ارشيف من : 2005-2008

البحث عن أسباب الجريمة لتفادي مثيلاتها وحقناً للدماء : المواقف المعتدلة تخنق فتنة قتل الزيادين

البحث عن أسباب الجريمة لتفادي مثيلاتها وحقناً للدماء : المواقف المعتدلة تخنق فتنة قتل الزيادين

للمرّة الأولى منذ اندلاع الاشتباك السياسي بين السلطة والمعارضة بهذه الحدّة، يجد اللبنانيون أنفسهم وبمختلف شرائحهم وتوجّهاتهم، موحّدين لمواجهة تداعيات الجريمة المزدوجة التي ذهب ضحيتها الفتى زياد غندور والشاب حسين قبلان، وذلك لردع الفتنة وإبعادها عن وطنهم الصغير غير القادر على تحمّل نتائجها الكارثية.

فهذه الجريمة المروّعة فردية بامتياز، وليست سياسيّة أو ذات خلفيات مذهبيّة أو عقائدية كما حاول بعض السياسيين من قوى 14 شباط/ فبراير ووسائل الإعلام التابعة لها الإيحاء، أو تصويرها، خلافاً لما كان سائداً لدى طبقة من هذه القوى ومن المعارضة، ولذلك كان من الضروري منذ انتشار خبر حصول عملية الخطف يوم الاثنين في 23 نيسان/أبريل 2007، ومن ثمّ التمهيد بوقوع القتل المزدوج، حصرها ضمن نطاقها الضيّق والحؤول دون دخول أحد من صنّاع الفتن، والعاملين في مؤسّسات تأجيج الصراعات المذهبية، ومحبّذي التقاتل الداخلي، على خطّ تفجير الوضع الأمني المهزوز أساساً في بلد غير مستقر على شتّى الأصعدة.

 والسبب المباشر لهذه المخاوف الواقعة في مكانها الصحيح، هو أنّ تدهور الأمن خطّ أحمر، وأنّ الجميع يدرك في قرارة نفسه بأنّ "عرقنة" لبنان لا تخدم سوى المشاريع الغربية وتحديداً الأميركية منها، وبالتالي ليس هناك من حلّ سوى التوحّد ورصّ الصفوف وقطع الطريق على كلّ محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الحرب الأهلية التي خلّفت مئات آلاف الضحايا والجرحى والمعوّقين والمفقودين والمعذّبين، وملايين الخسائر المادية والمعنوية في بنيان الوطن وبنيته وبيئته.

وتسجل شخصية بيروتية تابعت جريمة الزيادين وما رافقها، جملة ملاحظات، أبرزها الوعي الكبير الذي عبر عنه ذوو الضحيتين من خلال تسليمهما أمرهما للقضاء اللبناني ورفض الذهاب بالجريمة الى ابعد من حدودها الفردية، وبدا ذلك جلياً خلال الزيارة التي قام بها وفد من حزب الله يمثل الامين العام للحزب الى العائلتين، وما سمعه الوفد من عبارات التقدير للمقاومة وقائدها، وصولاً الى طلب شقيقة غندور من الوفد لقاء السيد نصر الله.  

وإن كان هناك إجماع كبير على استنكار هذه الجريمة إلاّ أنّه برأي مصادر مراقبة، لا بدّ من البحث في أسبابها والدوافع الكامنة وراءها لتفادي مثيلاتها في المستقبل، إذا ما ترك الأمر على غاربه، لأنّها هي، بكلّ بساطة، نتيجة لعمل غير مسؤول لو تمّ تداركه منذ البدء، لما تجرّأ أحد على ارتكابها، ولو كان الحقّ وصل لأصحابه لما خطّطوا لأخذ ثأرهم بيدهم، ولكنّ الضغوطات السياسية على القضاء الذي يعتبر الملجأ الأوّل والأخير للمواطنين الضعفاء والأقوياء على حدّ سواء، حالت دون معرفة قتلة الشاب المغدور عدنان شمص، وأعطت الضوء الأخضر للردّ على القتل بالقتل، وهي مسألة بالغة الخطورة إذا ما جرى تعميمها، وتفسح في المجال أمام كلّ شخص لأخذ حقّه بيده، وهذا لا يبني وطناً على الإطلاق.

