ارشيف من : 2005-2008

آية الله فضل الله : الجميع امام حائط مسدود والهوة ساحقة بين المواطنين والنادي السياسي والحكومة

آية الله فضل الله : الجميع امام حائط مسدود والهوة ساحقة بين المواطنين والنادي السياسي والحكومة

والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:‏

"في المسألة الفلسطينية، قامت الإدارة الأميركية أخيرا بتسليم خطة أمنية إلى السلطة الفلسطينية وإسرائيل، تتضمن الإجراءات التي يجب أن يقوم الطرفان بتنفيذها في خلال فترة زمنية محددة. وتشمل الخطة رفع جيش الاحتلال الحواجز العسكرية من الضفة الغربية، وتسهيل التنقلات للأفراد والبضائع من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، بمعدل 5 رحلات أسبوعيا، اعتبارا من أول تموز - يوليو- المقبل، على أن يقوم الفلسطينيون بإعداد خطة لوقف إطلاق الصواريخ.‏

وهناك ملاحظات عامة وملاحظات خاصة على هذه الخطة، حيث لا تزال الإدارة الأميركية تعتبر المشكلة في هذا الصراع مشكلة أمنية تنطلق من العنف الذي تقوم به الانتفاضة ضد الاحتلال، ما تعده أميركا إرهابا صادرا من منظمات إرهابية، وترى في التصرف الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني بكل أشكاله دفاعا عن النفس ضد العدوان، بينما يعرف الجميع أن المشكلة في أبعادها العامة مشكلة سياسية ناشئة من الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية الذي يتجدد بين وقت وآخر في مصادرة الأراضي لمصلحة المستوطنات والجدار العنصري الفاصل. وهذا هو الذي جمد كل الحلول ـ حتى غير المقبولة كخارطة الطريق ـ للقضية الفلسطينية، لأن الشرط الأساس هو إيقاف المقاومة.‏

وثانيا : إن الخطة لم تطلب من إسرائيل إيقاف قصفها للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية والاعتقالات العشوائية والاجتياحات العدوانية، بل أطلقت لها الحرية تحت شعار الدفاع عن النفس... وهذا هو الذي منع كل اتفاق على التهدئة من قبل الفلسطينيين، سلطة وحكومة وانتفاضة، لأن ما يقوم به رجال المقاومة يمثل رد فعل على القتل والاجتياح الذي يقوم به الجيش الصهيوني، ما يدفعهم إلى قصف المستوطنات الصهيونية لردع العدو عن الامتداد في عدوانه.‏

ثالثا : إن رفع الحواجز العسكرية قد يمنح الفلسطينيين بعض الأمن في تنقلاتهم، ولكن ليس ذلك هو الأساس للمشكلة، بل الأساس هو انسحاب المحتل من الضفة الغربية، من مدنها وقراها ومعابرها، لتكون للشعب الفلسطيني حرية الحركة في أرضه الحرة من دون أي حاجز عدواني إذلالي لجيش الاحتلال، ولكن أميركا لا توافق على ذلك، لأنها لا تريد ـ في المرحلة الحاضرة وما بعدها في المستقبل المنظور ـ أي حل جذري للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني إلا بعد تحقيق إسرائيل استراتيجيتها الاحتلالية الاستيطانية الجدارية اليهودية في فلسطين.‏

رابعا : إن ما يثير الانتباه في هذه الخطة أن الجانب العربي في هذه المرحلة يسعى إلى البحث في حل شامل للصراع مع إسرائيل من خلال المبادرة العربية، فتقوم واشنطن بطرح خطط جزئية للتعامل مع هذا الصراع المعقد، وهذا يعني عدم جاهزية إدارة بوش للانخراط في تسوية حقيقية للقضية الفلسطينية. ويعود ذلك، بطبيعة الحال، إلى المأزق الذي تواجهه هذه الإدارة داخليا وخارجيا. فعلى الصعيد الداخلي، هناك صراع كبير تخوضه إدارة بوش ضد الكونغرس الذي تسيطر عليه أغلبية ديموقراطية تريد ربط تمويل قوات الاحتلال الأميركية الموجودة في العراق بوضع جدول زمني محدد لانسحاب هذه القوات. أما على الصعيد الخارجي، فإن إدارة بوش تتورط أكثر فأكثر فيما بات يطلق عليه المستنقع العراقي، في ضوء فشل الخطط الرامية لوقف تصاعد العنف والتدهور الأمني في العراق، وتصاعد التحدي الإيراني لواشنطن في قضية الملف النووي.‏

