ارشيف من : 2005-2008
ما ورد وما لم يرد في تقرير لجنة "فينو غراد"
وفقا لما أوردته التقارير الاعلامية الإسرائيلية، قررت لجنة فينوغراد ان لا يكون تقريرها النهائي والشامل علنيا بكامله لاعتبارات سياسية وأمنية. وقد تألف التقرير النهائي ـ تقريبا ـ من 323 صفحة، سُلِّمت نسخة منه لرئيس الوزراء ايهود أولمرت، وأخرى لوزير الدفاع عمير بيرتس وعدد محدود من الشخصيات المعنية.
التقرير السري ضُغط في 150 صفحة صُنِّف بالسري جدا، تضمن القضايا التي شُطبت من النسخة العلنية.
اما التقرير العلني فقد مورست عليه، بحسب التقارير الاعلامية الاسرائيلية، الرقابة المضاعفة، كما قامت جهات أمنية في قسم أمن المعلومات في الجيش الاسرائيلي ومن الرقابة العسكرية، بشطب تفاصيل من التقرير. منها بحسب التقارير الاسرائيلية، ما يتصل بمعلومات أمنية سرية تتعلق بقدرات الجيش الاسرائيلي، أو تمس بالعلاقات الخارجية لـ"اسرائيل"! وهكذا مثلا شُطبت محادثات أولمرت مع مسؤولين في الإدارة الأميركية.. من دون الاشارة الى مضمون هذه المحادثات! وشُطب ما يتصل بالفشل الاستخباري.. كما شُطبت تفاصيل تتعلق برسائل وصلت من دول عربية معتدلة عبرت عن تأييدها لضربة عسكرية ضد حزب الله و...!
يقع التقرير العلني في 171 صفحة موزعة على ثلاثة أبواب رئيسية، تتألف بمجملها من ثمانية فصول، إضافة إلى ملحقين اثنين.
الباب الأول هو باب عام يضم ثلاثة فصول: الفصل الأول عبارة عن مقدمة تناولت عدة بنود عُنيت بالحديث عن خلفية تشكيل اللجنة، تعيينها وصلاحياتها ونظام تقديم خلاصاتها، والمواضيع التي بحثتها والتقرير الجزئي، وعلانية المداولات ونشر الشهادات والتوجه إلى الجمهور، والشهود والمواد المكتوبة، إضافة إلى تغيير اسم المعركة ليصبح "حرب لبنان الثانية".
الفصل الثاني جاء تحت عنوان "مبادئ مسؤولية: معطيات، خلاصات وتوصيات". وفيه محوران اثنان: الأول عبارة عن افتتاحية، فيما ركز الثاني على اللجنة وطبيعة خلاصاتها.
أما الفصل الثالث فتطرق حصراً إلى قواعد العدل الطبيعي.
الباب الثاني جاء تحت عنوان "ما قبل المعركة"، وهو يتضمن فصلاً واحداً هو الفصل الرابع تحت عنوان "أحداث وصيرورات منذ خروج الجيش الإسرائيلي من لبنان حتى 11 تموز 2006".
الباب الثالث تضمن سائر الفصول، وهو تحت عنوان "بداية المعركة: 12 تموز حتى 17 تموز 2006".
بعض مظاهر الفشل المتعلقة بآلية صناعة القرارات
على المستوى السياسي
ـ لم تطرح في الحكومة حقائق مهمة تتعلق بالساحة اللبنانية واستعدادات حزب الله.. يمكن الافتراض أن عدداً كبيراً من الوزراء لم يكن مطلعاً على هذه المميزات وعلى خصوصيات هذه الساحة. معنى ذلك أنه لم تُعرض أمام الحكومة الصعوبات الكامنة في عملية عسكرية على الساحة اللبنانية.
