ارشيف من : 2005-2008

تركيا بين المد الإسلامي ومخاوف العلمانيين

تركيا بين المد الإسلامي ومخاوف العلمانيين


بعد ان سيطر حزب العدالة والتنمية في تركيا على الحكومة التي يرأسها رجب طيب أردوغان وعلى المجلس النيابي الذي يسيطر فيه الحزب على 353 مقعداً من أصل 550، كان من الطبيعي له أن يسعى إلى السيطرة على منصب رئاسة الجمهورية، آخر معاقل العلمانيين، خصوصاً بعد سنوات حافلة بالمواجهات مع الرئيس أحمد نجدت سيزار الذي يتمتع بصلاحيات دستورية تعطيه حق المصادقة على القوانين والاضطلاع بتعيينات حساسة في الإدارات العامة، إضافة إلى كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة.
 وعليه، رشح الحزب وزير الخارجية عبد الله غل لمنصب الرئيس، وجرى الاقتراع يوم الجمعة الماضي (27/4/2007)، دون أن يتمكن غل من الفوز لأنه ظل مفتقراً إلى عشرة أصوات. وكان من المفترض أن تجري جولة اقتراع ثانية يوم الأربعاء الماضي(2/5/2007)، حيث كان من الممكن الرهان على كسب الأصوات المتبقية، وإلا فإن فوزه كان سيكون مؤكداً في الجولة الثالثة التي كان من المفترض أن تجري في التاسع من أيار/ يونيو الجاري، حيث تكون شروط الفوز أقل صرامة. لكن كل ذلك اصبح في خبر كان بعد أن قرر حزب الشعب الجمهوري المعارض مقاطعة الانتخابات، ثم شفع ذلك بالطعن في صحتها أمام المحكمة الدستورية التي اتخذت، قبل يوم واحد من موعد الجولة الثانية، قراراً بإلغاء الجولة الأولى التي لم يشارك فيها غير 361 نائباً من أصل 367 نائباً يفترض أن يشاركوا لتحقيق النصاب القانوني. والواضح ان قرار المحكمة الدستورية لم يكن دستورياً بقدر ما كان سياسياً بسبب العلاقة الوطيدة القائمة بين المحكمة من جهة ورئاسة الجمهورية وقيادة القوات المسلحة من جهة ثانية.
 كما أن لا دستورية القرار، وهو الأول من نوعه في تاريخ تركيا، تعود إلى عدم وجود سوابق تفرض نصاب الثلثين. هنالك إذاً حالة انسداد لا مخرج منها غير اقتراح مرشح آخر غير عبد الله غول، أو اللجوء إلى انتخابات مبكرة بدلاً من الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. انتخابات نيابية مبكرة على ما تطالب به أحزاب المعارضة، وعلى ما وافق عليه حزب العدالة والتنمية بعد صدور المحكمة الدستورية، ولكن بعد أن قرن ذلك بانتخابات رئاسية تجري مباشرة من قبل الشعب، مع المطالبة بتعديل دستوري في هذا الاتجاه. وسواء جرت الانتخابات بالشكل الذي تريده المعارضة أو بالشكل الذي يريده حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، فإن الواضح هو أن صناديق الاقتراع هي التي ستقرر، وفقاً لمشيئة الإسلاميين الذين يحظون بتأييد جماهيري غير مسبوق، ما سيكون عليه تاريخ تركيا اعتباراً من الأسابيع القليلة القادمة، فيما إذا لم تذهب الأمور في وجهة خطرة في ظل تهديدات بالحرب الأهلية أطلقتها بعض أوساط المعارضة في حال استمرار الإسلاميين في إصرارهم على كسب موقع الرئاسة. وكانت التهديدات قد بدأت بالظهور من خلال التظاهرات التي شهدتها المدن التركية والتي تصاعدت لتأخذ أحجاماً مليونيةً في أنقرة واسطنبول، بعد بيان "منتصف الليل" الذي صدر عن قيادة الجيش بعد ساعات من جولة الاقتراع الأولى، والذي اتهم حكومة العدالة والتنمية بتشجيع انتهاك المبادئ العلمانية للجمهورية التي أسسها مصطفى كمال آتاتورك.
