ارشيف من : 2005-2008
«المتذاكي» يواصل استغباءه للرأي العام!
(الذين يريدون ان يمارسوا الدهاء بمعنى الكيد والخديعة، وليس بمعنى الدهاء البنّاء الذي يوصلهم ويوصل الآخرين الى تحقيق اهداف بناءة) من ان لا يتداهوا عليه، لان تداهيهم عليه - رغم انهم مكشوفون امامه - بأن يأخذوا بنصيحته القائلة: «من تخادع لي ليخدعني... فقد خدعته!» وهي مقولة سبق لنا ان عرضنا لها وحاولنا ان نشرح مغزاها الذي يتلخص بأن من يريد ان يتحايل وانا اعرف «حِيَلَه»، فانه لن يخدعني ويكون قد خدع نفسه، لانه بنى حساباته على انه يستطيع خديعتي، فهو يتظاهر لي بالمودّة ليمرر اموراً يريد الوصول اليها، على ان يفعل بعد ذلك عكس ما يقول. ولكن الناس (او الرأي العام) رأوه وهو يظهر لي التودد فيأخذون ايجابياته تجاهي على محمل الجد، رغم انه كان يظهر لي العداء في السابق، فيعتبرونه قد عاد عن عدائه باظهار مودته وولائه، مما يزيد من قدري في نظر الناس - حتى ولو كان ينوي العكس - فأكون في المحصلة انا الذي خدعته وليس هو الذي خدعني، لأنه كان مكشوفا امامي منذ البداية.
ومواصلة الاستغباء للرأي العام من قبل رئيس الحكومة «الناقصة»، تأخذ اشكالاً متعددة. فعلى سبيل المثال : لكي يتظاهر امام الناس بأنه يسعى في تحقيق ما يصبون اليه، يُخرج من كمّه كما يفعل «البهلوان» لعبة جديدة، يكون قد حضّر لها مع من يماشيه في عملية تخدير الرأي العام، فتراه على نحو «مفاجئ» قد طلع بمؤتمر اقتصادي في باريس او في بيروت على طريقة تلك التي كانت توهم اولادها لتسكت جوعهم بأنها تطبخ لهم طبخة شهية، بينما تكون قد وضعت الحجارة في القدْر! وينتظر الاولاد «الوجبة الموعودة» فيطول انضاجها، واخيراً ينامون لشدة الارهاق والنعاس على أمل ان تجد لهم امهم ملهاة أخرى، والفارق بين «طباخ الوعود» وبين «طباخة» الحجارة، انه لو توفر لها ما تطعم به اولادها الجوعى لأطعمتهم. فهي مضطرة، ان تقول غير الحقيقة. اما طباخ الحكومة الفاقدة للذوق ونكاد نقول للضمير، انه اخفى الطعام الذي كان مخصصاً لمن يحتاجون اليه، فأعطاه للمتخمين، وحجبه عن المعوزين، فكانت «جنايته» مركّبة (اي متعددة الجوانب!)
وغداً، عندما يريد ان «يُمنّ» على منكوبي الضاحية الذين حجب عنهم ما كان قد أرسل اليهم في ايام القرّ والصقيع وهم منبوذون في العراء او لاجئون عند من تبقّى من الاقارب والاصدقاء، سوف نكتشف على الارجح انّ «رادار» 14 آذار الموصول بالأقمار الصناعية الاجنبية، قد انبأه بأن «الجولة الثانية» الثأرية الاسرائيلية، قد تأجلت رغم «ما زفّه» الى اللبنانيين «الوزير الملك» الذي لولاه لما كانت الحكومة التي تعيش حالة «انعدام الوزن» مستمرة في الجلوس على مقاعد مغتصبة. وقد اصبح «الوزير الملك» دون ان يكون في الحكومة ثلث ضامن، فلو غاب صوته، لما قامت للحكومة الناقصة اصلاً، قائمة! ولو كان هنالك انصاف لدى «اطياف» 14 اذار لوجب على رئيسها وما تبقى من اعضائها، ان يقرأوا له كل يوم «دعاء الصباح» وهم «واقفون في الملعب» قبل دخولهم الى «الصف»! ولعلّ الوزير الذي يحمل الاسم الأول للفاتح طارق ابن زياد الذي احرق السفن، لكي لا يترك لمن معه فرصة الهرب، عندما «استنتج» - كما اوحت له «ملائكته» - بأن اسرائيل قادمة «للثأر» من الذين قاتلوها واذلوها، سواء كانت حكومة اولمرت التي تكاد تصبح «انقص» من حكومة السنيورة في لبنان، بعد ان استقال بعض وزرائها ومنهم مَن ينتظر «الشعب الاسرائيلي» استقالته، او حكومة سوف ترأسها ليفني وزيرة الخارجية والتي سوف تستعيد - اذا قيض لها ان ترأس حكومة اسرائيل سواء قبل او بعد انتخابات مبكرة - سيرة غولدامئير، التي رأست حكومة حرب قبلها والتي كانت توصف بأنها «الرجل الوحيد في مجلس الوزراء الاسرائيلي»! واذا كانت غولدا استحقت هذا الوصف «شكلا وفعلا» لانها كانت تشبه الرجال، فان ليفني «تطمح» لان تشبه الرجال فعلاً وليس شكلاً، نظراً لاستحالة حصولها على وجه «رجولي» مثل وجه غولداماير.
