ارشيف من : 2005-2008
الضبّاط الأربعة: حقوق إنسانية منتهكة خلافاً للقانون
منذ ما يزيد عن ستّمئة يوم والضبّاط الأربعة اللواءان جميل السيّد وعلي الحاج، والعميدان مصطفى حمدان وريمون عازار، يرزحون تحت نير الاعتقال السياسي المتعمّد، من دون أنْ يرفّ جفن للسلطة القضائية المسؤولة عن هذا التدبير لاتخاذ قرار جريء بالإفراج عنهم، وذلك بسبب الضغوطات السياسية التي تتعرّض لها من قوى 14 شباط/ فبراير، في مخالفة صريحة للقانون، ولمبدأ الفصل بين السلطات، وفي تدخّل سافر غير مسبوق في عمل القضاء الذي تنصّ المادة العشرون من الدستور على أنّه سلطة مستقلّة.
ولم تشفع كتب رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي البلجيكي سيرج برامرتز في إقناع القضاء اللبناني بوجوب تخلية سبيل هؤلاء الضبّاط لانتفاء أيّ دور لهم في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهو ما أكّدته مجمل التحقيقات، علماً أنّ القضاء نفسه أخذ فوراً بتوصية الرئيس السابق للجنة الألماني ديتليف ميليس الذي انتهج طريق التسييس بتوقيف الضبّاط في 3 أيلول/سبتمبر من العام 2005، وهذا ما يدلّل في الدرجة الأولى على أنّ التوقيف سياسي وتعدّى إطار التوقيف ليصبح اعتقالاً وحجزاً للحرّيّة وهو ما يعاقب عليه، صراحة، قانون العقوبات اللبناني على حدّ تعبير أهل القانون من قضاة ومحامين.
والغريب أنّ القضاء اللبناني ممثّلاً بالنائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا والمحقّق العدلي القاضي إلياس عيد يتقاذفان كرة مسؤولية إطالة أمد الاعتقال بحسب ما ينقل وكلاء الدفاع عن الضبّاط، وهو ما ذكره اللواء الركن جميل السيّد في مذكّراته العديدة المقدّمة للقضاء.
وفيما تنحصر علاقة ميرزا بطلبات تخلية السبيل من ناحية إعطاء رأي غير ملزم للقاضي عيد يكون عادة بطلب ردّها، إلاّ أنّ الأخير لا يُقدم على تركهم ومنعهم من السفر أو وضعهم في الإقامة الجبرية، وكلاهما بحسب ما يقول وكلاء الدفاع، يتعرّضان لضغوط سياسية تحول دون قيامهما بواجبهما القانوني بعيداً عن الغايات السياسية.
وبالمقابل لا يزال هذا القضاء يتمسّك بشهود الزور المدفوعين لتضليل التحقيق وحرفه عن مساره وإخفاء الجناة الحقيقيين، على الرغم من يقينه بأنّ من يمثل أمامه من هؤلاء الشهود هم كاذبون ومفترون، ولكنّه لا يكشف النقاب عمن يقف خلفهم ويتعمّد إرسالهم الواحد تلو الآخر إليه، بدءاً من السوريين محمّد زهير الصديق وهسام هسام ومروراً بالسوري ميشال جرجورة والفلسطيني عبد الباسط بني عودة وانتهاءً بالسوري أكرم مراد، وبعضهم كان نزيل سجن "رومية" قبل شهور وسنوات من وقوع جريمة الاغتيال في 14 شباط/ فبراير من العام 2005.
والمفاجئ أنّ تاجر المخدّرات الشاهد أكرم شكيب مراد هو أوّل شاهد حقيقي يراه القاضي عيد وجهاً لوجه، بينما الشهود الأربعة الآخرون لم ير "صورة وجوههم"، ولم يتعرّف اليهم إلاّ في وسائل الإعلام، وقد بُني التوقيف على إفاداتهم من دون أن تجري مواجهتهم بالضبّاط للتحقّق من صحّة كلامهم الذي أُعطي لهم حرفاً فحرفاً من قبل جوقة تضليل التحقيق لتسهيل فرار القتلة المعروفين والمستفيدين من التغيير الذي يريدون تمريره في لبنان والمنطقة.