اضاف: "ومن هنا، فإن التساؤل حول الأهداف الحقيقية لطرح إدارة بوش لمثل هذه الخطة، ربما نجد إجابته الشافية في القول بأن بوش يريد إحداث نوع من الفرقعة الإعلامية للترويج بأن إدارته تحاول المضي في سبيل عملية التسوية السياسية لكسب تأييد العرب في العراق، وهو يسعى في الوقت نفسه إلى ترحيل عملية التسوية إلى وقت لاحق، ربما يكون فيه خارج البيت الأبيض، وذلك من أجل البدء بعملية تفاوض جديد لا يعرف مداها وإمكانات نجاحها في المستقبل تحت تأثير التأييد المطلق لإسرائيل".‏

وتابع:" وهذا هو الذي يفرض على الفلسطينيين رفض الخطة جملة وتفصيلا، حتى لا تكون بمثابة المخدر الذي يجمد عملية الحركة المقاومة ضد الاحتلال، ولذلك فإننا نرحب برفض الفصائل الفلسطينية لهذه الخطة التخديرية ورفض الحكومة الفلسطينية، مع الاستغراب من موقف السلطة المتردد حولها. لقد قدم العرب، وفي مقدمهم الفلسطينيون، التنازلات عن حقهم في فلسطين، حتى انتهوا إلى القبول بأراضي الـ67 بفعل هزيمة الخامس من حزيران، ولكن إسرائيل ومعها أميركا لم تكتف بذلك، بل إنها تتحرك للامتداد في أكثر أراضي الضفة الغربية والقدس في انتظار المفاوضات النهائية التي لن تنتهي في أي مدى منظور، لأن إسرائيل تمثل الدولة التي لم تحدد لنفسها حدودا، بل تمتد إلى حيث يصل عدوانها العسكري أو مؤامراتها السياسية، مستندة إلى الدعم الأميركي لمخططاتها".‏

اضاف:" وفي هذا الجو، لا بد للدول العربية التي يزورها نائب الرئيس الأميركي، ديك تشيني، في هذه المرحلة، أن تحترم نفسها في موقفها من قضية الصراع حذرا من السقوط في ألاعيب الإدارة الأميركية وضغوطها وإبعادها عن القضية الأم (فلسطين) ودفعها إلى توجيه خططها لصد العدوان الإيراني الموهوم الذي تريد أميركا إشغالها به لإرباك علاقاتها مع إيران التي مدت يد التعاون الأمني والسياسي والاقتصادي لهذه الدول بكل إخلاص ومودة، وأكدت لها في أكثر من لقاء أن ملفها النووي ليس ملفا عسكريا يهدد المنطقة، بل هو ملف سلمي بدأت المنطقة تأخذ به، بما في ذلك مصر ودول الخليج، لمشاريع توليد الطاقة الكهربائية".‏

"إن بعض العرب يحاولون ـ بطريقتهم الخاصة ـ تقوية موقف رئيس الحكومة الصهيونية بعد اقترابه من السقوط، واستقبال وزيرة خارجية العدو في حوار لن يؤدي إلى أية نتيجة. إن الخط السياسي الصهيوني لا يزال في لعبته العربية يسخر من الحكام العرب بتصريحاته المائعة، لأن الاستراتيجية الإسرائيلية لن توافق على أي مبادرة عربية أو خارطة طريق دولية إلا بعد تحقيق كل عناصرها في عملية إسقاط لأي عنفوان عربي واستهانة بأية قمة عربية. مما يخدع فيه المسؤولون العرب شعوبهم التي لا تزال الهوة ساحقة بينهم وبين شعوبهم".‏

وتابع: " ومن جانب آخر، فإن وزيرة خارجية أميركا توغلت في التفاصيل اللبنانية المحلية بطريقة لا يقدر عليها أعتق السياسيين المحترفين في لبنان، فقد استنكرت مخيم الاعتصام حول السرايا الحكومية وهاجمت الذين يريدون إسقاط الحكومة، حتى بالطريقة الديموقراطية، واعتبرتهم مشكلة للاقتصاد الوطني، وعددت المحلات المغلقة والعمال الذين دفعوا للبطالة، ما أدى في تقديرها إلى هجرة الشباب، تماما كما لو كانت عضوا لبنانيا في فريق الأكثرية. كما طالبت بإقرار المحكمة في مجلس النواب، متجاوزة الموانع الميثاقية والدستورية اللبنانية، وغمزت من قناة القضاة اللبنانيين الذين لم يسمح لهم بإدارة قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لأنهم لا يملكون القدرة ـ كما لا يملكها لبنان ـ على ذلك، الأمر الذي فرض الرجوع إلى مجلس الأمن الذي أصبح مجلسا لإصدار القرارات الدولية المتعلقة بالأوضاع المحلية في لبنان، كما لو أن لبنان كان مسألة دولية تنذر بالخطورة الكبرى على السلام العالمي. ومن الطريف أن هذه الوزيرة اعتبرت أن ديموقراطية لبنان وسيادته هما مسألتان جوهريتان بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، كما لو كانت الديموقراطية مهددة في لبنان في الصراع اللبناني الداخلي، ولم تلتفت أن الديموقراطية اللبنانية ليست على طريقة الدول الديموقراطية في العالم من خلال غلبة الأكثرية على الأقلية، لأن بعض الطوائف لم توافق على الديموقراطية العددية، بل هي ديموقراطية توافقية، لم يأخذ بها فريق أميركا في مواقفه السياسية، كما لم تأخذ بها الحكومة التي تتصرف في مجلسها الوزاري بعيدا من مشاركة طائفة كبرى في لبنان، ما يبتعد بالموقف عن الأساس الدستوري الميثاقي للقانون اللبناني".‏