ـ يبدو أن الحكومة اتخذت فعلياً القرار (شن الحرب على لبنان)، إلا أنها فعلت ذلك بصفتها جسماً سياسياً يعبر عن دعمه وتأييده لرئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان.. وكان متوقعا أن هذا القرار سيؤدي إلى سقوط الصواريخ على الجبهة الداخلية، ولم يكن واضحاً كيف ستنتهي، ومن دون معرفة حجمها المخطط له أو أهدافها وغاياتها الفعلية، وذلك بعد تبادل للآراء دام ساعتين ونصف الساعة، ومن دون نقاش فعلي، ومن دون إعطاء إجابات كافية عن أسئلة جوهرية أثارها وزراء ذوو خبرة سياسية وأمنية كبيرة.
ـ إننا نرى في هذا الأمر فشلاً خطيراً، فقد اتخذت الحكومة مجتمعة، وكل واحد من أعضائها، بتسرع ومن دون أن تُعرض أمامهم معطيات وتقديرات توضح معاني وتداعيات قرارهم، قراراً بعملية عسكرية شديدة وفورية.. إن الحكومة الإسرائيلية وكل واحد من أعضائها، لم يعملوا انطلاقاً من التفكير القويم والحذر والمسؤولية كما هو مطلوب.
على المستوى المهني (العسكري):
ـ لم يكن واضحاً منذ البداية هدف العملية العسكرية المقترحة. حتى في نقاشات الجيش برزت ضبابية بين "جباية الثمن" و"تغيير المعادلة" اللبنانية.. هذه الضبابية استمرت طوال جزء من فترة الخروج للحرب. حتى أولئك الذين اقترحوا استعداداً لعملية برية أو تجنيداً محدداً للاحتياط، لم يطوروا النقاش ولم يصرّوا على رأيهم.. لم تُستقَ توصيات رئيس الأركان من "نظرية منتظمة" قائمة لخطط عملياتية مقرة، بل كانت مستعارة من عناصر معروفة من خطة "كاسحة الجليد"، وخصوصاً المتعلقة منها بالهجوم الجوي، مع تجاهل عناصر مهمة أخرى (مثل تجنيد الاحتياط الواسع) أو الحذر في الضربة النارية الأولى.
ـ الخلاصة أن أوجهاً كثيرة في عمل المستوى العسكري كانت مصابة بالخلل. منها عدم وجود خطط مقرة ونافذة تم التدرب عليها عند حصول تصعيد على الساحة اللبنانية، وحقيقة عدم وجود الصورة المركبة للساحة اللبنانية داخل الجيش، وعدم تقديمها للمستوى السياسي، وعدم حصول مداولات منتظمة لدرس البدائل على خلفية المعرفة الموجودة، وعدم تقديم بدائل كهذه للمستوى السياسي. هذا الخلل الذي يصل حد الفشل، قيّد قدرة المستوى السياسي على اتخاذ قرارات صائبة.
على مستوى العلاقات بين الساسة والعسكر
ـ يمكن التلخيص والقول إن الجيش كجهاز أركاني عمل إزاء المستوى السياسي بدرجة منخفضة من المبادرة، فيما كان أساس التواصل بين المستويين السياسي والعسكري محصوراً برئيس الأركان نفسه. من جهة أخرى اعتمد المستوى السياسي إلى درجة كبيرة على تقديرات الجيش وتوصياته التي عرضها رئيس الأركان، وكانت تعكس رأيه الشخصي برغم وجود خلافات داخل الجيش بشأنها.
ـ هذا الوضع ليس مرغوباً به، وقد أسهم جوهرياً في الإخفاقات والأخطاء بشأن الخروج إلى الحرب. وقد ارتكز ذلك على تصور خاطئ من جانب المستوى السياسي عموماً ورئيس الحكومة خصوصاً، وعلى نزعة لدى هذا المستوى إلى الاعتماد أكثر من اللازم على المستوى العسكري وعلى رئيس الأركان خصوصاً.. يبدو أنه كان لدى رئيس الأركان شعور بالتفوق والثقة بقوة الجيش وقدرته، وخصوصاً سلاح الجو.
