ارشيف من : 2005-2008

السنيورة أراد تحسين صورته فوقع في شر أضاليله : "وعد" الإعمار .. بعد وعد الانتصار

السنيورة أراد تحسين صورته فوقع في شر أضاليله : "وعد" الإعمار .. بعد وعد الانتصار

المؤتمر الصحافي الأخير للسنيورة لا يمكن تجاوزه توقيتاً وأسلوباً ومضموناً.
في التوقيت، يبدو أن المؤتمر أعد على عجل للتعامل مع تداعيات تقرير لجنة فينوغراد، ومع إعلان حزب الله عن مشروع "وعد" لإعادة إعمار الضاحية، وانطلاق حزب الله وحركة أمل في حملة ضغوط لتحريك ملف الإعمار الخاص بعدوان تموز.
التقرير ـ كما بات معروفاً ـ وضع حداً نهائياً للجدل الذي دار بُعيد وقف الأعمال الحربية حول من ربح الحرب، ومن خسرها، وذلك بعد أن أكد، وبشكل قاطع، أن المقاومة هي من ربحت الحرب.
من الواضح، أن هذا الحسم ليس معنياً به الإسرائيلي فحسب، وإنما كل من حالفه أو آزره ودعمه، أو تمنى أو رغب في أن يخرج منتصراً من عدوانه على لبنان.
ومن نافل القول أيضاً، إنه ومنذ الدقائق الأولى لوقف الأعمال الحربية سارع فريق السلطة إلى تبرئة الإسرائيلي وتحميل المقاومة مسؤولية ما جرى، وتسليط الضوء على الكلفة في محاولة منه لتنغيص معنى النصر، وللقول إن المقاومة وأهلها وداعميها وحاضنيها وموازريها قد  خسروا الحرب ولم يربحوها.
باختصار جهد هذا الفريق على أن يضع نفسه بنفسه في صف الإسرائيلي. بكلمة أخرى، هذا الفريق وضع هو نفسه في خانة الاتهام.
وأكثر من ذلك، من يتذكر مواقف الأميركيين وبعض العرب وفريق السلطة في الداخل من عودة الأهالي إلى مناطقهم المدمرة بسرعة مذهلة فاقت أي تقدير، ومن مسارعة حزب الله للإعلان عن خطته لإيواء الأهالي، ومشاركتهم عبء نتائج العدوان، ومساعدتهم، بالتالي، على إعادة إعمار ما تهدم، ومن دون أن يخلي السلطة من مسؤوليتها، أقول من يتذكر هذه المواقف يتذكر معها حجم الضيق والغيظ والغضب الذي أصاب هؤلاء جميعاً. لأن ما جرى حقيقةً أحبط أحد أهم أهداف عدوان تموز، والمتمثلة ليس فقط بتدمير حزب الله ونزع سلاحه، وإنما بتدمير الحاضنة الجماهيرية للمقاومة وحزب الله، والانتقال بهم من حالة مقاومة، إلى حالة مشردة مصيرها اللجوء هنا وهناك. ذلك، أن العدو الاسرائيلي، كما واشنطن، يدرك أن حزب الله ليس جسماً يمكن عزله والتعامل معه على هذا الأساس، وإنما هو حزب جماهيري لا تكاد دسكرة من دساكر الجنوب والبقاع والضاحية وبيروت تخلو منه، وأبناء هذا الحزب مغروسون في حقول التبغ والقمح، وفي المنازل والساحات، كما في المدارس والجامعات والمؤسسات، حزب من هذا النوع لا يمكن تدميره إلا إذا حوّلته إلى قضية لاجئين.
لكن عندما فشل هذا الهدف، جرى اعتماد تكتيك آخر جوهره: ضعوا العراقيل والصعوبات أمام حل مشكلة الإعمار، ودعوها تنمو وتكبر لتنفجر في وجه حزب الله، بمعنى آخر، كان المطلوب أن تفجّر مشكلة الإعمار قضية الانتصار، وأن تأخذ من طريقها الوهج والتفاعل مع أبعادها ومعانيها، وأن تتحول إلى مشكلة ضاغطة على المقاومة وسلاحها، وعلى حزب الله ومواقفه، وأن تضع الحزب أمام خيارات صعبة. ومن الواضح، أيضاً، أن هذه السياسة هي بمثابة استئناف لعدوان تموز من موقع الشراكة الفعلية، وإلا ما الفارق بين من يدمر، وبين من يمنع إعادة الإعمار، ويضع العقبات أمامه.