ولقائل ان يقول: الحمد لله انه ليس لدينا في مجلس اللاوزراء، وزيرة تطمح لرئاسة الحكومة وتكون مؤهلة لهذا المنصب. وعلى رئيس الحكومة «الفاقدة للشعور» ان يحمد الله انه لا يوجد في مجلس الوزراء «المعطوب» الفاقد للأهلية والسوية، الا وزيرة واحدة، يحول التوزيع الطائفي ان تترأس مجلس الوزراء، في حال اقدم الرئيس السنيورة - لا قدر الله! - على ان «ينكب» الشعب اللبناني باستقالته! فتكون هنالك خسارة لليتامى والارامل والمساكين والمنكوبين والمشردين! وصحيح ان الوزيرة نائلة معوض «اخت الرجال» من حيث الجرأة، و«المراجل» وهي مؤهلة لقيادة سفينة الحكم الى حيث اراد السنيورة ان يوصلها اليه.. ولكن قاتل الله الطائفية التي تحول دون وصول «الكفاءات» الى حيث يجب ان تصل! ولمّا كانت الوزيرة السيدة نائلة معوض تمارس «مرجلتها» على طرف واحد من الطبقة السياسية اللبنانية، فلربما كانت مؤهلة لأن ترأس حكومة انتقالية موقتة - رغما عن انف الطائفية! - وهناك سابقة او اكثر في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية رأس الحكومة فيها مسيحي، ولم يرأس الجمهورية فيها مسلم ولو لعدة ايام!
من هنا تردد القول - ولم ينفه الرئيس السنيورة - انه اذا جاء يوم الاستحقاق الرئاسي في الجلسة التي حددها الرئيس بري لانتخاب رئيس جديد ولم يتم انتخاب رئيس، وحصل فراغ دستوري، فان الرئيس السنيورة - اذا ابقاه الله والراسخون في النفوذ وراء المحيط الى ما بعد الاستحقاق - بأنه يطمح لان يكون اول مسلم «يتذوق» طعم «رئاسة الجمهورية» ولو لعدة ايام - او ربما اذا طالت ازمة عدم انتخاب رئيس جديد - دون ان يتمناها السنيورة طبعا! حتى لو كانت اطالة الازمة لمصلحة استمرار تذوقه رئاسة الجمهورية - فانه يكون اول رئيس غير مسيحي - وخاصة غير ماروني - قد «تذوقها» عن غير قصد!
وهنا لا بد من التوقف عند السجال الذي «افتتحه» الرئيس السنيورة في المؤتمر الاقتصادي الذي لن «ينوب» منه اللبنانيين غير تكاليف انعقاده، من اموال الخزينة اللبنانية التي اختلطت فيها الاموال المخصصة لمنكوبي العدوان!
وفي اعقاب اعلان «ما تيسر» من تقرير فينوغرادوف في اسرائيل، والذي كان تعليق السنيورة عليه باهتا وممتقعاً خال من النبض. وقد كانت قرارات «مجلس اللاوزراء» على اعتبار ان الرئاستين الاولى والثانية في البلاد ومعظم اطياف الشعب اللبناني بمن فيها معظم «قواعد 14 اذار»، لا تعترف بشرعية اداء وقرارات هذه الحكومة. ولكن دفع الاموال للمستحقين من ضحايا العدوان، امر واجب دفعه من جانب الذين احتجزوا هذه الاموال سواء كانوا يعتبرون انفسهم حكومة شرعية او تعتبرهم المعارضة محتجزين للاموال التي خصصت لاعادة اعمار ما هدمه العدوان، ودعم صمود المنكوبين والنهوض بأعبائهم المعيشية والحياتية. ولم يكن الامر بحاجة الى التهديد بفتح الملفات و«تعرية» الذين استغلوا فرصة خروج «العيون الساهرة» من الحكومة. ولقد سكت الرئيس بري - الذي نقل عن لسانه انه على وشك قلب الطاولة على رؤوسهم -واطال السكوت، ونرجو الا يثنيه عن قراره اية محاولات لاقناعه باستمرار الصيام عن الكلام.
ولا ندري اذا كان السنيورة سوف يذهب لعقد مؤتمره الصحفي الذي يفرج فيه عن الاموال المحتجزة (والتي سوف تكون «اذن الجمل»، حتى ولو دفع كامل الاموال التي كان قد وعد بايصالها لمستحقيها).
هناك مثل يقول بالفصحى: «يكاد المريب يقول خذوني»! ومثل شعبي آخر باللغة المحكية يقربه في المعنى يقول: «اهل البيت ما حكوا.. الساطي دبّ الصوت!» اي ان الرجل الذي قصد السطو على احد البيوت وكان يخشى ان يضبط متلبساً، عندما رأى اهل البيت نياما، اراد ان يباهي «بالمهمة» التي يقوم بها، فنادى بأعلى صوته منبهاً اياهم بأن هناك من جاء ليسطو عليهم!
ولقد سبق ان صحب رئيس مجلس النواب الرئيس السنيورة - عندما لم يكن قد افقد حكومته الشرعية بتصرفاته اللادستورية - الى الضاحية الجنوبية، لكي يرى بنفسه شأنه شأن الغيور على ابناء وطنه وما اصابهم وما حدث للضاحية، وهناك صرخ «الاستاذ فؤاد» بنبرة عالية غير «مصطنعة»، بأن حكومته ستبني الضاحية «غصباً عن اسرائيل»! وكأنّ اسرائيل كانت ستمنعه لو اعاد بناءها بالفعل!
و«يكفيه شرفا»، ان اولمرت اصبح مقلداً له في «الصمود» برئاسة حكومة سوف تصبح غير شرعية اذا اكثرت الانسحابات منها، فاذا استمر اولمرت متمسكا بالكرسي بعد ان تفقد حكومته شرعيتها، فانه يحق للسنيورة ان يعلن بأنه اصبح «صاحب مدرسة» في «الصمود» ما دام مستنداً معه الى نفس السند الذي يسنده بانتظار ان «يسنده» شعبه نهائياً بالمعنى الشعبي المتداول!
المصدر: صحيفة الديار اللبنانية
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018