وقد تقدّم أشقاء شمص الخمسة بواسطة وكيلهم المحامي بلال الحسيني أمام القضاء العسكري ومن ثمّ القضاء العدلي، بشكوى ضدّ من يعتقدون بأنّهم الجناة الخمسة عشر، واتخذوا فيها صفة الادعاء الشخصي ضدّهم وأرفقوها بأسمائهم، لكنّ أحداً من هؤلاء المنتمين الى أحد أحزاب السلطة لم يحضر أمام القضاء، باستثناء واحد جرى تركه فور سماع إفادته وكأنّ شيئاً لم يكن.

ولم تنحصر الشكوى بهؤلاء الخمسة عشر بل توسّعت لتشمل كلّ "من يظهره التحقيق فاعلاً أو شريكاً أو متدخّلاً أو محرّضاً".

وتعتقد هذه المصادر أنّ دعوة النائب وليد جنبلاط إلى التهدئة والاعتراف بحماية الدولة ممثّلة بالجيش والقضاء للمواطن، هو تصحيح لضغوطات كبيرة مورست على القضاء، وقضت بالتعتيم على قتلة عدنان شمص الذي ترك خلفه طفلين صارا يتيمين.

وتنطوي جريمة "الزيادين" على ألغاز محيّرة تزيد من بعض الغموض الكامن فيها، ومنها على سبيل المثال لماذا وقع الاختيار على قبلان وغندور، والأخير فتى صغير لا يمكن للرأي العام وللإنسانية الحقّة إلاّ أنْ يتضامنا معه ويحتجّا على الانتقام منه من دون ذنب؟ وكيف تمّ استدراجهما إلى نقطة "الكمين" للإيقاع بهما؟ ولماذا ألقيت جثتهما في بلدة جدرا في ساحل الشوف، أي في منطقة نفوذ جنبلاط؟

والغريب أنّ موجة شائعات مبالغاً فيها ضربت الشارع اللبناني بالتزامن مع عمليتي الخطف والقتل، ولا يزال هذا الشارع يضجّ بخبريات عنهما من نسج الخيال، وتناقلتها مختلف وسائل الاعلام بدلاً من أن تعمل على التخفيف من وهجها. ودخل الاعلامي مارسيل غانم على خطّ التوتير بينما كان يفترض أن يلعب دور الإطفائي، فألغى حلقته المعدّة سلفاً وحوّلها برمّتها للحديث عن جريمة "الزيادين" وتداعياتها وخلفياتها، وتلقّى اتصالات من سياسيين ومواطنين، وكثّف من أسئلته ليعطي لحلقته حيوية على حساب راحة المواطنين وأعصابهم.

وللدلالة على ذلك يكفي التذكير بسؤاله الاستفزازي الذي وجّهه لعضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله ومفاده "هل تخشون من أن يهجم مشيّعو المغدورين على الضاحية الجنوبية؟"، وكأنّه يريد أن يثبت تهمة القتل على أهل الضاحية الجنوبية برمّتهم مع ما يستدعي ذلك من ردود فعل جنونية. لكنّ فضل الله الذي استهجن السؤال والفرضية لجم غانم ووضع حداً لمراده، وهو ما كرّره جنبلاط في كلمته في المشيّعين بانتقاده للدور المسيء لبعض الإعلام.

إنّ متابعة التحقيقات القضائية بعيداً عن التدخلات، تحقّق الهدف المنشود بكشف ملابسات جريمتي شمص وغندور وقبلان من أجل إحقاق الحقّ وإرساء العدالة التي تحمي المجتمع وتوحّده، وتنزع فتيل التفجير وروح الثأر والانتقام لدى من يعتقد أنّها الطريق القويم لاسترداد حقّه المهدور.

 

علي الموسوي

الانتقاد/ العدد1213 ـ 4 ايار/مايو 2007

2007-05-04