ارشيف من : 2005-2008

الرئيس الحص حاضر في الأردن : الحرب على لبنان انتهت بعد 33 يوما والقتال يدور بضراوة في اليوم الأخير حيث بدأ في اليوم الأول

الرئيس الحص حاضر في الأردن : الحرب على لبنان انتهت بعد 33 يوما والقتال يدور بضراوة في اليوم الأخير حيث بدأ في اليوم الأول

جمعية الشؤون الدولية التي يرأسها رئيس الوزراء الأردني السابق ونائب رئيس مجلس الأعيان الحالي الأستاذ عبد السلام المجالي.‏

وإستهل الرئيس الحص محاضرته بالحديث عن "واقع لبنان من الواقع العربي"، فقال: الواقع العربي هو واقع تفتت وتخلف وأزمات وطنية. إنك تكاد تقرأ الواقع العربي عموما في الواقع اللبناني. فلبنان يعاني من تداعيات التفتت والتخلف والأزمات الوطنية المتتالية. والمظاهر الثلاثة تبدو إلى حد بعيد متداخلة. فالتفتت هو ظاهرة تخلف، والأزمات الوطنية التي تعصف بلبنان وبعض المجتمعات العربية إنما هي إلى حد بعيد انعكاس لحال التفتت والتخلف.‏

يتراءى التفكك في الخلافات العربية المستحكمة، فالتباين بين الدول العربية سمة ملازمة للعلاقات بين أكثرها، فالجفاء كثيرا ما يكون قائما بين بعض الحكام العرب على خلفية نزاع على الحدود أو على خلفية تضارب في المصالح الاقتصادية أو في تباين الارتباطات السياسية الخارجية أو على خلفية انجرار إحدى الدول إلى التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، والتنافس على الزعامة العربية بين بعض الدول ظاهرة مستديمة، وكثيرا ما يكون الجفاء نابعا من تفاوت فاضح في الإمكانات المادية بين قطر غني بما حباه الله من موارد، كالنفط، وأقطار مجاورة تعاني حالا من الفقر المدقع.‏

ويتجلى التفكك العربي أكثر ما يتجلى في واقع جامعة الدول العربية. فمن المفترض أن تكون هي الرابط الذي ينظم العلاقة بين مختلف الأقطار العربية، فإذا بها عاجزة إلى حد مشهود عن أداء هذا الدور عند المفاصل في مسار العلاقات العربية. فما استطاعت الجامعة أن تساهم في شكل فعال في التصدي لمشاكل ومعضلات واجهت عددا من الأقطار العربية".‏

وسأل: "أين دور الجامعة في ما يتعرض له العراق من أزمات ومحن منذ الاحتلال الأميركي؟ أين دور الجامعة في ما يواجه فلسطين من تحديات مصيرية شبه يومية؟ أين دور الجامعة في ما واجه ويواجه لبنان من شدة وأزمات وطنية؟ فلقد عجزت الجامعة عن عقد مؤتمر قمة واحد إبان حرب ضروس شنتها إسرائيل على لبنان على امتداد نحو خمسة أسابيع أعقبها ثلاثة أسابيع من الحصار الخانق، ويواجه لبنان أزمة محتدمة على خلفية قرارات دولية وتدخلات خارجية منذ أكثر من سنتين، فما استطاعت الجامعة أن تنهض إلى نجدته من قريب أو بعيد. ثم أين دور الجامعة من محنة تدور رحاها في السودان، وتحديدا في منطقة دارفور؟ وأين دور الجامعة مما تعرضت له الصومال من اجتياح؟ لا بل أين دور الجامعة من قضايا التخلف والتنمية في أقطار عربية تعاني العوز المادي الشديد على مشهد من أقطار عربية ترفل بسعة من الموارد والثروة والرخاء؟".‏