الإخفاقات في القرارات المتعلقة بالحرب
(بالاستناد الى الدمج بين ما ورد في التقرير وما قاله فينوغراد في مؤتمره الصحافي بهدف التلخيص):
أ ـ القرار بالقيام برد عسكري فوري وحاد لم يستند إلى خطة مفصلة ترتكز في أساسها على دراسة دقيقة للطبيعة المعقدة للساحة اللبنانية. كان يمكن لهذه المعرفة (بالساحة اللبنانية) ان توصل إلى إدراك: ان القدرة على تحقيق إنجازات عسكرية ذات تأثير سياسي كانت محدودة، إذ ان الرد العسكري سيؤدي إلى نار مكثفة على الجبهة الداخلية، ولم يكن هناك جواب عسكري عن هذه النار دون خطوة برية واسعة وطويلة "ثمنها" عالٍٍ والتأييد لها قليل. هذه المصاعب لم تُطرح أمام القيادة السياسية.
ب ـ لم تدرس كل الاحتمالات في القرارات لشن المعركة العسكرية، وعلى رأسها اذا كان من الصحيح مواصلة سياسة التجلد (ضبط النفس) في الحدود الشمالية، أو إدراج خطوات سياسية مع خطوات عسكرية قبل التصعيد، أو الاستعداد العسكري دون خطوات عسكرية فورية، بهدف إبقاء كامل إمكانيات الرد على حدث الاختطاف. وبذلك كان هناك ضعف في التفكير الاستراتيجي الذي يقتطع الرد على الحدث من الصورة العامة والشاملة.
ج ـ التأييد في الحكومة (لقرار الرد العسكري) تحقق، من ضمن عدة أمور، استنادا إلى عرض غامض للأهداف وسبل العمل، ما أتاح للوزراء الذين كانوا ذوي مناهج مختلفة أو متعارضة تأييد الخطوة. فقد صوت الوزراء لقرار لم يعرفوا ولم يفهموا طبيعته وإلى أين يؤدي. قرروا الدخول في معركة من دون أن يفكروا بكيفية الخروج منها أيضا.
د ـ جزء من الأهداف المعلنة للعملية لم يوضح ولم يكن قابلا للتحقيق، وفي جزء منها لم يكن هناك إمكانية لتحقيقه بالوسائل التي صودق عليها للعمليات العسكرية.
هـ ـ الجيش لم يبدِ إبداعية في اقتراح البدائل، لم يحذر من أنه لم يكن هناك تطابق بين سيناريوهات التطور وسبل العمل المصادق عليها، ولم يطلب تجنيد الاحتياط الذي سيسمح بتدريبها لخطوة برية عند الحاجة.
و ـ حتى بعد اتضاح هذه الحقائق للقيادة السياسية، لم تطابق العملية العسكرية وأهدافها مع طبيعة الساحة. وبالعكس فإن الأهداف التي أعلن عنها كانت طموحة أكثر مما ينبغي، وقيل ان القتال سيستمر حتى تحقيقها، ولكن سبل العمل التي صودق عليها واستخدمت لم تتطابق وتحقيقها.
ـ مسؤولية أساسية عن هذه الاخفاقات الخطيرة ملقاة على رئيس الوزراء، وزير الدفاع ورئيس الأركان المنصرف. ونحن نلقي المسؤولية على هؤلاء الثلاثة.
العوامل التي ساهمت في الاخفاقات
إضافة الى ذلك، فإننا نقضي بأن الاخفاقات في الفترة التي هي موضع دراسة هنا ونتائج الحرب، شارك فيها عوامل متعددة:
أ ـ تعقيدات الساحة اللبنانية بقدر كبير ليس تحت سيطرة "إسرائيل".
ب ـ قدرة حزب الله على المرابطة على الحدود بشكل حقيقي، وقدرته على تحديد توقيت التصعيد.
ج ـ عدم جهوزية واستعداد الجيش، مفهوم استخدامه، ونقاط الخلل البنيوية والثقافة التنظيمية لديه، كانت بمسؤولية قادة الجيش والقيادة السياسية التي كانت مسؤولة عنه قبل تسلم رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الاركان مهام مناصبهم.
