ارشيف من : 2005-2008

جاك شيراك يتقاعد

جاك شيراك يتقاعد

نضال حمادة ـ  باريس

 

ليس هناك من شيء أكثر صعوبة من نهاية فترة حكم يحمل فيها الحاكم المنتهية ولايته عبء جميع الأخطاء الناتجة عن حياة سياسية طويلة، فيما الصاعدون الى سدة الحكم يعلنون القطيعة السياسية مع العهد الذاهب.

بعد أربعين عاما من العمل السياسي تبوأ خلالها مناصب مختلفة كان آخرها منصب رئاسة فرنسا دورتين متتاليتين، ينهي الرئيس الفرنسي جاك شيراك حياة سياسية مليئة بمفارقات كبيرة لم تميز بين المزاج الشخصي ومصلحة الدولة وتناقضات لامست الانقلاب على ثوابت سياسية طالما تغنى شيراك بكونه الوريث الشرعي لواضعيها، والوحيد المؤتمن على استمرارها.

لقد أرجأ شيراك إعلان عدم ترشحه لولاية رئاسية ثالثة الى آخر لحظة، وأحاط قراره هذا بسرية تامة جريا على عادته في الظروف الاستثنائية قبل ان يطل على الفرنسيين معلنا في رسالة وداعية أرادها عاطفية اكثر منها سياسية، نيته التقاعد من العمل السياسي، محاولا التحدث عن انجازات عهده الرئاسي الذي امتد على مدى اثني عشر عاما، وموصيا بضرورة استكمال مسيرة الوحدة الأوروبية. غير ان مهمته هذه لم تكن سهلة، خصوصا ان الرئيس الخارج برع خلال ولايتيه الرئاسيتين في عدم شرح اي شيء للفرنسيين، وطبعت فترةَ حكمه كارثتان سياسيتان على الصعيد الوطني: الأولى حل البرلمان عام 1997، والثانية التصويت برفض اتفاقية الدستور الأوروبي.

من ناحية أخرى فإن الرئيس الذي يتمتع بالحصانة الرئاسية منذ عام 1995، هو عرضة للمساءلة القانونية بعد انتهاء المدة القانونية للحصانة الرئاسية في 16 حزيران المقبل في ملفين أساسيين:

1 ـ التوظيف الوهمي في مدينة باريس، وهي القضية الأخطر بالنسبة لشيراك، وتتعلق بتوظيف وهمي لكوادر من حزبه في بلدية باريس. وحسب قاضي التحقيق باتريك ديسمور يوجد أدلة خطيرة وواضحة تحمل على الاعتقاد بأن شيراك ساهم في الاستفادة من هذه التوظيفات بطريقة غير قانونية وعبر التلاعب بالملكيات العامة. عدد كبير من مسؤولي الحزب صدرت بحقهم أحكام في هذه القضية، من بينهم رئيس الحكومة السابق ألان جوبييه، رجل شيراك المخلص، ولا يزال ملف شيراك امام محكمة نانتير في انتظار نهاية الولاية الرئاسية.

2 ـ قضية أورالير، حيث يمكن ان يستدعى شيراك في اطار التحقيق في قضية شركة طيران أورالير التي يتهم فيها الزوجان شيراك بإساءة استخدام المال العام.

هذا الفشل الذريع في الداخل الفرنسي على صعد عدة، تقابله مفارقة نجاحات عديدة على الصعيد الدولي. والمفارقة هنا أنه عبر تاريخ فرنسا لم يمر رئيس فرنسي أكثر انفتاحا على الخارج من جاك شيراك.. لقد رفض شيراك الحرب على العراق، وهذا ما أكسبه رصيدا كبيرا في فرنسا والعالم، وفي هذا الصدد يقول الكاتب الفرنسي فيليب بريفو، مؤلف كتاب "مسؤولية فرنسا في المأساة الفلسطينية": إن الشيء الايجابي الوحيد الذي قام به شيراك هو معارضته الحرب على العراق انطلاقا من معارضته صراع الحضارات. ولكنه يستدرك ان الموقف من سوريا وقسم كبير من اللبنانيين على خلفية اغتيال الرئيس الحريري، فيه الكثير من المحاباة الشخصية على حساب مصالح فرنسا وعلاقاتها بالشعوب العربية.

