ارشيف من : 2005-2008

قادة المقاومة: خسارتنا كبيرة ولكن المعركة لم تنتهِ

قادة المقاومة: خسارتنا كبيرة ولكن المعركة لم تنتهِ

جنين, دفع قوات الاحتلال لتغيير اساليبها وتكتيكاتها التي أصبحت قوى المقاومة قادرة على كشفها وإفشالها والتصدي لها، لتتحول عمليات الاحتلال مواجهات بدأت تعيد للاذهان صور المقاومة الاسطورية التي عاشها مخيم جنين قبيل معركته الشهيرة في نيسان/ أبريل 2002.‏

ووسط الحصار المشدد المتواصل على محافظة جنين منذ أواسط الشهر الماضي، وبرغم حملات المداهمة والتوغل اليومية التي تنفذها قوات الاحتلال، والتي بلغت منذ مطلع الشهر الجاري اكثر من خمسين عملية تركزت في مخيم جنين وبلدة قباطية وبلدة اليامون وقرية كفردان، برغم ذلك كله فإن قوات الاحتلال أخفقت في كبح جماح المقاومة، حتى ان كل عملية توغل كانت تتحول لمواجهات مسلحة عنيفة يخوضها مقاتلو كتائب شهداء الأقصى وسرايا القدس ولجان المقاومة الشعبية التي في غالبيتها كانت تسفر عن وقوع اصابات في صفوف جنود الاحتلال او إعطاب آلياتهم.‏

وبعد تشكيل وحدة العمل المشترك بين كتائب شهداء الاقصى وسرايا القدس، اتخذت المواجهات في المخيم أشكالا أكثر شراسة, حيث أعادت المواجهات وحرب العبوات المحلية التصنيع الكثير من صور المواجهة التي تميز بها المخيم عشية حملة السور الواقي او معركة مخيم جنين. فالجيش الاسرائيلي اعترف مؤخرا بأن قواته أصبحت عاجزة عن السيطرة على المخيم، وأن المقاومة والعبوات التي تتفجر في كل لحظة بدأت تحد من تحركات جنوده والوصول للمقاومين وناشطي الانتفاضة.‏

مجريات تلك الاحداث كما يرى مراقبون دفعت الاجهزة الامنية الاسرائيلية لإحداث حالة انعاش سريعة لتفعيل الوحدات السرية الخاصة التي ركزت مهامها في تنفيذ عمليات وضربات سريعة وخاطفة، أسفرت خلال اسبوع عن اغتيال اربعة مقاتلين، ثلاثة منهم من كتائب شهداء الاقصى ورابع من سرايا القدس.‏

دور الوحدات الخاصة‏

وبرغم ما يتّبعه ويمارسه ناشطو الانتفاضة من احتياطات، الا ان وحدات المستعربين تعتبر السلاح الاشد خطورة في يد اجهزة الامن الاسرائيلية، وهي التي أُطلق العنان لها في جنين, فكانت عملية الاغتيال الاولى يوم الثلاثاء الماضي (23/4/2007) بحق الشهيد اشرف حنايشة من قباطية، احد قادة كتائب شهداء الاقصى الذي أُعدم بدم بارد عقب اعتقاله. وفي روايات متطابقة أكدها الشاب عاصم نزال ـ سائق عمومي ـ روى انه خلال قيادة اشرف سيارته على شارع جنين قباطية الرئيس، شوهد يسير أمامه باص "فولكس فاجن" صادرته الوحدات الخاصة. ويضيف: لم يتنبه احد لحقيقة ما يجري، فالباص كان يسير بشكل طبيعي امام سيارة اشرف، ولكن قبل ان يصل الى مفرق مثلث الشهداء، انطلق الباص مسرعا واستدار بشكل مفاجئ وعاد بشكل معاكس لحركة السير واعترض الطريق امام سيارة اشرف. وأضاف الشاهد نزال: "قفز ثلاثة مسلحين من السيارة كانوا يرتدون الزي المدني، بينما بقي داخلها مجموعة أخرى، وشرع الثلاثة في اطلاق النار حيث توقف اشرف وحاول الهرب، لكنهم تمكنوا من اعتقاله وألقوه أرضا مع باقي الركاب". ويضيف: "بعد التأكد من هويته أطلقوا زخات كثيفة من الرصاص نحوه.. ولم يكتفوا بذلك، بل حملوه وألقوا به في منطقة مجاورة. وعندما تأكدوا من وفاته ركبوا السيارة وغادروا المنطقة سريعا". وقد اعترفت قوات الاحتلال بارتكاب عملية الاغتيال, ولكن نزال قال ان الوحدات الخاصة كان بإمكانها اعتقال اشرف، لكنها أعدمته بدم بارد.‏