د ـ على المستوى السياسي ـ الأمني الاستراتيجي، فإن انعدام الجهوزية نبع أيضا من مفهوم أمني (بالمعنى الواسع) لم يُحدَّث.. وغياب مفهوم أمني مُحدَّث كان من مسؤولية حكومات "اسرائيل" جميعها. هذا الغياب ألقى بثقله هذه المرة ايضا على اعطاء جواب فوري لحدث الاختطاف، وشجع التركيز على رد عسكري فوري وحاد، بدل الأخذ بالحسبان جملة نقاط الهشاشة.
هـ ـ المساهمة في الاخفاقات كانت أيضا في ضعف الدراسات حول المواضيع السياسية ـ الأمنية لدى القيادة السياسية. وكان هذا هو الوضع أيضا لدى رؤساء الوزراء السابقين، وضمن مسؤولية الحكومات السابقة التي لم تصر على تحسين ذلك على مدى السنين. القيادة الحالية لم تعمل بشكل يعوض هذا النقص.
و ـ حكومة "اسرائيل" بكامل هيئتها لم تؤدّ مهامها، لم تستوضح ولم تطالب بجواب كافٍ عن الاسئلة والشكوك التي طرحت..
-الجيش الاسرائيلي لم يكن مستعدا للحرب، ضمن امور اخرى، لانه في جزء من القيادة السياسية والعسكرية تبلور تفكير بأن عصر الحروب انقضى، وأن لاسرائيل والجيش الاسرائيلي قدرة ردع وتفوقاً نوعياً كافيين، من أجل منع اعلان الحرب الحقيقية عليها، ومن أجل إصدار مذكرة أليمة لمن يبدو وكأن الردع لا ينطبق عليه. وسادت أيضا فرضية أن إسرائيل لن تبادر إلى شن حرب أخرى، وان تحديات القوات البرية ستكون التصدي مع نزاعات متواصلة على مستويات قوة منخفضة.
20. على أساس هذا التحليل ـ لم تكن هناك حاجة للاستعداد للحرب، ولم يكن هناك حاجة للتحديث المنهجي والمتعقل للمفهوم الأمني الشامل لإسرائيل، والشكل الذي يفترض بها أن تجند وتدرج كامل مقدراتها ومصادر قوتها ـ السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، العسكرية، الروحانية، الثقافية والعلمية ـ من أجل إعطاء جواب لجملة التحديات التي تحدث بها.
تقدير القرارات المتعلقة بالخروج للحرب وفق ما ورد ما في التقرير
19. لقد مثّلت الساحة اللبنانية تحدياً خاصاً لدولة اسرائيل، وفي داخلها مثّل حزب الله خلاصة التحدي، لكونه منظمة أشبه بدولة، يتحرك وفقاً لايديولوجيا جهادية معادية لإسرائيل بشكل واضح، وهو مجهز ومدرب وممول من جانب إيران وسوريا، ويرابط على الحدود في نقاط مراقبة قريبة للجيش الاسرائيلي. ومع مرور السنوات، أوجد حزب الله، ضمن إطار استعداده لمواجهة عسكرية متوقعة مع اسرائيل، منظومة هجومية ودفاعية معقدة ومنظمة، مخصصة لمواجهة التفوق العسكري البارز للجيش الاسرائيلي، وكذلك قيوده. وترتكز هذه المنظومة على صواريخ أرض ـ أرض لأهداف ردعية وهجومية، كان من المفترض أن تغطي الجبهة الداخلية في الشمال وإثقال الوضع المعيشي في أجزاء بارزة منها، الى حد الشلل. منظومة الصواريخ هذه، وخاصة ما كان منها منشوراً في جنوبي الليطاني، «اللب العملياتي»، كانت محصنة بشكل جيد، وبشكل مكّن الحزب من الدفاع الفعال في مواجهة النيران المضادة، الى حد أن التقدير السائد في الجيش الاسرائيلي كان أنه ليست هناك طريقة عسكرية لإيقاف او تقليص صواريخ الكاتيوشا بشكل نوعي، إلا عبر السيطرة البرية على مناطق إطلاق الصواريخ نفسها.
