادة فتح مكتب جامعة الدول العربية في بغداد وتسمية ممثل لها بعد استقالة السفير مختار لماني من منصبه قبل بضعة أسابيع، ورفع القاهرة لمستوى تمثيلها الدبلوماسي في العراق الى درجة سفير.‏

النجاح الذي تحقق في القاهرة انعكس بوضوح على أجواء ومناخات المباحثات التي شهدتها بين نوري المالكي ووفده من جهة وكبار صناع القرار في الكويت ومسقط وابو ظبي. فالكويت ربما كانت من أكثر الأطراف العربية تفهما وإدراكا لتعقيدات المشهد العراقي لأنها في وقت من الأوقات أقحمت في أكثر من أزمة من قبل النظام السابق، سواء فيما يتعلق بحربه ضد ايران التي دامت ثمانية اعوام (1980-1988)، أو ما يتعلق بتعرضها للغزو والاحتلال من قبل ذلك النظام في آب/ اغسطس من عام 1990، وهي قادرة على المساهمة في انعاش الاقتصاد العراقي وتحريك عجلته من خلال ضخ رؤوس الاموال الكويتية الضخمة في مشاريع الاستثمار، وبالخصوص في محافظات الجنوب والفرات الاوسط، التي تعد آمنة نسبيا مقارنة بغيرها، اضافة الى ذلك تنازلها عن الديون المترتبة على العراق، وكذلك التعويضات المرتبطة بالغزو والحرب التي تبلغ بضعة مليارات دولار.‏

وهذا الشيء يصدق على ابو ظبي التي يمكن ان تساهم بتوظيف بعض رساميل شركاتها ومؤسساتها التجارية في اقامة المشاريع المختلفة في العراق، وفي خطط اعادة الاعمار والبناء، الى جانب ذلك فإنه خلال الاعوام الاربعة الماضية غالبا ما كانت التقارير والوثائق السرية والعلنية تشير الى ان تمويلا ودعما ماليا غير قليل يأتي للجماعات المسلحة الناشطة في العراق عن طريق الامارات، دون ان يكون ذلك بالضرورة بعلم وموافقة ورضا الحكومة الاماراتية، وقد بذلت جهود وحصلت تحركات عديدة من بغداد لتجفيف منابع التمويل تلك، ولكن بحسب ما يقال فإن النتائج المتحققة في هذا السياق لم تكن مشجعة جدا، وهو كان من بين ابرز الموضوعات التي طرحت على طاولة البحث والنقاش مع الساسة الإماراتيين.‏

وشمول مسقط، العاصمة العربية التي تبدو وكأنها بعيدة نوعا ما -او الى حد كبير- عن تفاعلات المشهد السياسي العربي، بجولة المالكي الاقليمية، امر حمل مؤشرا على رغبة وسعي عراقي للانفتاح على كل الاطراف العربية التي لم تتبن مواقف سلبية معلنة من مجمل عملية التحولات السياسية الحاصلة بعد التاسع من نيسان/ ابريل من عام 2003.‏

واذا كان العراق يعوّل على العواصم العربية في تغيير معالم وملامح المشهد العراقي الحالي، فإن العواصم العربية تعوّل من جانبها على قدرة بغداد في تمهيد الارضيات الملائمة والمناسبة لمثل ذلك التغيير.‏

الانتقاد/ العدد1212 ـ 27 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-27