وقال:" ومن الطريف ـ في عنوان آخر ـ أن وزيرة الخارجية الأميركية أكدت أن الديموقراطية اللبنانية والسيادة من أبرز المصالح بالنسبة إلى أميركا، ما يعني أن أميركا تريد أن تجعل من لبنان قاعدة للمصالح الأميركية وللمشاريع السياسية، لتتحرك من خلال الأوضاع المعقدة وبعض الأفرقاء المرتبطين بها عضويا على مستوى الخضوع لوصايتها حتى تأخذ حريتها في تنفيذ مخططاتها السياسية في المنطقة".‏

"ومن جانب آخر، فإن من المؤسف أن الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره اعتمد على شهادة إسرائيل في مسألة تهريب الأسلحة من سوريا إلى المقاومة، بالرغم من نفي سوريا والحكومة اللبنانية والجيش اللبناني لذلك، ولم يقبل التقارير التي تتحدث عن تهريب السلاح من إسرائيل إلى بعض الأفرقاء اللبنانيين، متجاهلا أن من بين أسبابها وضع اليد الدولية على لبنان عبر مجموعة من القرارات التي لم يسبق لمجلس الأمن أن اتخذ مثلها في موضوع واحد، حتى في الصراع العربي الإسرائيلي المفتوح منذ ستين سنة، وفي مقدم تلك القرارات القرار 1559 الذي صدر بتوجيه إسرائيل حسب اعتراف وزير خارجيتها السابق، وقد أثار الكثير من الجدل والخلاف الذي أدى إلى الكثير من الأوضاع السياسية المعقدة، ولا يزال، يثير المشاكل بفعل التدخل الدولي".‏

وتطرق الى الوضع في لبنان وقال:"أما في لبنان، فقد تجدد الجدل حول القضايا السياسية الدائرة في النادي السياسي بعد فترة من الهدوء الذي خلق بعض المناخ الوفاقي على مستوى السطح. فنحن نلاحظ أن إحصاءات قضايا الإعمار أصبحت تثير التعقيدات الجدلية والاتهامية بين السلطة والمعارضة في عملية اتهام متبادل، كما أن قضايا النقاط السبع عادت إلى الواجهة في ضوء تبرؤ المعارضة منها وإقرار الحكومة لها، هذا إضافة إلى حكومة الوحدة الوطنية المرفوضة شكلا ومضمونا من قبل الفريق الخاضع للضغط الأميركي، الذي يديره السفير الأميركي في أكثر من همسة جديدة هنا وهناك، وأما المحكمة الدولية فإنها لا تزال تتحرك في الدائرة الدولية على أساس قرار الفصل السابع، تماما كما لو كان مجلس الأمن الدولي بديلا من المجلس النيابي اللبناني، الذي يرفض فريق السلطة توفير العناصر الدستورية لعقد جلسة له لإقرار المحكمة بعد الدراسة العلمية القانونية لنظامها".‏

اضاف:" ولا يزال الشعب اللبناني يعيش الأزمة تلو الأزمة في حيرة قاتلة مما يخبىء له المستقبل من مشاكل جديدة وأخطار متنوعة وتعقيدات اقتصادية وخدماتية، وأصبحت الهوة ساحقة بين المواطنين في لبنان وبين النادي السياسي وحكومة البلد".‏

وختم:" لقد وصل الجميع إلى الحائط المسدود الذي لا يملك أحد فتح ثغرة فيه من أجل أن ينفذ النور إليه من مطالع الشمس. ولعل من اللافت أن الأوضاع السياسية لا تزال تنقل اللبنانيين من استحقاق إلى استحقاق، ومن موعد لانعقاد البرلمان إلى موعد آخر، سعيا وراء سراب كبير يراد للشعب أن يركض نحوه".‏

2007-05-11