20. هذه المزايا الاساسية وغيرها، مثل انتشار حزب الله على الحدود، أوجدت وضعاً منح حزب الله، الى حد كبير، قدرة على التحكم بتوقيت المبادرة إلى حادثة على شاكلة عملية الخطف التي نفذها. ومجموع هذه المزايا وأمور اخرى، كانت أساسية لمواصلة سياسة الاحتواء، واعتماد وسائل سياسية لتجريد حزب الله من سلاحه، او على الأقل سحبه عن الحدود، بهدف تقليل تهديد تنفيذ عملية الخطف أو أي عملية مؤلمة أخرى.
21. كل قرار بالخروج إلى عملية عسكرية شديدة واسعة ضد حزب الله كان ينبغي، وفق ما تقدم، أن يأخذ بالحسبان ايضاً ما كان معروفاً جيداً في الجيش عن جهوزية حزب الله ونهجه العملاني، وملاءمة العملية المقترحة مع ذلك. في الواقع، التوقع كان هو أن أي رد اسرائيلي شديد على عملية الخطف، سيؤدي الى اطلاق الصواريخ الى الجبهة الداخلية. لذلك كان من المفترض أن يضم التوجه لتنفيذ عملية عسكرية نوعية، بمواجهة إطلاق الصواريخ ونتائجها، سواء على المستوى العسكري أو على المستوى المدني أو السياسي. إعداد خطط عسكرية كهذه واستعداد صحيح للجبهة الداخلية هما قضيتان يمكن أن تأخذا وقتاً طويلاً، وتتطلبا تفكيراً، وموازنات، وعملية متواصلة ومتعددة الطبقات. كان ينبغي ان يكون لهذه القضايا اعتبار هام في الجهوزية ـ ولم تُقدم كما ينبغي من اجل اطلاع المستوى السياسي عليها ـ وأن تُعطى وزناً كافياً في القرارات التي اتخذت.
22. كان من المفترض ان يكون من ضمن خطة عملانية عسكرية كاملة، دراية ومعرفة بالساحة اللبنانية بتعقيداتها الكثيرة، وتحديد بدائل العملية العسكرية المترتبة عليها والمتاحة. وبما ان تهديد الخطف كان واقعياً ودائماً، وحزب الله عمل بوضوح للخطف في الاشهر الأخيرة، كان من الملائم ان يعطي الجيش الأولوية لإعداد خطة مبلورة لمواجهة وضع كهذا، تكون مُحدّثة، ومصادقاً عليها، ومنسقة وأُجريت عليها مناورات. لو كانت هناك خطة كهذه في 12 تموز لكان على الجيش أن يقدمها، ويقدم بدائلها وفرضياتها الاساسية، ومزاياها وقيودها، أمام المستوى السياسي، وإجراء نقاش معمق على هذا الأساس في شأن الاساليب المثلى للعملية الاسرائيلية.
23. لم يقدم أمام المستوى السياسي، توصية من هذا النوع التام، بهدف النقاش واتخاذ القرارات. ولكنهم في الجيش بلوروا خططاً عملانية لمواجهة حزب الله (حُدِّثت بعد خروج السوريين من لبنان). غير ان هذه الخطط لم يصادق عليها رسمياً رئيس الاركان، ولذلك لم تُستخدم ايضاً كأساس متفق عليه للإعداد للحرب بما يتلاءم. والاهم من ذلك، لم يكن عدم وضع الخطط العملانية في الجيش نتيجة إهمال عملياتي فقط، بل كان هناك، على ما يبدو، لدى الجيش ولدى المستوى السياسي، امتناع عن اصل فكرة شن عملية برية واسعة في لبنان، الى جانب الإقرار بعدم وجود رد ناري مضاد على تهديد الصواريخ القصيرة المدى. لذلك لم تُعتبر الخطط التي تناولت عملية برية واسعة «ذات صلة». بينما كانت الخطط التي ركزت على ضربة نارية (وبشكل أساسي جوية) إشكالية بشكل جلي، لأنها حددت ان إسرائيل تفضل الامتناع عن تنفيذ عملية برية واسعة (حرب)، من دون الإشارة إلى استخدام القوة النارية بشكل نوعي، بطريقة تحول دون إطلاق صواريخ الكاتيوشا من جانب حزب الله على الجبهة الداخلية، التي لم يكن لدى الجيش رد عسكري فعال عليها ـ كان أيضاً جزئياً ـ باستثناء عملية برية واسعة مع كل مساوئها وأخطارها.
