ارشيف من : 2005-2008
فينوغراد تعدم أولمرت سياسياً... ومصير حلفائه آتٍ : وتنتصر... المقاومة
ما الذي يفترض أن يستوقفنا أكثر من غيره في ما خلص اليه تحقيق القضاء الإسرائيلي في فشل عدوان تموز الأميركي ـ الاسرائيلي ـ البعض عربي والبعض محلي أيضاً على لبنان؟ لن أتوقف عند التداعيات التي سوف تترتب على المشهد السياسي الإسرائيلي بكل أبعاده الحزبية والشعبية والحكومية، لأنه قيل وسيقال في هذا الكثير، كما أن تسارع الأمور والتطورات سيجيب عن العديد من التساؤلات، كما سيحسم العديد من فرضيات القراءة أو التفسير.
ما يهمني هنا هو التقاط لحظة المفارقة التي نعيشها إلى حدود الثمالة في عالمنا العربي، وفي عالمنا المحلي الخاص. هذه المفارقة التي تتموضع بين حدود ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، والتي تتموضع أيضاً بين منطق الحقائق وطبائع الأشياء، ومنطق المعاندة والاستكبار، وللتفصيل ومزيد من البيان نقول:
أولاً: أن أهمية ما خلص اليه القضاء الإسرائيلي يتمثل في حسمه نهائياً لدعوى الانتصار لمصلحة من نادى به وأكده، ودعا إلى استخلاص العبر والدروس الضرورية منه لتوظيفها في حركة استنهاض شاملة للأمة.
من نافل القول، إن نقاشاً مفتعلاً أدير حول عدوان تموز تحت عنوان أن المقاومة لم تنجح، وإنما فشلت، ووجدنا من ينظّر للهزيمة ويروّج لها تحت عناوين ومسميات مختلفة، تارة تحت الكلفة، وطوراً بذريعة أن العبرة في من يضحك أخيراً.
وثمة أمر عمليات أميركي أعطي بأنه ممنوع الكلام عن انتصار حزب الله، وممنوع السماح له بالتعبير عن فرحة الانتصار هذه، وممنوع، أيضاً، وهذا هو الأهم، أن يترجم هذا الانتصار انتصارات أخرى في المنطقة أو في لبنان.
في سبيل هذا جيشت وسائل اعلامٍ كثيرة، ووضعت موانع عديدة، وأثيرت وحركت مخاوف متنوعة، وضخت شبهات وإشكالات شيطانية من كل لون أسود نسجت.
في سبيل هذا حركت العصبيات المذهبية، وكأن العدو الذي هزم هو سني، نسي كثيرون أن العدو الإسرائيلي ـ الأميركي هو صهيوني من العظم، وأنه لا هو بالسني ولا بالشيعي، وأنه عدو مشترك لكليهما، فبات البعض يرفض الانتصار بدعوى أنه انتصار شيعي، وهذه جريمته، وطالما عمل البعض على الخلط بين ما جرى في لبنان ويجري في العراق لتلتبس على الناس الأمور، فيقلب الحق باطلاً، والباطل حقاً.
وفي سبيل هذا لم يترك الأميركي والفرنسي والبريطاني والسعودي والمصري والأردني وكل من دعم العدوان مباشرة أو مواربة، لم يترك هؤلاء وسيلة دعم إلا وقدمت لفريق السلطة في لبنان، لأن المطلوب أن لا يدفع ثمن تحالفه الموضوعي مع العدوان، فما دام الأميركي والإسرائيلي قد هزما، فهذه الهزيمة من شأنها أن تنسحب على الجميع.
ثانياً: سواء أصرّ أولمرت على البقاء في الحكومة، أم اتخذ قراراً طال تأجيله ويقضي بتقديم استقالته من الحكومة ومن حزبه كاديما، فالأمر سيان، لأنه إذا أصرّ على البقاء فسيبقى جيفة سياسية نتنة وملعونة لن تلوي على شيء، في حين أن ذهابه إلى المنزل قد يحفظ له بقية من حياة.
