ارشيف من : 2005-2008

رايس ومتكي في شرم الشيخ:الاستجداء الأميركي والتمنع الإيراني

رايس ومتكي في شرم الشيخ:الاستجداء الأميركي والتمنع الإيراني

ليست الولايات المتحدة في أحسن أحوالها عندما تبدو في مظهر المتهافت على اتصال ما مع إيران، باعتبار أن ذلك يعكس مستوى التدهور في سطوة وهيبة هذه الدولة العظمى التي أخذت زمام المبادرة على الساحة العالمية منذ أخلاها لها الاتحاد السوفيتي بعيد انهياره قبل نحو ستة عشر عاماً، لكنها بدأت الآن تفقدها رويداً رويداً  مخلية الساحة تدريجياً لقوى ناشئة بينها الجمهورية الإسلامية.
اليوم تدفع الولايات المتحدة ثمن واحد من اخطر القرارات التي اتخذتها في سياق تعاملها الإمبراطوري مع جميع الدول: غزو العراق. فالمأزق الذي نجحت كل من إيران وسوريا في تعميقه لها داخل هذا البلد دفعها إلى ما يمكن وصفه باستجداء حوار مع طهران بالدرجة الأولى ومع دمشق بالدرجة الثانية. ومع مرور الزمن اكتشفت واشنطن أنها قيدت خياراتها في السياسة الخارجية لا سيما الشرق أوسطية منها عندما نجحت طهران في وضعها في عنق الزجاجة ليتحول اجتياحها للعراق إلى جحيم لقواتها جعل من شهر نيسان/ أبريل المنصرم أكثر شهر يسقط فيه قتلى اميركيون من العسكريين في هذا البلد، وفي هجمات لا تكف واشنطن عن اتهام إيران بدعم منفذيها ومدهم بما يلزم من أسباب القوة العسكرية وغير العسكرية.
وليس مصادفة أن يكون حجم القتلى الأميركيين المرتفع في شهر الربيع هو الأكبر على عتبة مؤتمر شرم الشيخ الذي تريده واشنطن منفذا لمساعدة إقليمية لها، لا سيما من إيران وسوريا، برغم مشاركة سبع وأربعين دولة أخرى فيه، لإخراجها من هذا المستنقع الذي يبلع المزيد من العسكريين الأميركيين كل يوم، ومعهم المزيد من الانهيار في شعبية جورج بوش وشعبية حزبه الجمهوري، والاهم من ذلك تحطيم سطوة القوة الأميركية على نطاق عالمي.
وهذا ما يفسر محاولة واشنطن فتح قنوات اتصال مع الطرف الذي تعتبره صاحب النفوذ الأكبر في العراق حالياً، أي إيران، منذ طرح سفيرها السابق في بغداد، زلماي خليل زادة، إمكانية إجراء مفاوضات مباشرة مع الإيرانيين بهذا الشأن، مرورا بالحوار العابر الذي بادر إليه الأميركيون مع نظرائهم الإيرانيين في مؤتمر بغداد الذي خصص للعراق أيضاً، وصولاً إلى استعداد رايس للقاء نظيرها الإيراني منوشهر متكي خلال مشاركته في مؤتمر شرم الشيخ.
من حيث الشكل يعتبر الخطاب الأميركي تعبيراً عن حالة تأزم وإرباك انسحبت حتى على اللغة المستخدمة في التعبير عن الرغبة باللقاء. فواشنطن تبدو كمن يستجدي وإيران تبدو كمن يمتنع؛ ففي حين بادرت رايس إلى إبداء استعدادها للتحادث مع متكي، ردت طهران بأنها لم تقرر بعد المشاركة في المؤتمر، وأبقت على موقفها هذا حتى اللحظة الأخيرة، وأخرجته بطريقة فيها من مظاهر القوة ما يحسب للدبلوماسية الإيرانية، حيث أعلنت طهران قرار المشاركة في المؤتمر استجابة لطلب رسمي عراقي تقدم به رئيس الوزراء نوري المالكي في اتصال هاتفي أجراه مع الرئيس الإيراني احمدي نجاد.
كما لم يصدر أي إعلان رسمي إيراني يرحب بفكرة اللقاء بين متكي ورايس، وأكثر ما جاء تمثل بعدم استبعاد إمكانية اللقاء. في حين كان جورج بوش يغرق أكثر في تمنية نفسه بلقاء وعد بأن وزيرته "لن تكون فظة فيه وستكون مهذبة، ولكن حازمة"، منصباً نفسه متحدثا باسم طموحات الشعب الإيراني الذي يسجل هذه الأيام نسبة التأييد الأعلى للنظام الإسلامي خصوصا في برنامجها النووي، في حين يعاني بوش من تراجع شعبيته إلى دركات سفلى.
