ارشيف من : 2005-2008

باب الخسائر المفتوح

باب الخسائر المفتوح

من عادة "اسرائيل" أن تقتنص الأرباح قبل وإبّان وبعد كل أزمة. عقيدتها، البحث عن الربح. تحسب باستمرار حجم أرباحها. إذا نشبت أزمة في أوروبا، أو معركة في أفريقيا، أو حرب في أي بقعة في العالم، إنها حاضرة كي تفرض ضريبة على الرابح والخاسر معاً.

هذا هو تاريخ التحصيل الاسرائيلي لفوائدها من مصائب الآخرين، ولعل ما قبضته ثمن امتناعها عن الرد على الصواريخ العراقية في حرب الخليج الثانية، من مساعدات عسكرية متفوقة، إلى جانب احتلالها الثابت لرتبة أولوية الاهتمام والرعاية الأميركية والأوروبية، يؤكد أن حساب الجباية كان يفيض عطاءات ومساعدات وهبات سخية.

أما ما حصلت عليه بعد 11 أيلول/ سبتمبر، فكان انضمامها إلى حلف "الحرب على الارهاب"، وممارسة الرماية على السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني. وفيما كان العالم مشغولاً بأفغانستان، كانت "اسرائيل" متفرغة، بتأييد أميركي وعربي، لحربها ضد الفلسطينيين. تقول ثانياً رينهارت إن شارون كان بصدد استكمال حرب الثمانية والأربعين منذ نصف قرن.

باختصار: كانت "اسرائيل" تربح دائماً، عندما يربح الآخرون وعندما يخسرون. انها مهمة شابلوك التاريخية في مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير.

 ولكل قاعدة شواذ:

خسرت "اسرائيل" حربها في العام 1982. وأسقط شارون بالضربة القاضية، بعدما رعى ونفذ مجزرة صبرا وشاتيلا مؤمناً الحماية والتأييد والإضاءة والدليل لميليشيات لبنانية استطابت التعاون مع الإسرائيليين.

خسرت "اسرائيل" حليفها بشير الجميل، واضطرت إلى التراجع عن اتفاق 17 أيار، وكانت من قبل قد خسرت بقاءها في بيروت، ثم الجبل، ثم الإقليم، ثم قرى شرق صيدا، ثم جزين... إلى أن خسرت احتلالها لمعظم الجنوب. وفيما كان اللبنانيون، في معظمهم، يحتفلون بيوم الانتصار على "اسرائيل"، كانت الصحف الاسرائيلية تعنون انسحاب جيشها الذي لا يقهر بـ"يوم العار"، "الانسحاب المهين والخروج من وادي الدموع".

وخسرت "اسرائيل" ومعها الولايات المتحدة، وفرنسا شيراك، ودول الاعتداء العربي، الملقبة بدول الاعتدال العربي، حرب تموز، المرحب بها دولياً، والمصفق لها أوروبياً والمشتهاة لدى بعض العرب، والمرتجاة في أطراف لبنانية تريد استعادة لبنان إلى محور "السلام" بلا قيد أو شرط.

وأمس، توجت هذه الخسارة، عندما وجهت لجنة فينوغراد اتهامها لكل من المستوى السياسي والمستوى العسكري، محملة الطرفين مسؤولية الفشل.

"اسرائيل" ليست دولة من "العالم الثالث" المنكوب بحكم دكتاتوري، وليست دولة متخلفة، وليست دولة ضعيفة، وليست دولة محاصرة، أو "مقطوعة من الشجرة الدولية"، انها دولة من رتبة الدول الأولى، بعد الدول العظمى، هي متقدمة عسكرياً وتقنياً، وجامعياً، وتربوياً وتنظيمياً، وتكاد تكون ثكنة حديثة الطراز، محدثة باستمرار ومهيأة دائماً لمواجهة الأصعب، وأحياناً المستحيل (عملية عنتيبي، عملية 13 نيسان في بيروت، واغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة، تدمير مفاعل تموز، اغتيال أبو جهاد في تونس، قصف مقر منظمة التحرير في تونس، قصف أبو عباس، اجتياح سيناء، إلى آخره).

هذا الجيش وهذه الدولة ليسا وليدي الأمس المتعثر، بل هما قطعتان حديثتان ومرعبتان، وألزمتا العرب مراراً على الركوع عسكرياً باستثناء لبنان، وباستثناء المقاومة.

عندما تكون المسألة، خللاً في المستوى السياسي وفي المستوى العسكري، لا يكون ذلك صحيحاً، لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار، قوة المقاومة القليلة والمنيعة، وأسلوب قتالها وطاقتها الروحية، لذا يمكن الاستنتاج بكل بساطة بعد انتصار 25 أيار، وبعد عدوان تموز، أن "اسرائيل" العظمى التي اعتادت على الربح دائماً، وحساب الفوائد من أينما كان، باتت في مواجهة مقاومة "تحار كيف تنالها" على حد تعبير الشاعر شفيق معلوف، في وصف أعمدة بعلبك الصامدة على عتوّ الأزمنة.

لذا، لن يكون تقرير فينوغراد هو التقرير الأخير، فبعد كل معركة ستحصل، ستضطر "اسرائيل" إلى مراجعة خسائرها.

بعد اليوم، القاعدة في "اسرائيل" ستصبح كالتالي: "لن نسأل عن الأرباح، بل سنعد الخسائر"، إنما ماذا نقول لعرب ولبنانيين، لا يستطيعون هضم انتصار لبناني؟

نصري الصايغ

الانتقاد/ العدد1213 ـ بقلم الرصاص ـ 4 ايار/مايو2007

 

2007-05-04