المهم، أن استمرار أولمرت قبل إعلان نتائج التحقيق شيء وبعده شيء آخر، فالتحقيق أسدل عليه الستارة، وطوى صفحته بمعزل عن القرار الذي سيتخذه. وهنا تحديداً تكمن العبرة، فأولمرت ناضل طويلاً بعد وقف العدوان ليبقى في سدة الحكم، ذلك أن بقاءه كان سيعني، ولو رمزياً، أن حربه على لبنان لم تكن كلها، على الأقل، فشلاً، والدليل أنه ما زال يتربع على رأس الحكومة. لكن الآن، حسمت الأمور، ولم يفده العناد، سوى أنه أخّر له الأجل المحتوم، مشترياً له المزيد من الأيام، لعل وعسى أن تأتي له بالمن والسلوى، بمعنى آخر، أن التحقيق لم يعلن الفشل المحتوم والكامل للعدوان بالمعنى العسكري، وإنما أعلن أيضاً، وهنا الرسالة الأقوى، أن الوقت الإضافي الذي منح له ولحلفائه من أجل إحداث بعض التعويض، وبما يكفل الكلام عن تحقيق انتصارات، لم يحقق له شيئاً، فالمقاومة بقيت صامدة، بل خرجت أقوى، وهي ماضية في إعادة رسم التوازنات لغير مصلحة مشروع هذا العدو، وليس الجمود الحالي بجمود، بقدر ما هو ترقب واستعداد للقفزة الكبرى.
ولعل هذا بالضبط ما يخيف وسيخيف من ذهب بعيداً في تحالفه مع المشروع الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة.
ثالثاً: صحيح أن ما يصيب بوش وإدارته يعود إلى المأزق الأميركي في العراق، لكن من الصحيح أيضاً، أنه يعود بصورته النهائية إلى فشل عدوان تموز. ولنتصور فقط لو أن هذا العدوان حقق أهدافه، فما هي الصورة التي ستكون عليها الأمور في لبنان والمنطقة. بالتأكيد سنكون أمام صورة مغايرة تماماً، صورة يأخذ فيها المشروع الأميركي ـ الصهيوني الاستعماري وضعية التوازن والهجوم مجدداً، خصوصاً ضد قوى المقاومة والممانعة في المنطقة. إن فشل عدوان تموز شكل ذروة التعبير عن المأزق الذي بلغه المشروع الأميركي في المنطقة، وإذا كان عدوان تموز هو في جوهره عدوانا أميركيا، فلا شك، أن ما خرجت به لجنة فينوغراد، لا يشكل إدانة وحكماً نهائياً بالفشل لأولمرت فقط، وإنما لبوش كذلك.
وهذه الإدانة بقدر ما دفعت أولمرت الى الهاوية، فإنها ستدفع أيضاً ببوش الى الهاوية. من هنا نفهم سر هذه الاندفاعة سريعة من قبل بوش وإدارته لمد يد العون والدعم لأولمرت.
رابعاً: من حق القضاء الإسرائيلي أن يكون موضوع تحقيقه وحكمه هو أسباب فشل عدوان تموز، لأن هذا العدو هو بالتعريف عدو، لكن لو فرضنا أن الأمور استقامت في بلادنا وأراد قضاؤنا أن يحاكم من دعم العدوان أو راهن عليه، أو شجع عليه، فماذا سيكون موضوع التحقيق، وبالتالي ماذا سيكون الحكم؟
خلاصة القول هنا، إن الحكم على أولمرت بالفشل لا يعني الماضي فحسب، بقدر، ما يعني، في توقيته، الحاضر والمستقبل، فالفشل ليس ابن تموز فحسب، وانما هو فشل مستمر، وإلا لو كانت الأمور عكس ذلك، لكانت شكلت خشبة خلاص له.
المفارقة أن يسقط أولمرت ويبقى حلفاؤه، لكن منطق الأمور يقول إن هؤلاء لن يكونوا بأفضل حالاً، لقد تهاوت أحجار الدومينو المركزية والباقي آتٍ في الطريق، والمسألة مسألة وقت ليس إلا.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/ العدد1213 ـ بلا مواربة ـ 4 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018