أضاف: "هكذا تتداخل قضايا التفتت والتخلف والتأزم على أشكاله في غياب آلية فاعلة تنسق بين الأقطار العربية أو تجمع شملها وتعالج قضاياها. هذا المشهد العربي يكاد لبنان يختصره في واقعه. إننا في لبنان نعيش الواقع العربي بشتى تجلياته. تعريف لبنان لا يختلف عن تعريف أي بلد آخر: إنه أرض وشعب. ولكن النظرة إليه كثيرا ما تتفاوت بين صورة الأرض وصورة الشعب. وقد عبر أحدهم يوما عن هذه المفارقة بالقول: "خلق الله لبنان كأجمل بلد في العالم. حسده الناس فخلق الله اللبناني". وقيل أيضا: "لبنان جميل خلاب، أما اللبناني فحدث عنه ولا حرج". لا ريب في أن الغلو في التمييز في النظرة بين لبنان الأرض ولبنان الشعب ليس منصفا للشعب اللبناني دوما. فاللبناني معروف بحيويته وذكائه وخصوبة إنتاجه اقتصاديا وثقافيا، ماديا وفكريا. ولكنه أيضا يتحمل أوزار مسلسل من الأزمات الوطنية الحادة التي طبعت الحياة العامة في بلده الصغير منذ استقلاله في عام 1943. فعبر نحو ستة عقود من عمره واجه لبنان أحداثا مزلزلة كان منها أزمة عام 1952، ومنها أزمة دامية عام 1958 على خلفية صراع إقليمي - دولي. وكان منها أزمة وزارية مديدة عام 1969. وكان أخطرها أزمة وطنية ماحقة، عرفت بالحرب القذرة، ما بين 1975 و 1990 فدخلت لبنان قوات ردع عربية ساهمت فيها عشر دول عربية، وكان الدور الفلسطيني في الحرب ناتئا، فلم تتوقف إلا بمبادرة عربية أثمرت اتفاق الطائف عام 1989".‏

تابع "ومنذ العام 2004 ولبنان يعيش أزمة وطنية مستعصية نشبت بصدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي والتمديد لرئيس الجمهورية. وتخلل حقبة الأزمة هذه محطات جسيمة شملت جريمة نكراء أودت بالمغفور له الرئيس رفيق الحريري، وتظاهرات متعارضة عارمة غصت بها ساحات بيروت وشوارعها، وانسحاب الجيش السوري من لبنان، وشن إسرائيل، ومن ورائها الدولة العظمى أميركا، حربا ضارية على لبنان في صيف العام 2006، وما زلنا حتى اليوم نعيش تداعيات هذه الأزمة وقد بلغت ذروتها بتصدع الوضع الحكومي بعد انسحاب فريق وازن منها. افتقد لبنان في هذه الأزمة أي دور أو مسعى عربي للحل. ولم تعقد قمة عربية واحدة خلال حرب إسرائيل على لبنان أو في أعقابها. منذ البداية ونحن نردد القول: هذه الأزمة سوف تنتهي، فأي أزمة في التاريخ لم تنته؟ فعلام استمرار الأزمة ولماذا لا نتعظ من الماضي فنبتدع صيغة حل، على جاري العادة، لا يكون فيها غالب ومغلوب؟.‏

هذا المسلسل من الأزمات الحادة التي لم يكن اللبناني بريئا من التسبب بها كان من شأنها تشويه سمعته. وأسهمت في هذا التشويه آفات ضربت الحياة العامة في لبنان وفي مقدمها الفئوية، الطائفية والمذهبية، والفساد الذي استشرى في مفاصل المجتمع والدولة، وتشتت ولاءات شرائح واسعة من المواطنين التي استقطبتها قوى خارجية منها عربية ومنها غير عربية، وكانت مراحل عقدت خلالها قلة من اللبنانيين تحالفا مع عدو لبنان والأمة، إسرائيل. كل هذا كان في خلفية التمايز الذي يصر عليه البعض في النظرة إلى لبنان من جهة واللبناني من جهة أخرى.‏

وكثيرا ما يكون ثمة تمييز بين لبنان البلد ولبنان الدولة ولبنان المجتمع. فيقال إن البلد جميل أخاذ، مضياف ومنفتح. أما لبنان الدولة فعلامته الفارقة الفساد والعقم والتسيب والغياب. وأما لبنان المجتمع فظاهرة تشتت في الولاءات والانتماءات، فالعلاقات المجتمعية تتحكم فيها الانقسامات والعصبيات الفئوية، المذهبية والطائفية وفي حالات كثيرة المناطقية وأحيانا الإثنية.‏

