ارشيف من : 2005-2008

الحريري سمع في فرنسا مناخاً مغايراً لما كان يسمعه سابقاً:‏ ضرورة التزام الهدنة تقطيعاً للوقت الفاصل عن ظهور التسوية

الحريري سمع في فرنسا مناخاً مغايراً لما كان يسمعه سابقاً:‏ ضرورة التزام الهدنة تقطيعاً للوقت الفاصل عن ظهور التسوية

استطلاعات الرأي تقدماً واضحاً على ابرز منافسيه. لكن ‏المطلعين هنا يجمعون بأن استطلاعات الرأي لم تصدق يوماً في توقعاتها لألف سبب وسبب، واهمها ان ‏الفرنسيين يقررون في اللحظة الاخيرة، فكيف بالحري اليوم، حيث تسمع بوضوح في مقاهي باريس ‏خشية الفرنسيين وخوفهم من ساركوزي اذا ما دخل قصر الايليزيه، ولذلك يردد هؤلاء ان ‏الفرنسيين سيقترعون في هذه الانتخابات «ضد» هذا المرشح او ذاك وليس ابداً «مع» هذا المرشح ‏او ذاك والمشروع الذي يحمله.‏‏

لكن حمى الانتخابات الرئاسية في فرنسا، لم تمنع استمرار «الحج» السياسي اللبناني باتجاه ‏عاصمة النور، بعدما احتلت موقع المرجعية المباشرة للواقع السياسي اللبناني منذ خروج ‏سوريا من لبنان. وما شجع استمرار التوافد السياسي اللبناني هو عزوف الرئيس جاك شيراك ‏عن الترشح، اضافة الى انه مراقب للمعارك الانتخابية الدائرة ليس اكثر، بسبب عدم تمكنه ‏من ترشيح شخصاً قريباً منه، مكتفياً بدعم «كلامي» بارد ومتأخر كثيراً لساركوزي. لذلك وجد ‏شيراك الكثير من الوقت لينهي - مرحلته كرئيس لفرنسا بتكريم النائب سعد الحريري، ‏وبالاجتماع مع حلفائه نزولا عند رغبة الحريري.‏‏

لكن ظاهر الامور لا يعكس حقيقتها وهي في اي حال السمة الغالبة في طبيعة الحياة السياسية ‏اللبنانية. فعند مطلع الاسبوع وبعيد تقليد شيراك للحريري الوسام الفرنسي، بدا الوفد ‏اللبناني الذي رافق الحريري في زيارته الى باريس غير مرتاح. لا بل ان الذين شاهدوا ‏النائب الحريري في بهو فندق «اتيني بلازا» والى جانبه عدد من اركانه لاحظوا فوراً ان رئيس ‏كتلة المستقبل كان قليل الكلام ومتجهم الوجه. وصحيح ان الاحداث في لبنان كانت ثقيلة مع ‏الهجوم المضاد الذي نفذه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الا ان ذلك لم يكن السبب الوحيد ‏للجو الثقيل الذي خيّم على بهو الفندق الفخم وسط الحي الباريسي الراقي. فالنصائح التي ‏سمعها النائب الحريري جعلته قلقاً بعض الشيء. ‏‏

فلقد جاءت القراءة الفرنسية هذه المرة لمسار الاحداث ومنحاها المستقبلي معاكساً لما كان ‏مرسوماً لها في السابق. فالاجواء الباريسية والتي كانت شجعت سابقاً على تعزيز العصب المذهبي ‏لحماية حكومة الرئيس فؤاد السنيورة انما طرحت قراءة جديدة تقوم على وجوب الاستمرار في ‏احتواء الازمة في لبنان، والاستمرار في تبريد الواقع السياسي والاستمرار في حال الهدنة ‏بانتظار انجاز الخطوط العريضة للتسوية في المنطقة والتي ستعني اذاك تحقيق التسوية في لبنان. ‏وهو ما يعني ضمناً ان استفزاز المعارضة في لبنان خطوة خاطئة وحشر رئيس المجلس النيابي ضرب ‏من الغباء والرعونة.‏‏