المعاملة السيئة
وما يزيد الأمور تعقيداً هو أنّ الاعتقال السياسي التعسّفي لا يقتصر على رفض الإفراج عن الضبّاط من دون تعليل الأسباب الموجبة والوجيهة والمنطقية، بل يمتدّ ليشمل النواحي الإنسانية حيث تبدو المعاملة سيّئة للغاية كما تقول زوجة اللواء علي الحاج الإعلامية الزميلة سمر شلق الحاج لـ"الانتقاد".
وتضيف إنّ الضبّاط الأربعة موضوعون في "عزلة تامة وحبس انفرادي فلا جريدة ولا راديو ولا تلفزيون"، وتكشف أنّه بعد مراجعة ميرزا بخصوص هذه "الممنوعات"، أبدى "عدم ممانعة في وجود وسائل إعلامية داخل الزنازين، وعندما تمّت مراجعة المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي أشار بوضوح إلى أنّ هذا قرار سياسي من الرئيس فؤاد السنيورة ووزير الداخلية والبلديات بالوكالة أحمد فتفت"، وتسأل "أين هي استقلالية القضاء؟ فأعلى سلطة تبيح للمعتقلين الحصول على هذه الوسائل وترفض السلطة السياسية تنفيذه".
وتلفت شلق الحاج النظر إلى عدم وجود شبّاك أساساً في المبنى المشيّد حديثاً في "رومية" والموضوع بإمرة "فرع المعلومات"، ولا يوجد أيّ أثر لهذا المبنى في سجلات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، "وكلّ هذا والضبّاط غير مدانين وليسوا متهمين، فكيف تنفّذ أقصى عقوبة بهم وهم لا يزالون يتمتّعون بقرينة البراءة؟ وهل المطلوب تحطيم موقوف عدلي؟".
وتشير شلق الحاج إلى أنّ الضبّاط الأربعة "موضوعون تحت سلطة "فرع المعلومات" بينما في القانون يفترض أن يكونوا تحت سلطة سريّة السجون في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ولا يوجد جواب حول هذه المخالفة".
وتعدّد شلق الحاج المزيد من الانتهاكات لحقوق زوجها "فهو يحقّ له بلقاء محاميه على انفراد، وهذا لا يتمّ إلا بحضور ضابط أو عنصر، ويترافق مع مراقبة لصيقة داخل الغرفة، وينسحب الأمر نفسه عند لقائه بعائلته، وهذا الضغط النفسي غير مبرّر، فهناك شخص يدقّق ويسجّل أنفاسك ويحصيها ويدوّن كلّ شاردة وواردة".
تركيب شهود الزور
وتذكّر شلق الحاج بالأيّام العشرة الأولى من الاعتقال حيث "وضع زوجي في زنزانة استحدثت له في الطابق الثاني تحت الأرض في المبنى الذي كان يضمّ مكتبه في المقرّ العام لقوى الأمن، والمكان رطب ومعزول ومقبرة للأحياء، وترافقت هذه الأيّام مع جوّ من الرعب والخوف، ولم يردنا حتّى اليوم أيّ جواب قانوني يبرّر هذا الاعتقال ومن هو المسؤول عنه لكي يُحاسب؟". وتعتبر أنّ هذا الفعل هو "اختطاف وسلب للحرّيّة"، مؤكّدة "أنّنا لا نتدخّل في عمل القضاء فنحن تحت القانون ولكن هل من أجوبة شافية لكلّ هذه الأسئلة؟".
وتستغرب شلق الحاج الصمت المريب عن المطالبة بالحقيقة "فلا أحد يريدها إلاّ نحن وكلّ محبّ ومخلص للرئيس الشهيد رفيق الحريري وبقيّة الشهداء"، وتسأل "لماذا لم يعد أحد يتكلّم على الحقيقة؟ ولماذا لا يحكى عن فضائح التحقيق؟".
وتردّ شلق الحاج على "من يُنكرون علينا صفة الاعتقال السياسي" بالقول إنّ "الضبّاط معتقلون سياسيون بامتياز ما دام القانون لا يسمح بالتوقيف الاحتياطي طوال هذه المدّة التي بلغت العشرين شهراً حتّى الآن".