ومن خصوصيات لبنان الخيط الدقيق الذي يفصل بين الشعب والأمة في الخطاب الوطني عموما. احتدم الجدال لمدة من الزمن بين اللبنانيين حول عروبة لبنان، فكان بين اللبنانيين فريق ينكر على لبنان عروبته إطلاقا وبعضهم يصر على أن اللبنانيين يعودون في نسبهم تاريخيا إلى شعوب دارسة وليس إلى العرب، ولكن غالبية اللبنانيين ظلوا يتشبثون بعروبتهم ويرون في ذلك تعبيرا عن وحدة اللغة ووجود مصالح اقتصادية وقومية متبادلة وارتباط بتراث غني مشترك ووعي بمصير موحد. وقد حسم اتفاق الطائف هذا الجدل بالتأكيد، من جهة، أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه على صعيد الأمة، ومن جهة أخرى أن لبنان عربي الانتماء والهوية. فاللبنانيون يؤمنون أنهم شعب يتمتع بالسيادة الوطنية ولكنه قوميا من صلب الأمة العربية. إن عروبة لبنان، أي هويته القومية، أضحت من الثوابت الوطنية في لبنان. أما ما يترتب على هذه المسلمة من معان ونتائج أو رؤى ومشاريع وطموحات فما زال مادة للسجال المتجدد تطرح عند احتدام الخلافات العربية حول القضايا القومية وعند محطات معينة في تطور الأوضاع على الصعيدين الإقليمي والدولي. والمعروف أن في لبنان حركات وتيارات قومية تدعو في برامجها إلى العمل على تحقيق اتحاد بين العرب في يوم من الأيام. وتعتبر أن ذلك قدر العرب إن عاجلا أم آجلا، لا بل هو حاجة مصيرية لهم".‏

وتحت عنوان "الاغتراب إطلالة لبنان والعرب"، قال: "لبنان من أصغر الأقطار العربية مساحة، ولكن شعبه من أوسع الشعوب انتشارا في العالم نسبيا. فامتداده الجغرافي لا يتجاوز العشرة آلاف كيلو متر مربع ونيفا. فهو بهذا المعنى من أصغر الأقطار العربية. ولكن شعبه له تاريخ طويل في النزوح والهجرة. فتعداد السكان المقيمين في لبنان قد لا يتجاوز ال3,5 إلى 4 ملايين نسمة حاليا، لكن المغتربين اللبنانيين منتشرون في أصقاع الدنيا أجمع، وتعدادهم يوازي أضعاف المقيمين داخل لبنان. هذا إذا أدخلنا في الحساب أولئك الذين ما زالوا يحتفظون بالجنسية اللبنانية والذين هم من أصول لبنانية أو المتحدرين من أصل لبناني منهم تبنوا نهائيا جنسيات الدول المضيفة لهم. ليس هناك إحصاء دقيق لهؤلاء، فالرقم في لبنان كما الخبر وجهة نظر، لكن التقديرات المتداولة تضع تعداد المغتربين اللبنانيين في البرازيل وحدها في حدود ضعفي عدد السكان المقيمين في لبنان. أما في الأميركتين الشمالية والجنوبية فقد يبلغ تعداد المغتربين اللبنانيين أكثر من ثلاثة أو ربما أربعة أضعاف سكان لبنان المقيمين.‏

والمغتربون اللبنانيون منتشرون بكثرة ملحوظة في القارات الخمس، وعدد لا يستهان به من هؤلاء يحتفظون بجنسياتهم اللبنانية ولو أن كثيرين اكتسبوا جنسيات موازية أخرى. وحضور المغتربين اللبنانيين كثيف في شتى أرجاء العالم العربي من مشرقه إلى مغربه، وكان لأقطار الخليج العربي وسائر أقطار الجزيرة العربية نصيب وافر من حركة الاغتراب اللبناني خصوصا خلال السنوات الأخيرة، بينهم عمال ومستخدمون، وبينهم موظفون يشغلون مواقع مسؤولة، وبينهم رجال أعمال أصابوا قدرا مرموقا من النجاح. وبات الاغتراب اللبناني يشكل مصدرا مهما جدا للدخل في لبنان. فبحسب أحد التقديرات فإن مجموع تحويلات المغتربين إلى ذويهم داخل لبنان قد لا يقل عن العشرة في المئة من مجموع الدخل القومي اللبناني سنويا. هذا ناهيك بما ينصب على الاقتصاد الوطني اللبناني من أموال المغتربين ومدخراتهم استثمارا في مشاريع صناعية وسياحية وتجارية منتجة أو على سبيل التملك لعقارات في الوطن الأم.‏

ويلاحظ أن المغتربين في الأميركتين وأوستراليا ينزعون إلى الإقامة الدائمة هناك، أما المغتربون المنتشرون في بلدان أوروبا وإفريقيا وشتى الأقطار العربية فإنهم يحتفظون دوما بخيار العودة في يوم من الأيام مهما طالت إقامتهم في دول الاغتراب. إن جلت بطرفك من حواليك في لبنان اليوم فإنك تكاد لا تجد بيتا واحدا إلا وأحد أفراده على الأقل مقيم في الخارج. بعبارة موجزة فإن لبنان دولة ذات حدود ضيقة، إلا أنه شعب بلا حدود. من المعروف أن النظام الدولي بشتى أبعاده وتجلياته ينحو بسرعة ملحوظة منحى العولمة. ونستطيع القول بلغة العصر ان الاغتراب اللبناني الكثيف هو ظاهرة عولمة سار في طريقها الشعب اللبناني عفويا منذ أجيال وتكثفت خطاه في هذا الاتجاه خلال السنوات الأخيرة. فإذا كانت العولمة مد يتحدى ويتعدى الحدود بين الدول، فإن لبنان في حركته الاغترابية المتميزة هو من رواد العولمة، وقد باشرها بإنسانه، بشعبه".‏

