ارشيف من : 2005-2008
قبل أن يصبح المسيحيون وراء المحيطات!
أميركا «صديقة» للبنان، وكذلك فرنسا، فشكرا لهما على «صداقتهما». ولا يسعنا نحن اللبنانيين المسيحيين تحديدا الذين نشأنا على «رعشات» قبلة أنظار اسلافنا التي هي الغرب، ونمونا بفضل «الرضاعة الطبيعية» من ثدي أمنا الحنون فرنسا، واستمرينا في الرضاعة حتى بعد ان تخطينا عمر الفطام، من وقفة تقييم لهذه «الصداقة»، ولمفعول هذه «الرضاعة»، وما هو مردودهما على المسيحيين في لبنان، لنتبيّن، ولنبيّن للآخرين ونضع اصبعنا في عيون كل من يواجه بعضنا بالتعييب، ربطه لمصيرنا بالمشروع الأميركي وحليفه الفرنسي الشيراكي في المنطقة.
فماذا يعني ربط المسيحيين في لبنان بالمشروع الأميركي في المنطقة؟
الاستنتاج يتوضح في هذا المسار:
في العام 1975 اندلعت الحرب في لبنان، في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة عبر وزير خارجيتها آنذاك هنري كسينجر سياسة السلام المنفرد بين اسرائيل والدولة العربية المحيطة بها، بدلا من سياسة الحل الشامل، وتزامنت مع توقيع اتفاق سيناء الثاني بين مصر واسرائيل الذي مهد لاتفاق كامب ديفيد. ويستشم من هذه السياسة، لا بل يتخطى الأمر حاسة الشم ليتأكد بالفم الملآن، والعين المجرّدة، والعقل المتزن، وأصبع توما، ان مشروع توطين الفلسطينيين اللاجئين الى لبنان هو جزء بارز وعامل أساسي في خطط هذه السياسة... فكانت الحرب ضد التوطين وشكل رأس حربتها المسيحيون...
تطورت الحرب واستفحلت، وكان وقعها على المسيحيين قاسيا. هجرة الى الخارج وتهجيرا من الداخل الى الداخل، وتورطا بعلاقات عسكرية «انقاذية للوجود» مع اسرائيل، والأم الحنون فرنسا مكتفية بدور المتفرّج، الى آن جاء ترياق النصيحة للحل من الصديقة اميركا عبر دين براون (سفير سابق للولايات المتحدة في الأردن) الذي استعان به كيسنجر ليبلغ القادة المسيحيين (سليمان فرنجية وكميل شمعون وبيار الجميل) انه لا يمكنهم توقع الانقاذ على يد البحارة والجنود الأميركيين كما في العام ,1958 وليقنعهم انه ليس أمام المسيحيين سوى الهجرة والرحيل، وان البواخر الأميركية مستعدة لنقلهم الى كاليفورنيا ومنحهم تأشيرات دخول واقامة كيان لهم.
وتوالت رعاية اميركا لاتفاقية وادي عربة بين اسرائيل والأردن، ثم جاء اتفاق اوسلو، وموضوع حق عودة الفلسطينيين الى بلادهم يبتعد أميالا، وتوطينهم في دول الشتات وفي المقدمة لبنان، يقترب بسرعة الضوء.
في العام 1983 وغداة انسحاب الجيش الاسرائيلي من الجبل، أي بعد عام على الاجتياح الإسرائيلي الصديق لأميركا، للبنان، اندلعت حرب ضارية بين الدروز والمسيحيين هناك، فكانت النتيجة تهجيرا كبيرا للمسيحيين من هناك وضحايا كثيرين وتدميرا شبه شامل، ونيوجرسي (البارجة الأميركية العملاقة) تنظر عن قريب من مياه لبنان الاقليمية، ومعها كل المارينز.. وكرت هذه السبحة في درب جلجلة المسيحيين، لتشمل الشحار الغربي واقليم الخروب وشرق صيدا وساحل جزين في العامين 1984 و1985 في أحداث مماثلة.
