ارشيف من : 2005-2008

المـلك عبـد الله معارضـاً ...

المـلك عبـد الله معارضـاً ...

التراجعات أو التنازلات على المستوى «القومي» الجامع، أو الذي كان جامعاً، والخوف من تمييع أو طمس مطالب الشعوب التي تبقى ـ في الغالب الأعم ـ خارج القاعة، فإن دخلتها بالاضطرار لم تخرج منها.‏

صار يمكن رصد حركة التراجع عن الثوابت أو حتى عن المطالب البديهية بالأرقام التي تحملها القمم: فالعاشرة تتراجع عن المواقف التي كانت عليها التاسعة، والتاسعة عشرة (أي الحالية) أكثر تراجعاً عما كانت عليه القمة الثامنة عشرة... بل هي أكثر تراجعاً عن القمة الرابعة عشرة التي عقدت في بيروت وتمّ فيها استيلاد «مبادرة السلام العربية» بعد شيء من التعديل على الأصل الذي كان كتّابه قد أغفلوا أية إشارة إلى «حق العودة»، وهو كل ما تبقى للاجئين الفلسطينيين من «صلة دولية» بوطنهم الذي طُردوا منه ليتم تثبيت إسرائيل فوقه بالقرارات الدولية... بعد السلام، طبعاً!‏

ولعل هذا الواقع قد استفز الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي تحمل المبادرة اسمه، فإذا بخطابه في افتتاح القمة أقرب ما يكون إلى نبرة الناقد، الناقم، رافض الواقع، المعترض على التسليم بدوامه، حتى ليصعب على منتقدي العمل الرسمي العربي، بمستوياته كافة، وصولاً إلى القمة، أن يضيفوا كلمة إلى «صرخته» التي امتزج فيها الغضب بالخيبة والمرارة بالإحساس بالهوان، وهو يشخّص الواقع العربي:‏

فالعرب، بحسب الخطاب الملكي، قد غابوا عن دورهم.. والعرب عاجزون عن تقديم العون لإخوانهم. العراق الذي يخضع لاحتلال غير شرعي مهدد بالفتنة الطائفية، وفلسطين أو ما تبقى منها تكاد تضيع تحت الحصار الإسرائيلي، والسودان مهدد في وحدته فضلاً عن سيادته نتيجة ما جرى وما يجري في دارفور...‏

على أن ما غاب عن الخطاب الملكي كان أعظم خطورة مما تضمنه من شكاوى واعتراضات: لقد أغفل الخطاب أية إشارة إلى الحرب الإسرائيلية على لبنان في الصيف الماضي، وأغفل بالتالي أي ذكر للمقاومة الباسلة التي قاتلت العدو الإسرائيلي لمدة ثلاثة وثلاثين يوماً ومنعته من تحقيق أي نصر، برغم الدعم الأميركي المفتوح، الذي كان بين مقتضياته الصمت العربي المطلق، فلما اضطر المسؤولون العرب إلى إظهار شيء من التضامن أعطوه للحكومة مع قفز عن دور المقاومة وبطولات مجاهديها، في حين كانت شعوبهم تموج بتظاهراتها في الشوارع اعتزازاً بهذا النصر المؤزر الذي جاءها من حيث لم تحتسب.‏

بهذا المعنى فإن الإشارة الطريفة إلى «تحوّل شوارع بيروت إلى فنادق» لا تخدم الغرض الملكي الذي يريد للعرب أن يستعيدوا دورهم، وأن يقدموا العون إلى من يحتاجه من إخوانهم.‏

تلك ملاحظة لبنانية، فرضها إغفال الخطاب ذكر الألف ومئتي شهيد، والمليون مهجر الذين عادوا إلى قراهم فور إعلان وقف إطلاق النار رافعين أصابعهم بإشارة النصر مع معرفتهم بأن بيوتهم قد دُمرت، ليؤكدوا أنهم ثابتون في أرضهم مهما بلغت شراسة العدو الإسرائيلي المعزز بقوافل السلاح الأميركي، ومن ضمنها «القنابل الذكية»... وبالتأكيد فإن بين دوافعهم لاستعجال العودة إلى مساقط رؤوسهم، ولو أقاموا في الخيم، صورة إخوانهم الفلسطينيين الذين خرجوا من ديارهم بالنصيحة العربية ثم لم يعودوا إليها أبداً.‏