يوم دموي في جنين‏

تكررت محاولات الوحدات الخاصة لتوجيه المزيد من الضربات التي أخفقت في ثلاث منها في قباطية وجنين. وكانت قوات الاحتلال هاجمت فجر يوم السبت (21/4/2007) مع ساعاته الاولى قرية كفردان وقتلت شرطيا بدم بارد.. العملية التي بدأت في الثانية فجرا كما يقول الاهالي بمشاركة 20 آلية عسكرية، تخللها قيام قوات الاحتلال باحتلال المنازل ونصب فرق القناصة داخلها. طلال عابد قال انه استيقظ وعائلته على صوت اطلاق نار كثيف في المنطقة, وبينما كان يجلس مع شقيقه سعيد (24 عاما) وهو شرطي داخل المنزل، أطلق قناص اسرائيلي النار نحو منزلهم.. ويضيف: من دون أي سبب انطلق الرصاص وسقط أخي مضرجا بالدماء. وقبل ان نصل الى المستشفى في جنين كان قد استشهد جراء النزف الحاد، فقد أصيب بعيارين ناريين في الوجه والصدر.‏

ساعات واغتيال جديد‏

وبعد ساعات محدودة على تشييع جثمان الشهيد عابد, كانت الوحدات الخاصة تتسلل لمشارف مخيم جنين وتنفذ عملية اغتيال جديدة لمقاتلين من كتائب شهداء الأقصى وسرايا القدس. ففي الوقت الذي كانت ترابط فيه 15 آلية عسكرية في مدخل جنين الرئيس، كانت سيارتان للوحدات الخاصة تنصب كمينا للمقاتلين الثلاثة في محيط مدرسة الزهراء في المنطقة الواقعة بين مخيم ومدينة جنين.‏

وروى الشاب مهدي الشيباني الذي كان في المنطقة لحظة الهجوم، انه شاهد سيارتين تقفان قرب المدرسة، وفجأة تحركت احداهما لمنتصف الشارع في الوقت الذي كانت فيه سيارة ميتسوبيشي تتقدم نحو المنطقة، ثم انهمر الرصاص من داخل السيارتين معا في وقت واحد نحو سيارة الـ"متسوبيشي" وقفز عدة مسلحين يرتدون الزي المدني من احدى السيارات وهم يواصلون اطلاق النار نحو السيارة التي توقفت. ويضيف: كان منظرا مروّعا، فقد هاجموا السيارة وأخرجوا الشاب محمود عفيف جليل الذي أعرفه جيدا، وشاهدتهم يسحبونه على الارض. الواضح انه كان لا يزال حيا، فأطلقوا النار على رأسه وسحبوه حتى لفظ أنفاسه الاخيرة، ثم فروا مسرعين من المنطقة.‏

عملية الاغتيال الجديدة كان ضحيتها الشهيد محمود عفيف سرحان جليل أحد قادة سرايا القدس، وعباس غالب الدمج وأحمد محمد العيسة من قادة كتائب شهداء الأقصى, وثلاثتهم من وحدة العمل المشترك في سرايا القدس وكتائب الاقصى، ويعتبرون من أكثر المطلوبين لأجهزة الأمن الاسرائيلية.‏

الدماء التي سفكها الاحتلال على ارض جنين ومخيمها بعد كفردان لم تكن كافية، والاحتلال الذي غادر مسرح الجريمة في جنين سريعا سرعان ما شن غارة جديدة على مخيم جنين في محاولة لاستغلال حالة السخط والغضب التي عبرت عنها المقاومة والأهالي في المسيرات الحاشدة التي أعقبت عملية الاغتيال.. فكان الهجوم الجديد هدفه عبد الرحمن الوحش احد قادة سرايا القدس الذي استُشهدت شقيقته.‏