أضاف: "هكذا فإن لبنان بقعة صغيرة - كبيرة على الخريطة العربية. إنه في موقعه الجغرافي بوابة المشرق العربي، وهو في انتشاره البشري ودوره الثقافي الإعلامي عتبة عبور للتيارات والأنماط السياسية والفكرية بين دنيا العرب والعالم الغربي. لعلنا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا ان لبنان بات يؤدي أو هو مرشح لأن يؤدي في الوطن العربي الأرحب أكثر فأكثر دور الساحة والمرآة والمختبر وفي نهاية التحليل الأنموذج. في كل ذلك يظهر لنا إلى حد بعيد في مظهر الجزء الذي يختزل الكل في إطار الوطن العربي على شتى الصعد: سياسيا واقتصاديا وثقافيا. إنه في بعض المظاهر صورة مصغرة عن الوطن العربي ويشكل في مظاهر أخرى نشازا أو بالأحرى تحديا صارخا للواقع العربي السائد".‏

وتابع تحت عنوان "لبنان ساحة إقليمية"، يقال عن لبنان أنه بات إلى حد ملحوظ ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. هكذا يبدو عرضة للتدخلات الخارجية من كل جانب في شؤونه الداخلية. ويتساءل اللبنانيون عن الأسباب التي آلت إلى هذا المصير. ولعل الجواب يكمن في حقيقة لا مراء فيها، هي أن هذا البلد الصغير اكتسب حجما استراتيجيا في خريطة المنطقة السياسية يتعدى كثيرا حجمه الجغرافي والديموغرافي، وذلك بفعل موقعه الجغرافي وانتشار مغتربيه ووزن قطاعه الإعلامي والحريات العامة التي يزخر بها نظامه وتقدمه الثقافي نسبيا.‏

والأزمة العنيفة التي تعصف بلبنان في الوقت الحاضر، والتي انطلقت منذ أكثر من سنتين، تتجلى فيها تدخلات خارجية سافرة. وبين القوى التي يلمس المواطن اللبناني أدوارا مؤثرة لها في هذه الأزمة، الدولة العظمى الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وسوريا وإيران ومصر والمملكة العربية السعودية. والدور الأكبر والمحوري هو ذاك الذي تلعبه الإدارة الأميركية. ويتبدى ذلك في التحرك المشهود لا بل المفرط الذي يقوم به السفير الأميركي في اتصالات شبه يومية يقوم بها مع كبار المسؤولين والقادة السياسيين، كما يتبدى في العناية الفائقة التي توليها وزيرة الخارجية الأميركية لتطورات الوضع في لبنان، والمتابعة غير العادية التي يظهرها الرئيس الأميركي شخصيا للأوضاع في لبنان داعما الحكومة اللبنانية باسم رئيسها صراحة في وجه حركة المعارضة، على وجه لم يألفه لبنان من قبل. إذ لم يسبق أن ورد ذكر اسم رئيس حكومة لبنان مرة واحدة على لسان رئيس أميركي منذ الاستقلال.‏

لعل الدولة العظمى أميركا لا تبتغي شيئا من لبنان بالذات وإنما تريد الشيء الكثير الكثير عبر لبنان من المحيط الإقليمي: فهي تمارس الضغوط عبر الساحة اللبنانية، على الفلسطينيين وعلى السوريين وعلى الإيرانيين وربما سواهم في المنطقة. الأزمة المحتدمة في لبنان باتت تختصر في نظر اللبناني بعبارة: "أميركا تعتزم قهر إيران في لبنان، وإيران تتمثل في المنظور الأميركي بكل بساطة بحزب الله". فإذا كان حل الأزمة المستحكمة لن يستقيم إلا بتفاهم ما بين السلطة متمثلة برئاسة الحكومة اللبنانية وحزب الله، فإن الحل لن يرى النور ما دامت الإدارة الأميركية لا تجيز للحكومة اللبنانية الاتفاق مع "حزب الله" على أي تسوية لا تنزع صفة المقاومة عن هذا الحزب. من هنا أضحى الحل في لبنان رهنا بتفاهم ما بين الإدارة الأميركية وإيران واستطرادا سوريا المتحالفة مع إيران، وكلاهما، أي إيران وسوريا، من "محور الشر" بحسب تعبير وزيرة الخارجية الأميركية.‏

