ارشيف من : 2005-2008
السيد فضل الله في خطبة الجمعة: نخشى ألا يتم اللقاء على وطن واحد أمام دعوات التقسيم والفيدرالية ليبقى لبنان ساحة المشاريع الأميركية
على شؤونه في السلطة وفي السياسة في بعض مواقعها ـ يتابعون المواقف الخارجية والدولية والإقليمية التي تخطط لتحريك الساحة اللبنانية في خدمة مصالحها التكتيكية والاستراتيجية، والتي أدمن اللبنانيون التزامهم بها بعيدا من مصالحهم الخاصة، وأصبحت القضية هي ما هو موقف المجتمع الدولي الخاضع للضغط الأميركي والواقع تحت إرادة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ليتحدث البعض بأننا مع الشرعية الدولية التي يعرف الجميع أن "إسرائيل" لم تلتزم بأي قرار من قراراتها التي لا تتناسب مع استراتيجيتها اليهودية من دون أي موقف دولي ضاغط عليها من مجلس الأمن وغيره، بينما نسجد ونركع أمام أي قرار دولي يتحرك من مصالح الآخرين".
وقال سماحته في خطبة الجمعة التي ألقاها من على منبر مسجد الإمامين الحسنين (ع) "إن القضية هي أن الشعب اللبناني، في أكثريته الوطنية، لا دور له في حساب الكثيرين، وأن الدستور في مواده القانونية لا يملك مجلسا يدرس الأوضاع السياسية والإدارية بطريقة علمية موضوعية، لأن الأوضاع القلقة في ساحة الصراع قد جمدت المجلس الدستوري ورمته في دائرة النسيان". اضاف "إن الجدال السياسي بين المعارضة والموالاة أصبح جدلا قانونيا ودستوريا حول انتخاب الرئيس في مستوى النصاب أو حول الانتخابات النيابية، أو حول شرعية الحكومة، أو في نظام المجلس، أو في شرعية الرئاسة، وقد أصبحت الاجتهادات المناقضة في هذا الموقع أو ذاك، تؤجج الصراع، بحيث بات المخلصون يخشون من أن يتحول التحرك الانتخابي في المستقبل إلى ما يشبه الفوضى السياسية التي لا يلتقي فيها اللبنانيون على رئيس واحد أو حكومة واحدة، وكل ما نخشاه أن لا يتم اللقاء على وطن واحد أمام دعوات التقسيم التي يتحدث فيها زعيم من طائفة عن دولة طائفية، أو دعوات الفدرالية التي تأكل الوحدة وتصادر العيش الطائفي في لبنان، ليبقى لبنان ساحة المشاريع الأميركية التي قد تستخدم بعض التدخلات العربية التي تلوح بالحل من دون حل. وكل لبنان وأنتم بخير أو بشر".
وتطرق الشيد فضل الله إلى "ذكرى مجزرة قانا التي سبقتها عشرات المجازر الإسرائيلية وتلتها العشرات أيضا في سلسلة المجازر التي ارتكبتها "إسرائيل" على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي الذي وقف متفرجا أمام ذلك كله أو أفسح في المجال لـ"إسرائيل" لأن تستمر في عدوانها بعيدا عن المساءلة والإدانة".
وقال "في المشهد الأميركي، نلتقي بالمجزرة الدموية في جامعة فرجينيا التي حصدت 33 طالبا وبعض الجرحى في عملية إجرامية قام بها طالب أميركي من أصل كوري جنوبي، وتأتي هذه المجزرة في سياق العمليات الإجرامية التي تشهدها الولايات المتحدة الأميركية، ما جعلها تمثل ساحة الجريمة الأولى في العالم كما تشير إلى ذلك الكثير من الإحصاءات. وقد سبق هذه الجريمة مقتل 15 شخصا في جامعة تكساس سنة 1966. إلى جانب حادثة أخرى تمثلت في قيام تلميذين بقتل 12 من زملائهم وأحد الأساتذة إلى غيرها من المجازر المتفرقة التي تحدث بين يوم وآخر في المدارس وغيرها والتي تعطي الدليل تلو الدليل بأن البيئة الأميركية هي بيئة منتجة للاجرام والإرهاب حيث يذهب ضحية هذه الأعمال ما يقرب من 30 ألف شخص سنويا، وقد تحدثت العالمة النفسية الأميركية "ندين كاسلو" بأن الثقافة الأميركية مليئة بالعنف وخصوصا في المؤسسات التربوية الأميركية".
وقال:"إننا نتحدث عن ذلك في مواجهة الإعلام الأميركي في المواقع السياسية والثقافية الذي يتهم الإسلام والمسلمين بالإرهاب، كما لو كانت التهمة صفة لازمة للواقع الإسلامي مع تبرئة الغرب، ولا سيما أميركا، من العنف القاتل والمعتدي".