كما تردّ على من تستّر تحت صفة "مصدر قضائي" ونشر كلاماً مغلوطاً في جريدة "المستقبل" التابعة للسلطة، وتقول "إذا كانت لديه نيّة لكشف الحقيقة عليه أن يستدعي خبراء تركيب شهود الزور لأنّ كلّ مضلّل هو شريك في الجريمة ويعرف من هو المجرم الحقيقي، وإذا كان لا يعرف فلينظر إلى المستفيد من الوضع السياسي القائم في البلد"، وتأخذ على هذا "المصدر" عدم مجاهرته باسمه "حتّى نعرف مع من نتخاطب ويا ليته نشر تصريحه في كلّ الصحف ليعطيه مصداقية أكبر".
لا ينتهي الكلام على هذا العذاب على لسان شلق الحاج التي تشدّد على أنّه "لو نحن قتلنا رفيق الحريري لما بقينا في البلد"، وتؤكد بأنّ الأسر والسجن في هذا الزمن الرديء هو وسام نعلّقه على صدورنا ونضيفه إلى تاريخ مشرّف لم تدخل فيه مجزرة أو دم أو متاجرة بأرواح الناس".
الإفادات التضليلية
ولا يختلف المشهد لدى أسرة اللواء الركن جميل السيّد عما هو عليه لدى عائلة الحاج وبقيّة المعتقلين السياسيين، فالمرارة واحدة والألم الجارح متشابه إلى حدّ التطابق.
ومسيرة الألم بدأت، كما تقول سوسن حمدان السيّد، "مع رفع الصور في التظاهرات والاتهام بالقتل، فقد هدر دم العائلة بأكملها عندما يتهم الوالد بجريمة من هذا النوع، مع ما رافقها من افتراءات وتزوير للحقائق بشأن الأمور المالية والحديث عن الصندوق الأسود الذي قال عنه ميليس إنّه تأمّنت منه مصاريف عملية الاغتيال قبل أن تنجلي الحقيقة وهي أنّ هذا الصندوق أنشئ لحماية موظّفي الأمن العام من الفساد، ولا يزال معمولاً به".
وتتحدّث حمدان السيّد عن تاريخ زوجها العسكري والسياسي الناصع "فهو أقام المؤسّسات بدءاً من البقاع حيث حمى الجيش اللبناني من التشرذم والتقسيم، وسعى إلى تنفيذ مشروع الدمج والوحدة، وحمى مدينة زحلة عند إخراج عناصر "القوّات اللبنانية" منها، وجعل من المديرية العامة للأمن العام مؤسّسة قائمة بحدّ ذاتها حيث صار للمواطن احترام أكثر من الموظف، لأنّ المواطن على حقّ، وقد شعر الموظف بأنه صارت لديه كرامة وكيان في ظلّ وجود اللواء جميل السيّد".
وتسأل "لماذا لا يسأل القضاء عن شهود الزور ومن يقف وراءهم ومن دفعهم للإدلاء بهذه الإفادات التضليلية".
وضعية البرغوثي والسيّد
وتقيم نوعاً من المقارنة بين وضعية زوجها ووضعية المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي، فهذا الأخير "مسموح له في السجون الإسرائيلية بالتعايش مع العالم الخارجي، أما في لبنان فهذا ممنوع واللواء السيّد موجود في الزنزانة منذ عشرين شهراً ولا يسمح له بالاتصال إلاّ بعائلته ومحاميه عند زيارتهم له".
وإذ تشكر "أم مالك" مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قبّاني على "ما قاله وثبّت به أنّ الاعتقال هو سياسي"، تؤكّد أنّ "الاعتقال الانفرادي أمر تافه وصغير لدى اللواء السيّد ولا يعني له شيئاً مقابل قضيته الكبرى والمتمثّلة بمعرفة الحقيقة".
هذه الحقيقة التي تغيب تدريجياً من قاموس السياسيين المستفيدين من اغتيال الحريري بعدما ورثوه في غيابه، ولكن هيهات أن يكون لهم حضوره الفاعل ولو على الساحة المحلّية فقط، ومهما كبرت الوصايات الأجنبية الداعمة لهم.
علي الموسوي
الانقتاد/ العدد1212 ـ 27 نيسان/أبريل2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018