وبين القوى المتدخلة في لبنان إثنتان يتمنى اللبنانيون لو تنشطا بدور فاعل بين أطراف النزاع للتوفيق بينهم توصلا إلى تسوية عادلة للأزمة، هاتان القوتان هما المملكة العربية السعودية ومصر. ويدرك اللبناني أن الدور السعودي - المصري الإيجابي المطلوب يمكن أن تتولاه جامعة الدول العربية في شخص أمينها العام فيما لو تزود بدعم صريح من الدولتين العربيتين. والحل، أي حل، لن يصمد ما لم يسبقه أو يترافق معه تقارب عربي - عربي، وتحديدا سعودي - مصري - سوري، وتفاهم مع إيران.‏

هذا المشهد يعكس بوضوح حقيقة أن لبنان ساحة لصراعات القوى الخارجية وبالتالي لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية. وكما هو ساحة للصراعات الخارجية فالواقع اللبناني إلى حد ما مرآة للواقع الإقليمي الدولي. لبنان يكون بخير، يسوده الهدوء والاستقرار، إذا كانت العلاقات الإقليمية والدولية على خير ما يرام. هكذا تبدو صحة لبنان مرآة لصحة العلاقات بين قوى ودول في الخارج. ويعزز هذا الواقع الأليم تشتت ولاءات القوى اللبنانية على حساب الولاء للبنان الوطن والدولة. هذه الحقيقة المرة مردها إلى جملة عوامل ، منها المصالح المادية، ومنها العصبيات الفئوية التي كثيرا ما تحسن القوى الخارجية استغلالها، ومنها الغرائز الوصولية الرخيصة بين أهل القرار وخلافها من السلبيات القائمة على الساحة اللبنانية".‏

وتحت عنوان "مختبر للاصلاح في المنطقة"، قال: "ولبنان إلى كل ذلك أضحى أشبه بمختبر لإنتاج الأفكار والتيارات والمشاريع للمنطقة العربية، فلبنان كثيرا ما يظهر في مظهر المرجل الذي تتفاعل فيه مختلف الأفكار والمنطلقات والتيارات السياسية والعقائدية والحزبية. من هنا التعددية التي تطبع الحياة العامة في لبنان والتي كثيرا ما تبلغ حدود التشرذم المفرط. وقد ساعد على توليد هذه الحالة في لبنان وفرة الحريات فيه. فالحريات العامة في لبنان مصانة بوجه عام: حرية الرأي والتعبير والتحرك. هذا مع العلم أن أجواء الحرية في لبنان تعكرت وتتعكر بعض الشيء عند مفاصل طارئة، من مثل فرض الرقابة على الصحف وسائر وسائل الإعلام كما في عام 1976، أو تعرض السلطة لوسائل إعلام معينة فكانت حالات أقفلت فيها صحيفة أو قناة تلفزة أو أوقف فيها رجل من رجال الإعلام. ولا ننسى الاغتيالات التي تعرض لها بعضهم. وفي حالات كثيرة تقع الحرية ضحية العوز أو الشره المادي فتغدو بعض وسائل التعبير أسيرة حكم المال والنفوذ. والمال السياسي فاسد ومفسد. ولكن الراهن في أي حال أن وفرة الحريات في لبنان ظاهرة ملموسة، ولبنان يتميز فيها نسبيا بين سائر أقطار المنطقة. مع العلم أن بعض الأقطار العربية سجلت تقدما مرموقا على صعيد احترام بعض الحريات العامة في الآونة الأخيرة. وفي بعض الأقطار العربية برزت وسائل إعلامية، وبينها أقنية مرئية، اكتسبت مكانة عربية ودولية مرموقة بما التزمت من موضوعية وأظهرت من جرأة ومارست من الحرية حتى في دول عزت فيها حريات أخرى. ويؤخذ على أجواء الحرية في لبنان أنها بلغت أحيانا حدود الخروج على القوانين والأنظمة فلامست الفوضى".‏