وتابع السيد فضل الله "إننا لا ننكر وجود ظاهرة إرهابية تلتزم العنف في الدائرة السياسية أو في المنازعات الطائفية الناتجة من فهم جاهل متخلف للاسلام في مسألة احترام المسلم والمسالم وعدم الاعتداء عليه إذ يرفض العلماء والمثقفون الطليعيون من الإسلاميين ذلك، ويعتبرونه خارجا عن الخط الإسلامي الأصيل، ولكنه لا يمثل ظاهرة عامة في التفكير الإسلامي بل يتحرك في دوائر ضيقة خاصة من المجتمع، بالإضافة إلى مسؤولية الاحتلال الأميركي والإسرائيلي عن ذلك سواء في رعايته لمن يقوم بذلك أو في خلق مناخات من الفوضى الأمنية والسياسية التي تنتج ذلك. أما في المجتمع الأميركي، فإن الإرهاب أخذ يمثل ظاهرة متحركة تطاول المراكز التربوية التي يقوم فيها طلاب مراهقون بأعمال عنف ضد زملائهم وأساتذتهم من دون سبب، أو تنطلق في بعض مواقعها بعض الفئات التي تستخدم العنف كوسيلة دينية متطرفة. هذا، إلى جانب إرهاب الدولة الذي تمارسه الإدارة الأميركية التي تتحرك بالعنف في الاحتلال أو بإثارة الحروب ضد الشعوب المستضعفة الآمنة لتضغط عليها في مصادرة ثرواتها وسياستها وأمنها ولتفرض عليها شروطها في أكثر من موقع، أو بتشجيع المجازر الإرهابية في سلوك حلفائها، كما نجده في تأييدها لجرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين في العدوان الأخير".
أضاف "إننا نقول لأميركا إن عليها أن تعلن الحرب على الإرهاب في بلدها الغارق بالعنف المتنوع قبل أن تعلن الحرب على ما تسميه الإرهاب في العالم العربي والإسلامي، مما قد يتمثل في حركات التحرر من أجل مواجهة الاحتلال. هذا، إضافة إلى الفساد المستشري في الإدارة الذي نراه لدى بعض الموظفين والمسؤولين الكبار بين وقت وآخر، أو الذين يثار الجدل حولهم في سلوكهم السيء الذي قد يمتد إلى أكثر من موقع اقتصادي وأمني في العالم".
"ومن جانب آخر، فإن العراق لا يزال يعاني من ضغط الاحتلال الأميركي الذي ترفضه أكثرية الشعب العراقي الذي يتحرك بالمقاومة ضده في مواقع جديدة، ويرفض في الوقت نفسه الجماعات التكفيرية التي تقتل المدنيين العراقيين تحت تأثير حساسيات مذهبية أو سياسية داخلية من دون أن تتخذ أي موقف حاد ضد المحتلين. ونحن نناشد الشعب العراقي أن يكون واعيا للمأساة الإنسانية القاسية المتمثلة في العنف الذي يدمر البلاد والعباد، وأن يوحد كل جهوده في مواجهة كل الذين يصنعون المجازر في الواقع المدني، وأن ينطلقوا في وحدة إسلامية وطنية ضد الاحتلال، وأن يدرسوا حركة المعارضة السياسية بطريقة حكيمة بعيدة من الطائفيات والفئويات، من أجل أن يتعاونوا لإيجاد موقف سياسي يتواصل فيه الجميع ويتكاملون من أجل المصلحة العامة، ويتحركون في خط الإيجابيات المنفتحة على الإنسان كله والوطن كله وقضايا الحرية كلها، ويبتعدون عن السلبيات الذاتية والفئوية التي يسجل فيها فريق من هنا نقطة على فريق من هناك، ولا سيما أن الفساد بدأ يمتد في الأمن والإدارة والأوضاع العامة بالمستوى الذي قد يهدم الكيان كله بيد المفسدين، قبل أن تهدمه القوى الأجنبية المحتلة. كما أننا نواجه في المأساة العراقية بعض الأرقام الهائلة في وقعها كسقوط ما يقارب المليون شهيد وجريح وتهجير أكثر من أربعة ملايين، ووجود أكثر من 900 ألف يتيم الأمر الذي يؤدي إلى ما يشبه سقوط الوطن كله".
وتابع:" وإلى جانب ما يجري في العراق نلتقي بالتفجيرات المتنقلة التي استهدفت المغرب والجزائر والتي حصدت الأرواح المدنية البريئة التي حرم الله قتلها ولكن الجماعات التكفيرية لاحقتها واستهدفتها تحت العنوان الإسلامي والإسلام براء من ذلك حتى وإن تذرع هؤلاء باستهداف السلطات الحاكمة".
وتطرق الى الوضع في فلسطين وقال "أما في فلسطين، فلا تزال النكبة تراوح مكانها في طريقة الكيان الصهيوني في الضغط على الشعب الفلسطيني وملاحقة ناشطيه بالقتل والاعتقال واجتياح مدنه وقراه بحيث يمنع الفلسطينيون المدنيون من أية فرصة للاستقرار في منازلهم وأسواقهم ومدارسهم وجامعاتهم من خلال الهجوم اليومي الوحشي، كما يواجهون على معابر الطرق الإذلال والتعسف من قبل الجيش الصهيوني. أما لقاء رئيس السلطة برئيس الحكومة الصهيونية، فهو أشبه بالخديعة الإعلامية التي يوظفها العدو لأوضاعه الداخلية، في الإيحاء بأن هناك حركة جادة نحو السلام، وتتحرك بها السلطة للإيحاء بوجود نوع من الأمل لحل المشكلة في المستقبل ولو بعد حين".
اضاف "لا يزال الحصار الاقتصادي الأميركي والإسرائيلي والأوروبي في بعض دوله يفرض نفسه على الواقع الفلسطيني في عملية امتداد للحرمان التجويعي للشعب كله، في الوقت الذي يتحدث الغرب عن حقوق الإنسان الذي يتمحور حول الإنسان اليهودي لا العربي".
فيما الدول العربية والإسلامية، تبقى خاضعة للضغط الأميركي الذي قد يمنحها بعض الحرية بما يحفظ ماء الوجه أمام شعوبها، ولكن من دون حلّ للمشكلة في الحاضر والمستقبل".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018