ملاحظة من خارج السياق: من الصعب أن نفترض أن التعهّد المجدّد الذي أطلقه الرئيس الأميركي جورج بوش مؤكداً فيه أنه لن يسحب قوات احتلاله من العراق، التي عهد إليها بمهمة «حماية الديموقراطية» لم يأخذ في الاعتبار أن القمة العربية تعقد في الرياض تحديداً، وأن الملك عبد الله قد أشار في خطاب الافتتاح إلى «الفتنة» باعتبارها من نتائج هذا الاحتلال غير المشروع... ومن حق أي مراقب أن يعتبر توصيف الانسحاب الأميركي من العراق بأنه سيكون كارثة على الإدارة الأميركية، كما جاء على لسان جورج بوش، بمثابة إنذار موجه إلى القمة العربية أكثر مما هو موجه إلى الأميركيين!‏

أما داخل السياق فيمكن القول إنه كان بوسع العرب عموماً، والسعودية خصوصاً، أن يفيدوا كثيراً من حالة الضعف الأميركي والتراجع الناجم عن التورط في احتلال العراق، ليحصلوا على بعض البعض من حقوقهم، سواء لدى الإدارة الأميركية، أو لدى الحكومة الإسرائيلية التي تعاني هي الأخرى من حالة ضعف استثنائية لا سيما بعدما فضحتها المقاومة الباسلة في لبنان فأفشلت حربها عليه في تموز ـ آب .2006‏

وثمة من يفترض أن الملك عبد الله بن عبد العزيز كان مؤهلاً لأن يذهب إلى أبعد مما طرحه في خطابه، لو ترك نفسه على سجيته، كعربي، وكقائد مسؤول في منطقة حساسة جداً وكاشفة ـ بثرواتها وموقعها الاستراتيجي ـ للأغراض والأهداف: ذلك أن الإدارة الأميركية في أضعف حالاتها وكذا الحكومة الإسرائيلية، فماذا أفضل من فرصة كهذه لكي يتمسّك العرب بمطالبهم الأصلية والمشروعة.‏

بدلاً من ذلك أحاطت بالقمة تلك الجوقة التي لا تتعب من النفخ في أشرعة «الخطر الإيراني»، لاستعداء العرب على جارهم الكبير الذي لا مشكلة جدية بينهم وبينه، تمهيداً لأن يطلقوا وحش الفتنة بين السنة والشيعة بحيث تنهك العرب في حاضرهم وتدمّر مستقبلهم، موفرة الاطمئنان والراحة المطلقة ونزح ثروات هذه الأرض للصديق الأميركي الكبير وحليفه الإسرائيلي الذي يرفض كل العروض والإغراءات التي تقدم إليه للاعتراف بالحد الأدنى من الأدنى، أي من اتفاقات أوسلو... ربما لأن الطرفين واثقان من أن العرب سيتنازلون أكثر فأكثر وغالباً بلا طلب.‏

لقد كان الملك عبد الله في خطابه محرضاً للقمة بقدر ما كان معارضاً للواقع العربي..‏

لكن القمم لا تتأثر بالتحريض ولا بالمعارضة.‏

القمم في حالة الضياع العربي هذه محطات للتنازل، والمزيد من التنازل..‏

وها نحن نعرض في الرياض التنازل تحت ما كنا عرضناه قبل خمس سنوات في قمة بيروت، تحت ذريعة طريفة تلخصها كلمة «تفعيل».‏

أما بيروت فعليها، بدورها، أن تنتظر «تفعيل» المبادرة العربية التي لا نعرف هل ستحييها القمة أم ستعتبرها من الماضي، تاركة للبنانيين أن ينتصروا على أنفسهم وعلى أزماتهم التي قال العرب إنها ليست على جدول أعمال قمتهم الحالية... دون أن يتعهّدوا بإدراجها على القمة المقبلة!‏

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية‏

2007-03-29