هنا تظهر المفارقات والتناقضات الكبيرة في سياسة شيراك المزاجية، فهو تحول من متفهم للوجود السوري في لبنان عبر خطابه الشهير الذي ألقاه أمام مجلس النواب اللبناني، الى أشد المعادين لهذا الوجود في لبنان بعد اغتيال الحريري. وقد ذهب في سياسته الكيدية تلك الى التحريض على سوريا في أوروبا والعالم، والنطق بكلام نابٍ بحق الرئيس السوري بشار الأسد. وفي هذا الصدد يورد لنا الكاتب والصحافي في اذاعة فرنسا الدولية ريتشارد لافيبيير، مؤلف كتاب "بيروت بغداد.. القصة السرية للقرار 1559"، ان شيراك يحقد شخصيا على الرئيس السوري، بعيدا عن معايير مصالح الدولة الفرنسية في قضية لم يثبت لحد الآن مسؤولية سوريا عنها! ويضيف لافيبيير: ان شيراك تألم كثيرا عندما عاتبته أرملة الرئيس الحريري أثناء تقديمه واجب العزاء في بيروت، قائلة له: جاك، لقد قلت لي انه لن يحصل له أي مكروه! ومن هنا فإن شيراك اعتبر مقتل الحريري قضيته الشخصية، وتعامل سياسيا من خلالها مع لبنان وسوريا. ويمكن اعتبار العلاقة الحميمة التي جمعت الحريري وشيراك مثالا واضحا على تأثيرات العلاقات الشخصية في تحديد سياسة شيراك، وبالتالي فرنسا التي يرأسها، في بعض القضايا الحساسة في العالم، خصوصا في الشرق الأوسط. فالمصالح الشخصية تحدد المسار السياسي من دون أي اعتبار للنتائج السلبية التي من الممكن ان تسببها تلك السياسات على دول وشعوب بأكملها.. إنه منطق المحسوبية الضيقة الذي طبع آخر سنوات حكم شيراك، يردد مصدر فرنسي مطلع، موردا عن لسان زوجة الرئيس برناديت شيراك قولها: في بداية معرفتنا بعائلة الحريري كانت ابنتنا لورنس في بداية مرضها، وقد عمل الحريري على إرسالها على متن طائرته الخاصة للعلاج على نفقته في أميركا، ومنذ حينه أصبح في عداد الحلقة الضيقة المحسوبة على العائلة وعلى الرئيس. كلام يجد صداه هذه الأيام في ما أوردته وسائل الإعلام الفرنسي عن السكن الجديد الذي سوف ينتقل اليه الرئيس وعائلته بعد خروجه من قصر الإيليزيه، حيث أكدت أن ملكيته تعود لأيمن الحريري، نجل الرئيس الراحل رفيق الحريري.

 شيراك لا يعرف العالم العربي، ولكنه يعرف أثرياء عربا دعموه في مجمل حملاته الانتخابية.. يقول الصحافي كريستيان شينو الرهينة السابق في العراق: ان سياسته تجاه سوريا قد آذت كثيرا المصالح الفرنسية.. وهو بذلك ينقل أقوالا عن مسؤولين في وزارة الخارجية الفرنسية.

شخصية شيراك المتقلبة والعاطفية مردها الى المأساة التي عاناها جراء مرض ابنته لورنس التي حاولت الانتحار عدة مرات على ذمّة فرانس جيزبرغ، الذي وصف حال شيراك بالقول: إنها مأساة شخصية تحولت في النهاية الى مأساة وطنية.
الانتقاد/ العدد1213 ـ مقالات ـ 4 ايار/مايو2007

2007-05-04