في اول مبادئ التحليل السياسي انه حين تقع ازمة في مكان ما، فلا بد من تمحيص وتحليل كل ‏العناصر المحيطة بهذه الازمة قبل الدخول الى قلب هذه الازمة لابتداع حل لها. وهكذا فان الذي ‏ينظر الى الازمة في لبنان من باب المواقف الداخلية هو «جاهل» حتماً للخطوات الصحيحة ‏الواجب اتخاذها. ذلك ان مقاربة الازمة اللبنانية بشكل علمي وصحيح لا بد ان يحصل بعد ‏دراسة الواقع المحيط بلبنان (سوريا وفلسطين واسرائيل) والدائرة الابعد ايضاً (العراق) ‏الدائرة التي تضم الوكيلين الاقليميين الكبيرين (السعودية وايران). والقرار الابرز في هذا ‏المجال هو التوافق الايراني - السعودي على نزع فتيل التشنج المذهبي من لبنان. لا بل هنالك ‏من يقول ان طهران والرياض ابلغتا اركان الطائفتين السنية والشيعية في لبنان انه اذا ‏ما حصل الاسوأ من خلال تفجير مواقع للعبادة مثلاً، فان اي مضاعفات ومن اي نوع كانت هي ‏ممنوعة. والتزم المعنيون في لبنان بالامر.‏‏

وهذا المناخ الاستيعابي يحظى بمباركة دولية او على الاقل فرنسية. ومن هنا جاءت نصيحة ‏شيراك الجديدة للحريري.‏‏

وفي كل الاحوال على عكس ما هو ظاهر، فان مؤسسات عدة في فرنسا معنية برسم المسار ‏الاستراتيجي للسياسة الفرنسية في لبنان، كانت على تعارض مع سياسة الرئيس الفرنسي، لا بل ‏انها عملت في بعض المراحل على «فرملة» اندفاعة شيراك في لبنان وربما الى عرقلتها فيما ‏يشبه الصراع الفرنسي - الفرنسي.‏‏

وكمثال على ذلك ما حصل منذ اقل من سنة، وتحديداً حين هاجم الرئيس اميل لحود سياسة ‏الرئيس الفرنسي واضعاً فارقاً ما بين سياسة شيراك المبنية على نظرته الشخصية، والعلاقة ‏التاريخية ما بين لبنان وفرنسا، وفي هذه المسألة سابقة ان يهاجم رئيس الجمهورية اللبناني ‏رئيس الجمهورية الفرنسية. الا ان خلفية هذه المواجهة تحمل اسراراً من مسار الصراع ‏الفرنسي - الفرنسي، او بتعبير ادق، تصويب بعض الدوائر الفرنسية المؤثرة لسياسة الرئيس ‏شيراك. ذلك انه في تلك الفترة ردد بعض اقطاب قوى 14 اذار في لقاءاتهم المغلقة نصيحة قيل ‏انها جاءت من السفير الفرنسي في لبنان ايمييه، بتنظيم تظاهرة طلابية باتجاه قصر بعبدا ‏لاخراج الرئيس لحود منه بهدف الاطاحة به. وحسب النصيحة فان الرئيس لحود سيعمد الى حماية ‏نفسه من خلال قوى الحرس الجمهوري وسيعطيه امراً باطلاق النار دفاعاً عن قصر بعبدا. وهذا ‏ما سيسبب بوقوع ضحايا، وهو ما سيدفع مجلس الامن الى الاجتماع واتخاذ قرار بتوسيع صلاحيات ‏قوات الطوارئ الدولية وانتخاب رئيس جديد للبنان وفق التوازنات الحاصلة.‏‏

وبدا ان هذا الكلام تسرب الى دوائر فرنسية اساسية معنية برسم السياسة الفرنسية في ‏لبنان والمنطقة. وبعد ان تحققت منه وجدت ان في هذه الخطوة خطرا كبيراً على فرنسا ومصالحها ‏في المنطقة. ذلك ان الجنود الفرنسيين العاملين في قوات الطوارئ الدولية سيصبحون هدفاً ‏للهجمات الانتقامية، اضافة الى ان الواقع الداخلي الفرنسي سيصبح اكثر اضطراباً لا سيما ‏ان ازمة حرق السيارات في العاصمة الفرنسية كانت ما تزال مخيّمة على المجتمع الفرنسي.‏‏