وبدا بوش كمن يتحدث لوحده وهو يطالب إيران بوقف تخصيب اليورانيوم للتفاوض معها بشأن برنامجها النووي في حين تعتبر إيران أن هذا الموضوع أصبح من الماضي. كما أن المسؤولين الأميركيين يقولون إن الموضوع الوحيد للقاء رايس متكي سيكون الملف العراقي.
في المقابل تبدو الجمهورية الاسلامية في وضع من يحسن التقاط إشارات التراجع والإرباك الاميركي خصوصا هذه الأيام في ظل تضييق الخناق أكثر على بوش داخلياً، ان من خلال تكشف المزيد عن التهور في قرار غزو العراق بعد اعترافات رئيس "السي. أي. ايه" السابق جورج تينيت، أو في ضوء توقيع رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي القانون الذي يشترط لتمويل الحرب في العراق جدولة الانسحاب منه.
لذلك فإن طهران تتلاعب بأعصاب الاميركيين أكثر فأكثر. فهي لم توافق على اللقاء بعد، وتقول انه إذا جرى سيكون مجرد مباحثات وليس حوارا أو مفاوضات، ولا تحدد أي موضوع تتحدث فيه بما في ذلك العراق، أي قد يكون لقاءً شكلياً تستخدمه طهران لإظهار منسوب التراجع في السياسة الاميركية وعدم التجانس بين توصيفها إيران عضوا رئيسا في محور الشر، وبين ركضها وراء صورة مشتركة لرايس ومتكي.
اما لماذا عدم الحوار فلأن الشروط الضرورية لإجرائه ليست متوافرة بعد؟ وما هي هذه الشروط؟ هي بحسب أكثر من مسؤول إيراني:
1 ـ ليس بإمكان الولايات المتحدة أن تظهر بمظهر العدو من جهة وان تقول إنها تؤيد اجراء مفاوضات من جهة أخرى.
2 ـ ليس بإمكان الولايات المتحدة أن تصوّت على موازنة لتنفيذ عمليات ضد طهران وتهديدها عسكريا، ومن ثم تقول إنها تريد التفاوض معها.
3 ـ على واشنطن أن تظهر أنها  تريد علاقات منطقية وصحيحة مع طهران.
4 ـ ان مسألة المفاوضات مع الولايات المتحدة ليست جدية ما دام أن الأخيرة لم تعلن تخليها عن توجهاتها ورؤيتها الأحادية الاضطهادية الشيطانية، فإن
المشاكل لن تحل.
5 ـ إذا ما أرادت الولايات المتحدة التفاوض مع حكومة لديها الشرعية والقدرة والقوة التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية، عليها تغيير سلوكها وأساليبها.
6 ـ أما حول أزمة الملف النووي الإيراني فعلى الولايات المتحدة أن تعترف اليوم أن الجمهورية الإسلامية قوة حقيقية ذات إرادة جادة، وهي تسعى للتفاوض معها.
إذاً تميز إيران بوضوح بين المباحثات العابرة والمفاوضات الجادة، وفي أي حال فإن خلاصة التحليلات المتداولة انه سواء عقد اللقاء أم لم يعقد فإن إيران تجني ثمار سياستها الحاذقة حيال الولايات المتحدة، برغم أن المسؤولين الأميركيين يزعمون أن إجراء محادثات لا يشكل في أي من الأحوال تنازلاً لإيران، ويكررون القول إن طهران باتت أضعف اليوم بعد إصدار مجلس الأمن الدولي قرارين ضدها وافق عليهما حليفاها التقليديان الروسي والصيني، وفرض عقوبات مالية عليها بدأت تنعكس على اقتصادها.
 لكن هذا الأمر يبدو مجرد خطاب موجه للداخل الأميركي الذي يقيد يوما بعد آخر جموحات بوش العسكرية، ويحد من إمكانية النزوع إلى مغامرة حربية ضد إيران، يبقى فقط احتمالها قائما كجنوح نحو الجنون المدمر، في حين ثمة من يعتقد أن بوش بات يراهن على حلول سياسية للأزمات المطروحة تقلص من حجم الزلزال العراقي خصوصاً، والشرق الأوسطي عموماً، على السياسة الخارجية، وربما تبدو طهران مدركة لحجم حاجة الولايات المتحدة إلى مساعدتها.
 لكن لماذا تفعل ذلك مع من يهددها ويتوعدها يوميا ولو بالكلام فقط، ومن موّل اكبر حرب عليها بعيد انتصار ثورتها الإسلامية؟ سؤال قد تبين الإجابة عليه في القادم من الأيام.
عبد الحسين شبيب
الانتقاد/ العدد1213 ـ تحقيقات ـ 4 ايار/مايو2007

2007-05-04