ارشيف من : 2005-2008
بمشاركة ثلاثة من كبار الفنانين والحرفيين الإيرانيين : معرض "حرف ونور"
وتبجيل حتى، وقد نقل إلينا المؤرخون كما بعض المخطوطات القديمة، قيمة أسماء اشتهرت بفن الخط، وحفرت لنفسها مكانة في التاريخ.
حرص الفنان المسلم على مدى قرون طويلة على تجويد الخط العربي وتحسينه، ووضع القواعد والمعايير في سبيل ذلك لتكون بمنزلة قوانين ونظريات هندسية لا يجوز الزيادة عليها أو النقصان منها، ويرجع إليها كل من أراد حذق الكتابة. يجمع دارسو الخط العربي على أن الفنان المسلم جعل للكلمة وظيفة جمالية مرئية الى جانب وظيفتها السمعية.
وقد خرج الخط عن إطاره البديهي على الورق نحو أماكن وأدوات لا متناهية، من القماش والخزف والحلي والسيوف وجدران المساجد والقصور، وصولاً الى رخام القبور.
فالخط العربي يتمتع بإمكانيات تشكيلية لا نهائية، وحروفه مطاوعة لعقل الخطاط الحاذق وليده الى أبعد الحدود، لما يتميز به هذا الخط من المد والقصر والاتكاء والإرداف والإرسال والقطع والرجوع والجمع، ما لا يتوافر في أي خط من الخطوط الأخرى، وهنا نلمس سرّ استمرارية هذا الخط وجماليته التي أبهرت الكثير من الفنانين الغربيين الذين استعانوا به في لوحاتهم كإيقاع بصري مبهر، وهو حال الفنان بول كلي (1879 ـ 1940) الذي تعامل مع الحرف العربي من باب تشكيلي جمالي، وهناك أيضاً الفنان الفرنسي برنار كنتين الذي وظف حروف العربية في أجوائه المعمارية في عدد من مشروعاته الفنية الضخمة في نهاية السبعينات.
يعتبر تاريخ الخط العربي في إيران امتداداً طبيعياً للتاريخ الاسلامي بها، وقد برع الخطاطون الإيرانيون في تطويع فنون الخط العربي لخدمة العقيدة الاسلامية، وقد أصبح للخطاط الإيراني بصمة خاصة تاريخياً، وحديثاً أيضاً من خلال اللوحات الحروفية الحرة التي تميز بها الفنان الخطاط جليل رسولي.
الخط في إيران له مذاق خاص، حيث يحاط بهالة قدسية تتشعب في مضمونها روحانيات يصعب سردها وماهيتها، حتى أصبحت جزءاً من الثقافة الاجتماعية لهذا البلد.
حرف ونور
منذ أيام وبدعوة من المستشارية الثقافية لسفارة الجمهورية الاسلامية الإيرانية في بيروت افتتح معرض "حرف ونور" تكريماً للرسول الأعظم (ص) في ذكرى مولده، الحضور الرسمي والروحي والشعبي، بدا وكأنه تحدّ للأجواء السياسية التي دفعت البعض الى الانكفاء وعدم المبادرة.
وقع الحدث أخذ مكانته، لمعطيات عدة، أبرزها حضور الخطاطين أنفسهم، واحتكاكهم مع النقاد (غاب بعضهم لأسباب سياسية!) والناس عموماً. كذلك هي الأعمال التي حلّقت بمحاكاتها لشتى الفنون، لدرجة أن يظن الناظر أنه أمام معرض لعشرة فنانين.
هذا البيكار الواسع، سمح بتكوين انطباع شبه كامل عن حركة الخط في ايران وتنوعها، ومتانة روادها، وعلينا أن لا ننسى الدور الإيراني اضافة الى تركيا ومصر في احتضان الخط الاسلامي العربي، وتأمين كافة شروط استمراريته، عبر الدعم وإقامة المتاحف والمعارض ومنح الجوائز.
ثنائية الأصالة والحداثة
ثلاثة من فرسان الخط، قدموا من ايران، حاملين لوحات ذات ارتباطات ومناخات روحية، نُسجب في قوالب كلاسيكية، وأيضاً حداثوية، تراوحت بين الكلمات المتداخلة وإنما المفهومة، وصولاً الى التجريد الكلي.
في صالة الأونيسكو في بيروت، كان اللقاء الممزوج بالدهشة، حيث ذاكرة المنمنمات ودقتها قد استحضرت الماضي، بخفة، فنحن هنا أمام لوحات خطية مشغولة بأكاديمية عالية وضربات قوية متوازنة، مع زخرفات تزيينية، تتطلب الكثير من الوقت والدقة، والمعادلات الهندسية الخفية.
في أعمال جمشيد ياري شيرمرد، استوقفتنا الجرأة في نسج اللوحات الحديثة، فانسياب الفرشاة يعكس حالة من الهيام والذوبان الصوفي، تحديداً في عملية "محمد رسول الله" و"بسم الله الرحمن الرحيم". أما في لوحاته الخطية المتكئة على ماضٍ أصيل وتراث واسع من الأعمال والأسماء، فإن ريشة شيرمرد، تحضر كحلقة متماسكة في سلسلة التاريخ.
أيضاً ثنائية الماضي والحاضر تتجسد في لوحات خليل فريدي الذي بنى مخططات لوحاته بناءً على إيقاع سري سحري فيه من الصمت بقدر الصراخ النابع من معنى الكلمات التي خطها، وهي عبارة عن آيات قرآنية أو أقوال نبوية شريفة. مع عارف براتي، استوقفنا بناء خمس من لوحاته على قاعدة تجريدية صرفة لا تخلو من لعبة الأسرار، فتلك الأعمال استندت الى النقطة كمركز للعمل، من دون اضافات تذكر، وحين سألنا الفنان عن هذه الشيمة المتكررة، أجاب بأن النقطة هنا هي "محمد" والنقطة الثانية هي "علي" والتي تليها "الزهراء" وبعدها تأتي نقطة "الحسن"، أما نقطة "الحسين" فقد أضاف اليها قطرتي دم كتعبير عن الشهادة.
فرسان الخط الثلاثة ومن خلال معرضهم الذي سيتنقل في أكثر من عاصمة، يقولون الكثير في جملهم المختارة، ويتنوعون أكثر في طريقة التأليف، لكنهم يبدون أيضاً كمشروع مترابط ومتكامل، طوّع أصالة الماضي ومدارس الحاضر لإنجاز لوحات تنتمي الى عالمي الخط والرسم معاً.
عبد الحليم حمود
الانتقاد/ العدد1212 ـ 27 نيسان/أبريل2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018