الضحية الجديدة‏

في داخل بيتها الذي أعيد بناؤه على أنقاض المنزل الذي هدمته قوات الاحتلال عقب اعتقال شقيقها عبد الله الوحش احد قادة سرايا القدس, كانت بشرى الطالبة في الثانوية العامة تحاول ان تتجاوز الاوضاع الراهنة في المخيم ومواصلة تحضير دروسها من دون ان تتنبه الى ان قوات الاحتلال التي توغلت في المخيم معززة بأكثر من 30 آلية، قد أنهت عملية حصار منزلها الواقع على الشارع الرئيسي في مدخل المخيم.‏

ووسط ما تبقى لها من دموع وصرخات حزن قالت والدتها: كنا داخل المنزل وبشرى تواظب على الدراسة قرب النافذة المغلقة المواجهة للشارع الرئيسي، حيث كانت قوات الاحتلال تمركزت.. وتضيف: "فجأة أطلقوا النار نحو بشرى التي كانت تحمل كتبها، فأصابوها في الرأس ووقعت أرضا مضرجة بالدماء التي أغرقت كتبها. بحياتي لم أكن أتصور ما شاهدته، ابنتي التي كانت معنا تبكي قبل قليل الشهداء, تنزف على الأرض بشدة من دون ان أتمكن من إخراجها من المنزل، لأن الجنود حاصرونا ومنعونا من المغادرة حتى اقتحموا المنزل وقاموا بتفتيشه، وغادروه تاركين بشرى جثة هامدة خلفهم". وتضيف: الواضح ان فشلهم في اعتقال ابني جعلهم يرتكبون جريمتهم للانتقام منّا.‏

غادرت قوات الاحتلال مسرح الجريمة ونقل الاهالي بشرى مضرجة بالدماء الى المستشفى، وكانت صدمة والدتها شديدة عندما أبلغها الاطباء أنها لفظت أنفاسها الاخيرة, فتعالت صرخات الحزن والغضب والألم.‏

المقاومة‏

"ضربات موجعة ومؤلمة" قال قادة المقاومة عن عمليات الاغتيال الاخيرة، ولكنهم أكدوا انها لن توقف مسيرة الجهاد والمقاومة. وقال وليد عبيدي الناطق بلسان سرايا القدس: "الضربة التي لا تميتنا تزيدنا قوة، هذه رسالتنا للعدو، نعم خسارتنا كبيرة باغتيال وإعدام قادتنا ومجاهدينا، ولكن ارادتنا ومعنوياتنا عالية، لأن المعركة لم تنتهِ، وما زال بيننا وبين العدو جولات وصولات، وعليهم ان يجهزوا أنفسهم لموجات الغضب الجهادية التي سترد الصاع صاعين، لأن دماء قادتنا وشهدائنا ليست رخيصة، لذلك نعلن بشكل واضح ان لا تهدئة بعد اليوم، والرصاص هو خيارنا ولغتنا، ونحن جاهزون للمواجهة، وعلى العدو ان يعرف ان كل ابناء السرايا مشاريع شهادة لا يخافون طائراته وعملياته ووحداته الخاصة".‏

اما زكريا الزبيدي قائد كتائب شهداء الاقصى فقال: "اننا في الكتائب ومعنا سرايا القدس وكل شرفاء شعبنا، نقول التهدئة والسلام والتفاوض قتلته قوات الاحتلال، وقرارنا هو قسم وعهد للشهداء بإعلان الحرب المفتوحة التي لا هوادة فيها ضد كل هدف احتلالي.. فلن يعيقنا جدار او حاجز او حصار، والاحتلال يدرك جيدا حقيقة ما نعلنه، ليس كلمات، بل فعل مقاوم نجسده في كل ساحات المواجهة. معركة مخيم جنين لم تنتهِ، ونحن امام فصل جديد من المقاومة والشهادة والنصر".‏

الانتقاد/العدد1212 ـ 27 نيسان/أبريل2007‏

2007-04-27