ويُروى ان هذه الدوائر الفرنسية سربت المعلومات التي لديها الى قصر بعبدا. فكان موقف ‏الرئيس لحود الذي ميّز بين شيراك وبين الدولة الفرنسية، والذي حمل رسالة الى الرئيس ‏الفرنسي بان خطوته باتت مكشوفة. فتراجع شيراك عن نصيحته وتراجعت معه قوى 14 آذار عن ‏نيتها باقتحام قصر بعبدا.‏‏

والمشكلة هنا ان قوى الاكثرية التي ارتكبت الكثير من الاخطاء القاتلة خلال مسارها السياسي ‏بقيت تنظر الى السياسة الدولية ومصالحها وخطوطها المتعرجة بكثير من التبسيط والسطحية. ‏فدفعت وهي ما تزال تدفع الكثير من رصيدها. وهذا ما جعلها تقاتل داخل السراي الحكومي، ‏بعدما كانت قبلا تكاد تختزل كل البلد في قبضتها. وهي الاخطاء نفسها تتكرر مثلا في موضوع ‏المحكمة الدولية تحت الفصل السابع. وهو «وهم» تصدقه رموز كبيرة في هذه القوى. اولا يرى ‏هؤلاء ان حصول ذلك يعني الاستعداد لحرب جديدة لتطبيقه، فيما المجتمع الاميركي يكاد يخنق ‏رئيسه بحثاً عن حل سلمي في العراق ووقفاً للحرب؟ ثم الم يلاحظ هؤلاء ان و اشنطن فكت العزلة ‏عن ايران ودمشق وجلست معهما جنبا الى جنب للبحث عن حل للملف العراقي؟ ألم يتبادر الى ‏ذهن هؤلاء ان هدف الرئيس الاميركي من التلويح بانشاء المحكمة تحت البند السابع هو تبطيء ‏الحل اللبناني، وعرقلته مؤقتاً بانتظار احراز التقدم المطلوب لطاولة المفاوضات حول ‏العراق. وان واشنطن قد تكون تسعى فعلياً الى مقايضة التسوية في لبنان ببنود التسوية ‏العراقية؟‏

وفي هذا المجال، تروي شخصية لبنانية رفيعة، زارت المملكة العربية السعودية في وقت سابق ‏والتقت الملك عبدالله انها سمعت في الرياض بان واشنطن اعطت ضوءاً متقطعاً لانجاز التسوية على ‏المسار الفلسطيني، لكنها لا تريد ان تعطي الآن ضوءاً اخضر لانجاز التسوية على المسار ‏اللبناني ولو انها تؤيد جهود المملكة لاحداث هدنة داخلية وتنفيس الاحتقان الحاصل في ‏لبنان.‏‏

المهم ان من يجلس في باريس يسمع في كواليسها كلاماً مغايراً لذاك الذي تضج به وسائل الاعلام. ‏فهو يسمع بوضوح الانتقادات المختلفة «لولدنة» بعض اقطاب قوى الاكثرية، و«انتهازية» ‏البعض الآخر، الذين لا ينظرون سوى الى تعزيز حضورهم الشخصي ولو على حساب استقرار وامن ‏الناس، وفي هذه الكواليس ما يشبه الجزم بان حصول المحكمة الدولية تحت الفصل السابع هو ‏ضرب من ضروب الوهم وسراب لا حقيقة له. وان لبنان يجب ان يبقى في حال الهدنة لا بل تعزيز ‏هذه الحالة بانتظار الوصول الى اتفاق على الخطوط العريضة للتسوية الاقليمية والتي ستظهر ‏حين سيجري الاتفاق على معاودة المفاوضات بين سوريا واسرائيل. وان التسوية المقبلة من ‏المستحيل ان تحصل من دون اخذ الواقع والحجم السياسي الفعلي للطائفة الشيعية في لبنان.‏‏

ومرة جديدة، يعيش اللبنانيون صراعاً حول عناوين داخلية، لا وجود فعلياً لها في كتابا ‏لمصالح الدولية الكبرى في المنطقة.‏‏

المصدر: صحيفة "الديار"‏

2007-03-24