تابع "وفي حديثنا عن الحريات في لبنان لا نغفل حقيقة لطالما لفتنا إليها وهي أن في لبنان كثيرا من الحرية وإنما قليل من الديموقراطية. واللافت أن لبنان لم يتمكن من ترجمة حرياته ممارسة ديمقراطية فاعلة. والشاهد على ذلك على وجهين: أولا، تتلازم الديموقراطية وتمثيلا شعبيا سليما في السلطة، وكذلك وجود آليات فعالة للمساءلة والمحاسبة. وكلتا الظاهرتين مفتقدتان إلى حد ملحوظ في لبنان. فالتمثيل الشعبي مشوب بنظام انتخابي غير عادل وغير فاعل كما بفقدان الضوابط التي تحد من فعل المال السياسي والعصبيات الفئوية.‏

وتدخل الأجهزة الأمنية في سير العمليات الانتخابية. ثم إن آليات المساءلة والمحاسبة على أشكالها تبدو منقوصة الفعالية من جراء تدخل السياسة في إدارتها ومن جراء استشراء الفساد في مفاصل المجتمع والدولة وهزال الثقافة الديموقراطية. واللبناني على الرغم من كل ذلك يصبو إلى أن يغدو بلده الصغير أنموذجا في الوطن العربي للمجتمع العصري والدولة الفاعلة. وهو يدرك أن مبتغاه لن يتحقق إلا عبر عملية إصلاح شامل من المفترض أن يكون مرساه تطوير نظام ديمقراطي فاعل. هذا مع العلم أن الديموقراطية بطبيعتها نظام وثقافة في آن واحد. لو وجد النظام الديموقراطي المتكامل فإن الممارسة الديموقراطية لن تكون فاعلة إن لم تكن الثقافة الديموقراطية مترسخة في المجتمع. ولو وجدت الثقافة الديموقراطية في تنشئة المواطن فإن الممارسة الديموقراطية لن تكون مكتملة العناصر وافية بالغرض في غياب النظام الديموقراطي السليم والفاعل. أما في المحيط العربي فتبدو الديموقراطية، كما في لبنان، عليلة نظاما وثقافة.‏

حديث الإصلاح لا يفتر في لبنان. شهد هذا البلد في تاريخه الحديث محاولات عديدة للاصلاح، ولكنها في معظمها باءت بالفشل، بدليل ما نحن عليه في بلدنا اليوم، نشكو من العقم والتسيب والفساد واعتلال الممارسة السياسية التي تفتقر إلى المعايير الديموقراطية الصحيحة. وعدنا في غمرة الأزمة الوطنية التي عصفت بنا عبر السنتين الماضيتين إلى الحديث عن الإصلاح الشامل. فكان الإصلاح محور مؤتمر باريس 3 الذي انعقد يوم 25/1/2007 وكان الإعداد له عبر ما سمي ورقة إصلاحية. كانت الورقة شاملة مختلف جوانب الحياة العامة، بما فيها المرافق الإدارية والمؤسساتية، ولو أنها ركزت في شكل أساسي على القضية المالية - الاقتصادية، فهل سينجح الإصلاح هذه المرة حيث أخفق في مرات سابقة؟ لقد سبق باريس3، باريس1 وباريس2، فماذا حل بنتائج المؤتمرين السابقين ونحن اليوم في أسوأ حال؟".‏

وقال: "الإصلاح في لبنان، كما في سائر الأقطار العربية، يواجه مأزقا. فالإصلاح يفترض وجود مصلحين، ويفترض بالمصلحين بالطبع أن يكونوا صالحين. إن قرار الإصلاح هو في يد الطبقة السياسة فأين هم المصلحون الصالحون في الطبقة السياسية القائمة في لبنان؟ أما في كثير من البلدان العربية الأخرى فالمشكلة هي في عدم وجود طبقة سياسية بالمعنى الصحيح للكلمة نظرا لهزال الحياة السياسية أو انعدامها في ظل أنظمة أوتوقراطية أو حكم الفرد. إن قرار الإصلاح عموما سياسي أيا يكن موضوعه. فالإصلاح يصدر بقرار عن الوزير المختص، أو بمرسوم عن مجلس الوزراء، أو بقانون يسنه مجلس النواب وذلك تبعا لطبيعة الإصلاح المطلوب ومستواه. وكل مصادر القرار هذه هي من المراجع السياسية، لذا القول ان قرار الإصلاح، أيا يكن موضوعه، إنما هو قرار سياسي في جوهره. ومن المسلم به أن الطبقة السياسية في لبنان غير مؤهلة لتولي عملية الإصلاح المنشود. فهي تفتقر إلى الصالحين المصلحين وهي التي تحتاج إلى الإصلاح فعلا.‏