28. ... كانت هناك قرارات عسكرية لم يجر ضمها إلى خطة عملانية تشمل وترتكز على معرفة جيدة، وخبرة، وتحليل وخطة ورؤية استراتيجية شاملة وبعيدة المدى. أضف إلى ذلك أن القرارات لم تكن مرتكزة على اطلاع مع معرفة ودراية بالساحة اللبنانية. ومثّل كل ذلك فشلاً خطيراً.
29. ... جرت نقاشات حول الأهداف وسبل تحقيقها، وتشخيص الجهات التي توجه ضدها العملية العسكرية (حزب الله او الحكومة اللبنانية) واهداف الهجوم، داخل الجيش وضمن إطار مشاورات المستوى السياسي والعسكري.... ولم نجد نقاشاً منظماً حول التناسب بين تحقيق الأهداف وبين الأساليب العسكرية أو السياسية التي تقررت. وعندما اتضح بعد وقت قصير أنه لا تناسب بين الإنجازات المؤملة والأساليب المصادق عليها للعملية، لم يثمر هذا الفهم قراراً حول إجراء إعادة تقدير أو تغيير في الأهداف أو في أساليب العملية العسكرية.
الاحكام الصادرة بحق ثالوث العدوان على لبنان: أولمرت وبيرتس وحالوتس
أـ يتحمل رئيس الوزراء المسؤولية العليا والشاملة عن قرارات حكومته وأعمال الجيش. وتنبع مسؤوليته عن اخفاقات القرارات بشن الحرب سواء من أدائه أم من سلوكه هو، كونه الذي بادر وقاد عمليا القرارات التي اتخذت.
ب ـ رئيس الوزراء بلور موقفه دون أن تعرض عليه خطة عسكرية مفصلة ودون أن يطالب بأن تعرض، ودون ايلاء اهتمام كافٍ للظروف المعقدة للساحة اللبنانية والبدائل العسكرية والسياسية التي توافرت لاسرائيل. وقد قام بذلك دون مشاورات منظمة.. برغم انعدام تجربته في الشؤون الأمنية والسياسية، ودون فحص الشكوك السياسية والمهنية..
ج ـ رئيس الوزراء مسؤول عن أن أهداف المعركة لم تتحدد بوضوح وحذر، وعن أنه لم تفحص بشكل مرتب العلاقة بين أهداف المعركة والسبل التي اتخذت بتحقيقها. كانت له مساهمة شخصية في أن الأهداف التي اُعلن عنها كانت طموحة وغير قابلة للتحقق.
د ـ رئيس الوزراء لم يُحدِّث خطته حتى بعد أن تبين أن الفرضيات الأساس للعملية العسكرية الحادة التي اتخذتها إسرائيل ليست عملية ولن تتحقق.
هـ كل هذا ينضم الى فشل خطير يتعلق باستخدام التفكر، المسؤولية والحذر.
- على رئيس الحكومة تقع المسؤولية العليا للحرب وما يقترن بها... وبهذا يكون رئيس الوزراء قد فشل....
وزير الدفاع
13. وزير الدفاع هو الوزير المسؤول عن الجيش، وعضو كبير في مجموعة القادة في الشؤون السياسية والأمنية.