في هذا السياق، لم تكن أرقام السنيورة المزيفة، ومحاولة إكثاره منها، فضلاً عن أحد أهداف مؤتمره الصحافي، إلا محاولة منه لتحسين صورته، وإخراج نفسه من دائرة الاتهام، ولو شكلاً. وأما محاولة السنيورة ملاقاة مشروع "وعد" من موقع الاعتراض، لا من موقع التعاون والتسهيل فليست بأقل خيبة من محاولته السابقة، حيث بقي يراوح بين الدفاع عن التعقيدات والتمسك بها بحجج خاوية.
وفي الأسلوب، بدا السنيورة مُركباً من الحقد الطبقي والحقد السياسي، بأعلى تعبيراتهما الفظية، بل والوحشية، فالسنيورة لا يستطيع مغادرة تقاطع موقعه الطبقي والسياسي الذي يقيم فيه، فهو من موقعه الطبقي لا يعكس إلا مصالح الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال وفي دائرة مخصوصة معروفة، وبالتالي هو لم يكن يوماً على صلة بعالم الفقراء وحتى الطبقات الوسطى. ويكفي هنا، أن نستحضر كل سياساته المالية والضرائبية التي لم تميز يوماً بين فقراء وأغنياء، بل طالما جاءت لمصلحة الأغنياء، وعلى حساب الفقراء، وأما ذنب الفقراء والطبقات الوسطى أنهم في الموقع المضاد تماماً للمشروعات الاقتصادية التي يطمح لها السنيورة، وهي مشروعات ركبت ابتداءً وما زالت على مشروعات سياسية عنوانها الاستسلام للمشروع الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة.
ولعل عشرة هذا الرجل الطويلة مع المال جذّرت لديه خلق الشح، فهو ما أن يضع يده على مالٍ حتى يضن به حتى على نفسه، ويحرم منه أهله وكأن همه الدائم أن يأخذ ولا يعطي.
ثم لنا أن نتساءل هنا، هل من تصدعت بيوتهم أو دمرت ليسوا بلبنانيين، أم هم في نظر السنيورة مجرد شذاذ آفاق ورعاع يجب معاقبتهم؟
فإذا كانوا لبنانيين؟ لماذا الإصرار على سياسة التشفي الإعمارية؟ ولماذا الإصرار على منهج العقاب الجماعي؟ ثم، هل المال الذي قدم من الدول المانحة هو للدولة عموماً، أم لفئة خاصة فيها، أم هو للناس الذين تضرروا بفعل العدوان الإسرائيلي؟
الجميع يعرف أن هذا المال إنما خصص للناس الذين تضرروا بفعل الحرب، وأن هناك من الدول من ارتأت التعامل مباشرة، فجاءت النتائج سريعة وايجابية، في حين أن الدول التي ارتأت أن تضع أموالها رهينة في يد السنيورة، بقيت مساعدتها حبراً على ورق. واذا كان من كلمة تقال لهذه الدول، هي أنه كان عليها أن تلتفت منذ البداية إلى أن من أمنتهم على مساعدتها هم طرف في صراع داخلي، وطرف في العدوان أيضاً، وبالتالي كان عليها أن تسلك طريقاً آخر، وهذا الطريق ما زال موجوداً اذا أرادت أن تبرهن عن قرار جدي وملتزم بمساعدة اللبنانيين على مواجهة عدوان تموز.
نقول هذا لأننا واثقون تماماً من نيات السنيورة، ومن دوره السياسي، فهو لا يريد أن يدفع قرشاً واحداً في سبيل الإعمار ليرمي الهم على المقاومين، وان كان أكثر ما يضيره هو أن يخرج حزب الله ومعه كل المؤازرين والداعمين والمناصرين والحاضنين ليسوا فقط أبطال الانتصار، وإنما أيضاً أبطال الإعمار.
مصطفى الحاج علي
 
الانتقاد/حدث في مقالة ـ  العدد1214 ـ 11 ايار/مايو2007

2007-05-11