«ضبضب» الأميركيون وجودهم وحوائجهم، وغادروا تاركين المسيحيين لمصيرهم المحتوم بعدما توصلت «والية» العالم اليوم، الى تفاهم ما، مع السوريين والإسرائيليين، كان سبقه ما عرف ضمنا باتفاقية الخطوط الحمر...
في العامين 1989 و1990 اندلعت حربا التحرير والإلغاء، فدمرت مناطق المسيحيين عن بكرة أبيها، بعدما انحشروا جراء التهجير برعاية الأميركيين والإسرائيليين وسواهم وتحت انظارهم، بين كفرشيما والمدفون، كما دمر اقتصادهم ومعه آلتهم العسكرية، بعدما كان الأميركيون أنفسهم وحلفاؤهم الإسرائيليون، بما لهم من «مونة»، قد اسقطوا الاتفاق الثلاثي في العام .1985 الى ان جاء الطائف المرعى غربيا وعربيا، ولزم الملف اللبناني تباعا للسوريين، فكان ما كان من احباط عند المسيحيين، واستأثر بالسلطة من استأثر من الطوائف التي ما زالت تستأثر اليوم في زمن التحرير والسيادة!، كما في زمن الوصاية!، حتى ان أولئك، وباستقواء الوصاية مارسوا كل ما يكمن على قادة مسيحيي تلك المرحلة لمنعهم من قيام مرجعية مسيحية فاعلة...
واليوم، نرى البعض من المسيحيين يهلل للمشروع الأميركي الجديد القديم، والذي أولى ركائزه ما عبّر عنه جون بولتن قبل عام من انهم ينظرون الى الشرق ومنه لبنان، على انه مكوّن من عنصرين سني وشيعي، والمسيحيون فيه حالة ثقافية، وهذا يعني ان المسيحيين ليسوا في معادلة هذا الشرق، ولن يكونوا فيه شركاء او اصحاب قرار. ثم واولى نتائجه هجرة 800 الف مسيحي من العراق والحبل ع الجرّار. وإذا ما قدر للمشروع الأميركي النجاح في سوريا كما هو مرسوم، والذي عليه يُعوّل المتهورون، فإن مصير مسيحيي سوريا سيكون مطابقا لمشهد مسيحيي العراق، من دون ان ننسى مسيحيي فلسطين الذين لم يبق منهم في أرضهم سوى 2٪.
أما مسيحيو لبنان اصحاب «الدور الرائد» في الكيان وفي بناء حضارة الشرق، فماذا ينتظرهم؟.. في حال نجح المشروع الذي يراهن عليه البعض، رجاء اتبعوا السيناريو التالي: توطين للفلسطينيين في لبنان، هي نفسها القضية التي قاتل لمنعها المسيحيون منذ العام 1975 وسقط لهم بسببها وما تلاها اكثر من مئة الف قتيل، وهُجر حوالى 300 الف، وهاجر الى الخارج عدد مماثل، ودمرت معظم بلداتهم وخارج كانتونهم الذين حشروا فيه بعد العام ,1985 وقُضي على معظم مواردهم واقتصادهم هناك... ثم في أسوأ الأحوال دويلة وفق نظام فدرالي، او دويلة بعد معظم مواردهم واقتصادهم هناك.. ثم في أسوأ الأحوال دويلة وفق نظام فدرالي، او دويلة بعد التقسيم، وكلاهما لا مقومات لدولة فيهما ومن خلالهما... لكن فيها بالتأكيد، خسارة المسيحيين لأهم مواردهم الاقتصادية والانتاجية، تهجير جديد، وهجرة متزايدة الى الخارج، هذا إذا استبعدنا احتمال الوقوع في التجربة ثانية او ثالثة او رابعة.. وعاد بنا الحنين الى الصراعات الداخلية بين الأخوة والرفاق وابناء «الصف والخط والقضية» على «قيادة المجتمع»!.
وهذا يكفي، ومن المستحسن وقف سياق السرد عند هذه الحدود، كي لا نفجع المؤمنين بالنتيجة: «سلام على الدور الرائد والفاعل، وعلى كرسي انطاكية وسائر المشرق»، والى اللقاء وراء المحيطات...، لكننا سنتواصل عبر الانترنت...
(*) الامين العام لحزب الوعد
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018