هذا مع العلم أن أي إصلاح حقيقي شامل سيكون معظم أهل السياسة بالضرورة من ضحاياه. فثمرة الإصلاح الحقيقي ستكون إسقاط هؤلاء أو استبعاد معظمهم. وهم، أي أهل السياسة، يفترض أن يكونوا مصدر القرار الإصلاحي. فكيف سيتخذ قرار الإصلاح من ليس له مصلحة فيه، لا بل من سيكون من ضحاياه؟ هذا هو مأزق الإصلاح في بلدنا، وربما أيضا في كثير من البلدان العربية. الإصلاح في حال كحالنا لن يستقيم إلا إذا فرض على أهل القرار فرضا. نحن بالطبع لا ندعو إلى انقلاب عسكري لفرض الإصلاح، وقد كانت لنا نحن العرب في كل مكان تجارب مريرة مع الانقلابات العسكرية. السبيل الأسلم لفرض الإصلاح هو عبر ضغط من رأي عام واع ومدرك. لذلك فنحن في حديثنا عن الإصلاح إنما نخاطب المواطنين، نخاطب الناس، عسى أن يتنامى رأي عام ضاغط يفرض الإصلاح فرضا على أهل القرار والحكم ولو على حسابهم".‏

أضاف تحت عنوان "لبنان والمقاومة العربية": "برز لبنان أنموذجا عربيا متلألئا في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. فلقد شنت المقاومة اللبنانية حملة عنيدة شرسة ضد الاحتلال الإسرائيلي للأرض اللبنانية فكانت الثمرة المشرفة تحرير الجنوب اللبناني، ما عدا مزارع شبعا، في 25/5/2000. فكانت المرة الأولى التي تتحرر فيها أرض عربية يحتلها العدو الصهيوني من دون قيد أو شرط. فلا كان اعتراف بإسرائيل ولا كان توقيع على صك يسمى صلحا أو سلاما. وتكررت التجربة على نطاق أشد بأسا في حرب إسرائيل الماحقة والشاملة على لبنان صيف العام 2006، إثر أسر المقاومة جنديين إسرائيليين على الحدود الجنوبية، فأطلقت إسرائيل العنان لآلتها الحربية الغاشمة ونفذت عمليات إبادة وتدمير وتهجير على أوسع نطاق. فصمدت المقاومة اللبنانية أروع صمود وكان الانتصار العظيم الذي تجلى في واقع أن الحرب انتهت بعد 33 يوما والقتال يدور بضراوة في اليوم الأخير حيث بدأ في اليوم الأول، أي على تخوم قرى وبلدات لبنانية حدودية. لم يسجل جيش العدو تقدما في العمق اللبناني، ولم ترفع المقاومة اللبنانية الراية البيضاء مستسلمة في أي مكان، ولم يرضخ لبنان لأي شرط من شروط إسرائيل لوقف القتال. هكذا تحطمت أسطورة إسرائيل القوة التي لا تقهر.‏

الإنصاف يقتضينا القول إن تجربة الصمود البطولي في وجه العدوان الصهيوني لم تبدأ ولم تنته في لبنان، بل انطلق الصمود أول ما انطلق وما زال متواصلا في فلسطين. يسجل للشعب الفلسطيني العظيم أنه منذ قيام الكيان الصهيوني في عام 1948 يقاوم أعتى قوة في الشرق الأوسط هي إسرائيل، ومن ورائها أعظم قوة في العالم هي الولايات المتحدة الأميركية تمدها بالدعم السياسي والإعلامي والمادي والعسكري. ومع ذلك ما زالت فصائل المقاومة الباسلة تنشط في عقر دار الكيان الصهيوني وأحيانا على تخوم عاصمته. هذه عظمة الشعب الفلسطيني. ولم يشوه صورته هذه سوى الشقاق الذي دب بين بعض فصائله وآل بها، ويا للخيبة، إلى الاقتتال في ما بينها بين الحين والآخر في صراع على السلطة. نخاطب الشعب الفلسطيني العظيم بالقول: إن فلسطين ليست لكم وحدكم. قضية فلسطين كانت ولا تزال وستبقى قضية العرب المركزية. إنها قضية مصير بالنسبة إلى العرب جميعا.‏

كنا نقول إن مصيرنا يكتب في فلسطين، فبتنا نقول، بعد انفجار الأزمة العراقية، أن مصيرنا يكتب أيضا في العراق. كأنما يراد للبنان والعياذ بالله، أن يحتذي الأنموذج العراقي في غمرة الفتن التي تحاك له وتمزقه.‏

ونحن نرى أن قضية فلسطين هي قضية وجود وليست قضية حدود. لذا فإن الحل الناجع لها لا يرتبط بالقرار 242 بل القرار 194، على خلاف ما يطرح في المشاريع العربية والدولية المعروفة".‏