أـ لم يكن لدى وزير الدفاع المعرفة والخبرة في الشؤون السياسية، الأمنية والحكومية. كما لم يكن لديه اطلاع جيد على المبادىء الاكثر أساسية لاستخدام القوة العسكرية كأداة لتحقيق أهداف سياسية.
بـ برغم ذلك، فقد اتخذ قراراته في الفترة المدروسة دون التشاور مع محافل سياسية ومهنية ذات تجربة، بما في ذلك خارج جهاز الامن. كما لم يعطِ وزنا كافيا للآراء المتحفظة.
جـ وزير الدفاع لم يعمل انطلاقا من رؤية استراتيجية. لم يطلب ولم يدرس خطط الجيش، لم يتأكد من جهوزيته ولم يفحص التطابق بين سبل العمل التي عرضت وصودق عليها وبين الأهداف المحددة. تأثيره على القرارات ارتبط أساسا بأمور موضعية، ولم يطرح ـ ولم يطلب فحص ـ بدائل للتفكير والعمل أمام رئيس الوزراء والجيش.
د ـ وزير الدفاع لم يطور فهما مستقلا لاثار تعقيد الساحة (ساحة الحرب في لبنان) على رد فعل إسرائيل، أهداف المعركة، والعلاقة بين الخطوات العسكرية والسياسية فيها. عدم خبرته وعدم معرفته منعاه من تحدي الجيش ورئيس الوزراء.
هـ بهذا يكون وزير الدفاع فشل في مهام منصبه. وأداؤه في زمن الحرب، أضعف بالتالي قدرة الحكومة على التصدي لتحدياتها.
رئيس الاركان
14. رئيس الأركان هو القائد الأعلى للجيش، والمصدر الأساس للمعلومات عن الجيش، خططه، قدراته وتوصياته أمام القيادة السياسية. دوره في القرارات في الجيش وفي التنسيق مع القيادة السياسية كان مسيطرا.
أـ رئيس الأركان لم يكن مستعدا للحدث المتوقع. وعندما حدث الاختطاف، عمل بتهور. فلم يضع القيادة السياسية في صورة تعقيد الساحة ولم يعرض عليها المعلومات، التقديرات والخطط التي كانت في الجيش، وكانت ستتيح التصدي الأفضل لتحدياتها.
ب ـ رئيس الأركان لم يعرض على القيادة السياسية الحالة المتردية للجاهزية والاستعداد لدى الجيش لتنفيذ خطوة برية، عند الحاجة، وحقيقة أنه حسب الخطط العسكرية وتحليل الساحة، فإن الرد من شأنه أن يفترض مثل هذه الخطوة باحتمال عال.
ج ـ مسؤوليته تشتد بسبب حقيقة أنه كان يعرف أن رئيس الوزراء ووزير الدفاع عديمي المعرفة والخبرة الكافيين في المواضيع ذات الصلة، وبسبب حقيقة أنه خلق لديهما الانطباع بأن الجيش مستعد ولديه خطط العمل لهذا الوضع.
د ـ لم يقدم جوابا حقيقيا على الشكوك التي طرحت بشأن الرد المقترح في الايام الاولى من الحرب، ولم يعرض على القيادة السياسية الخلافات الداخلية في الجيش..
هـ ـ في كل هذا فشل رئيس الاركان في أداء مهام منصبه كقائد أعلى للجيش.. وأظهر عدم المهنية، المسؤولية والتفكر.
..... يُضاف الى ذلك أن رئيس الاركان أدى شخصياً دوراً مركزياً جداً، وتقريباً بشكل حصري، في قيادة المبادرة للبدء بالمسار العسكري، وبإقناع رئيس الحكومة وغالبية وزرائها بقدرات الجيش على تنفيذ المهمات التي تُلقى على عاتقه، وتحقيق إنجازات مثيرة في الحرب، حتى لو اقتصر الامر على الهجوم الجوي على حزب الله..
الانتقاد/ العدد1213 ـ موضوع الغلاف ـ 4 ايار/ مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018