 بيان قيادة الجيش أدين بشكل واضح، وباسم الوفاء لمقتضيات الديموقراطية، من قبل الاتحاد الأوروبي، وبشكل أقل وضوحاً من قبل واشنطن. لكن الإدانات الأكثر أهمية جاءت من أوساط المعارضة التركية نفسها بجناحيها اليساري والليبرالي، بسبب الانعكاسات السلبية لتدخلات العسكر في شؤون الحكم طيلة تاريخ الجمهورية التركية وخصوصاً خلال السنوات الخمس والأربعين الماضية التي شهدت أربعة انقلابات عسكرية جعلت من تركيا نموذجاً لهيمنة الديكتاتورية والاضطراب السياسي والتخبط الاقتصادي الذي لم تخرج منه إلا مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، عام 2002. وكان آخر تلك الانقلابات قد أجبر رئيس الوزراء التركي الأسبق، نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه، على الاستقالة، عام 1997، قبل أن يصار إلى حله، بقرار من المحكمة العليا، في العام التالي، بسبب قيامه بأنشطة مناهضة للعلمانية، وهو السبب نفسه الذي أدى إلى حل حزب الفضيلة عام 2001.
 والسؤال المطروح هو حول مدى استعداد الجيش الذي يعتبر نفسه حامياً للعلمانية للقيام بانقلاب خامس في ظروف لا يبدو فيها أنه سيحظى بالدعم الخارجي الذي كان يتمتع به من قبل واشنطن والغرب في وقت كان قد جعل من تركيا موقعاً متقدماً، إلى جانب "إسرائيل"، في محاصرة الاتحاد السوفياتي وبلدان المنطقة الخارجة على النفوذ الأميركي. كما أن الجبهة الداخلية للمعارضة لا تبدو متماسكة بالشكل الكافي في ظل الوفاق الهش بين أحزاب يسارية تعارض حكومة العدالة والتنمية وتتهمها بالتحالف مع "الرأسمالية الداخلية المستسلمة للقوى الإمبريالية"، وأحزاب يمينية تنطبق عليها هذه الأوصاف أكثر من انطباقها على حزب العدالة والتنمية. وفي حين أدان نقابيون من اليمين واليسار بادرة العسكر "المخجلة" بدا الرئيس سيزار محبطاً تحت وطأة شعوره بأن العلمانية التركية تتعرض لتهديدات غير مسبوقة منذ تأسيس الجمهورية، بسبب الخطر الداخلي الذي يشكله الإسلاميون، والخطر الخارجي الناشئ عما وصفه بارتياح البعض لتقديم تركيا كنموذج لدولة يحكمها الإسلام المعتدل.
وتجدر الإشارة، فيما يتجاوز الخلافات العميقة بين العلمانيين الخائفين على العلمانية، والذين لم يتمكنوا طيلة 58 عاماً من إخراج تركيا من دائرة التخلف الاقتصادي والاجتماعي ومن الارتباط بالأحلاف الغربية، وبين الإسلاميين الحريصين على بناء تركيا حديثة وعصرية ضمن إطار القيم الإسلامية، والذين أثبتوا جدارتهم في هذا المجال حيث ضاعفوا أرقام النمو أربع مرات خلال السنوات الأربع من حكمهم، تجدر الإشارة إلى الدور الأساسي الذي لعبه الحجاب في تفجير الأزمة الرئاسية الراهنة. فالحجاب محظور في الإدارات والجامعات وعلى زوجات ضباط الجيش، وبشكل خاص في القصر الجمهوري، وكون زوجة عبد الله غول ترتدي الحجاب يشكل اختراقاً للحظر بدءاً بأعلى مؤسسات الدولة. والمعروف أن إصلاحات أتاتورك كانت قد منعت ارتداء الحجاب والعمامة والطربوش وأدخلت "البرنيطة" التي شكلت، قبل التسريحات الحديثة للشعر المكشوف، واحداً من أبرز رموز المواجهة مع القيم التقليدية في مجال اللباس لبلد يشكل المسلمون 99 بالمئة من سكانه.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1213 ـ مقالات ـ 4 ايار/مايو2007

2007-05-04