وحول "لبنان والطموح العربي"، تابع "ولا يسعنا أن نختتم حديثنا عن لبنان على الخريطة السياسية العربية، وبخاصة عن لبنان الأنموذج العربي المرتجى، من دون التطرق إلى الطموح العربي المشروع في ظل مد العولمة المتصاعد، وهو التوصل إلى اتحاد عربي على غرار الاتحاد الأوروبي. العالم يسير بخطى ثابتة ومتسارعة صوب العولمة. والعولة توجه يتحدى الحدود بين الدول ويقفز فوقها في الميادين المالية والاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والثقافية وخلافها. ولكن العولمة، كما تظهر التجارب، حال يسود فيها الأقوى على الأضعف، لا بل يداس فيها الضعيف تحت أقدام القوي. الدول ذات الشأو الاقتصادي والسياسي والعسكري هي التي تقطف ثمار العولمة وتستأثر بها إلى حد بعيد، ولا يبقى للدول الأصغر والأضعف إلا فتات المائدة. فالمهيمنون على ملعب العولمة هم الكبار: أميركا، الإتحاد الأوروبي، روسيا، الصين، اليابان، والهند بإمكاناتها الواسعة على الطريق. وكثيرا ما تستخدم لفظة العولمة تعبيرا عن الأمركة.‏

أما نحن العرب، فلن يكون لنا في ملعب العولمة دور أو مكانة أو حتى كرامة ونحن متفرقون كيانات صغيرة وركيكة. فليس أمامنا إلا أن نسلك طريق أوروبا، طريق الاتحاد. ونحن العرب، كما نردد القول، أولى من أوروبا بالاتحاد. نحن تجمعنا لغة واحدة وتراث مشترك وثقافة متجانسة، بينما يحتضن الاتحاد الأوروبي خمس وعشرين لغة وتعددية واسعة في التراث والثقافة بل إن في خلفية الاتحاد الأوروبي تاريخا من الحروب العالمية الضارية، ويجمع بيننا من جهة أخرى كما يجمع بين الأوروبيين مصالح استراتيجية مشتركة ووعي بالمصير الواحد. فلا غرو في القول إننا نحن العرب أولى بالاتحاد من الأوروبيين.‏

ولكن الواقع اليوم في لبنان والمنطقة محكوم بمشروع أميركي يسمى الشرق الأوسط الكبير أو الجديد والطريق إليه هو ما يسمى فوضى بناءة أو خلاقة. المشروع هو مشروع تفتيت للكيانات العربية على أسس مذهبية وطائفية وإثنية، ومن ذلك ما يدور في العراق ويحاول في لبنان. إن تحقق المشروع، لا سمح الله، فلن يكون ذلك إلا على حساب العروبة، إذ أن ترجمة المشروع ستكون في فصل المغرب العربي عن المشرق العربي وبالتالي على حساب حلم العرب في إقامة إتحاد بينهم، وستكون الحصيلة هيمنة الصهيونية على المنطقة من حيث أن الكيان الإسرائيلي سيبقى صامدا غير معرض للتفتت كما الأقطار العربية. لبنان في أزمته الراهنة، يختصر المقاومة العربية لمشروع الشرق الأوسط الجديد المشؤوم ومقاومة الانزلاق إلى الفوضى التي تسمى خلاقة. وما كانت الفوضى يوما إلا هدامة.‏

لبنان الذي نتمنى أن يغدو أنموذجا عربيا صالحا وواعدا، هو القطر الذي اختار أن يكون عربي الانتماء والهوية، وهو المختبر الذي تتفاعل فيه الأفكار والتيارات والمشاريع القومية، وهو الذي خاض ويخوض تجارب الإصلاح على أشكاله ولو متعثرا حتى اليوم. لبنان هذه البقعة الصغيرة على الخريطة العربية، نطمح أن يكون رائدا في الدعوة إلى اتحاد عربي، ونحلم بأن تكون عاصمته بيروت بروكسل العرب.‏

ونحن إذ نتطلع إلى قيام اتحاد عربي لا يفوتنا أن الطريق إليه إنما تمر بالضرورة في مشاريع الإصلاح الديموقراطي في شتى الأقطار العربية، كي يأتي الاتحاد معبرا عن إرادة شعبية حرة، وكذلك تمر بمشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي تعزز أسباب التجانس، ولو في حدوده الدنيا، بين مختلف المجتمعات العربية بحيث يتيسر استيعابها في كيان اتحادي جامع. لا يكفي أن نحلم بالاتحاد كي نتحد، علينا أن نعمل بلا هوادة كي نترجم الحلم واقعا معاشا".‏

2007-03-06