ارشيف من : 2005-2008

سماع شاهد "متورّط" هُرّب واستُخدمت "شهادته" لاحقاً : أسلوب "شباطي" جديد.. فهل من رابط بين تهريب قليلات والصدّيق؟

سماع شاهد "متورّط" هُرّب واستُخدمت "شهادته" لاحقاً : أسلوب "شباطي" جديد.. فهل من رابط بين تهريب قليلات والصدّيق؟

كلّما اقترب موعد الاستحقاق الرئاسي في شهر أيلول/ سبتمبر 2007، فُتحت شهيّة المنافسة لدى المرشّحين على "التنابذ" بالملفّات والفضائح، ومنها مسألة "بنك المدينة" ومتفرّعاتها، العالقة منذ أربع سنوات ونيّف لدى القضاء، من دون أن يُبحث فيها بشكل جدّي يفضي إلى معرفة كامل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، والضالعين فيها من شخصيات سياسية استقرت بعد ممارستها لتقلّباتها، في ضفّة قوى 14 شباط/ فبراير.
وإزاء انتشار فرضية وجود ارتباط ما بين قضية بنك "المدينة" المتعثّر مالياً وجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري لجهة إمكانية التمويل، طلبت لجنة التحقيق الدولية برئاسة القاضي البلجيكي سيرج برامرتز استجواب المديرة التنفيذية السابقة للبنك رنا قليلات الموجودة في البرازيل منذ عام تقريباً.
ويشبّه أحد المتابعين لهذين الملفّين أي البنك والجريمة على حدّ سواء، ما يجري على صعيد التحقيق بالسيناريو الذي جرى اعتماده في تهريب الشاهد السوري زهير الصدّيق من لبنان إلى فرنسا.
فرنا قليلات أوقفت في سجن النساء في بعبدا مدّة تقارب العام، وعندما وصلت قوى 14 شباط/ فبراير إلى السلطة ووضعت يدها على كلّ مقوّمات البلد وأجهزته، أُخلي سبيل قليلات ومُنعت من السفر، لكنّها استطاعت الانتقال متخفّية إلى مدينة اللاذقية السورية، ومنها انتقلت إلى مصر حيث استقرّت فترة من الزمن قبل أن يُكشف أمرها. وبدلاً من أن تقوم النيابة العامة التمييزية بإعداد طلب لاستردادها من السلطات المصرية التي كان يتوقّع أن تتجاوب مع الطلب اللبناني بتسليمها، إلا أنّ الطلب تأخّر حتّى هربت قليلات تحت جنح الظلام إلى البرازيل التي لا تربطها بالدولة اللبنانية أيّ معاهدة استرداد على الإطلاق، ويستطيع أيّ مواطن لبناني ملاحق قضائياً المكوث فيها باطمئنان.
 والدليل الواضح على هذا الاطمئنان هو اختباء مسؤول تيّار "المستقبل" في البرازيل محافظ جبل لبنان الأسبق محمّد سهيل يمّوت المطلوب للقضاء بحكم غيابي صادر عن محكمة الجنايات في جبل لبنان برئاسة القاضي المنتدب جان بصيبص وعضوية المستشارين واصل عجلاني وناهدة خدّاج بتاريخ 11 أيار/ مايو من العام 2006، وقضى بسجنه 15 عاماً مع الأشغال الشاقة وتغريمه مبلغ 24 مليون ليرة وتجريده من حقوقه المدنية.
ويسأل المتابع لهذين الملفّين: لماذا انتظر القضاء مغادرة قليلات ربوع مصر القريبة، إلى البرازيل البعيدة، والتي لا تربطها بلبنان معاهدة استرداد تمهّد الطريق أمام تسليم المطلوبين على غرار ما حصل مع يمّوت؟ ولماذا التغاضي عن ملاحقة قليلات في مصر ثمّ ملاحقتها في البرازيل؟ ويجيب السائل نفسه: "أعتقد أنّه لو جرت المطالبة باستجوابها في مصر لحصل منذ اكتشاف وجودها فيها، ولكن يبدو أنّ هناك من لا يريد حصول ذلك، بل ينوي إبقاء هذه الكأس المرّة بعيدة عن لبنان لما يمكن أن تحمله من فضائح في ما لو أصبحت قليلات بين أيدي السلطة المتورّطة في هذا الملفّ".
ويربط هذا المتابع بين تسهيل هروب قليلات من لبنان إلى مصر فالبرازيل، وأسلوب تهريب الشاهد في جريمة اغتيال الحريري السوري زهير الصدّيق الذي كان بين أيدي لجنة التحقيق الدولية في عهد رئيسها الألماني المحقّق السياسي ديتليف ميليس، ثمّ جرى تهريبه إلى فرنسا ثمّ الادعاء عليه بعد فوات الأوان، بجرم إعطاء شهادة كاذبة.
ومن المعلوم أنّ تهريب الصدّيق بهذه الطريقة كان من ضمن صفقة تشمل "شهادته" ضدّ الضبّاط الأربعة المعتقلين سياسياً، وعدم مواجهته بهم لاستمرار اعتقالهم، وإبقاء هذا البعد القصدي حجّة للاستمرار بالاعتقال. وتماطل السلطات الفرنسية في تسليمه وترفض ذلك، وتبقيه لديها حرّاً طليقاً.
ويعتقد هذا المتابع أنّ التاريخ يعيد نفسه مع قليلات، ويسأل: هل من صفقة جديدة اكتملت فصولها على غرار الصدّيق، تؤدّي إلى استجواب بعيد المدى ومبرمج مع قليلات لاستعمال "شهادتها" لاحقاً في السياسة الكيدية ضدّ شخصيات في المعارضة، وتحييد شخصيات في قوى 14 شباط/ فبراير متورّطة من رأسها حتّى أخمص قدميها في أموال "المدينة"، مقابل أن تبقى قليلات حرّة وطليقة في البرازيل بذريعة عدم القدرة على استردادها؟ أم أنّ الصفقة قد تفضي إلى إقناع قليلات بالقدوم إلى لبنان والالتزام باتهام شخصيات محدّدة سلفاً والتكتّم على آخرين في الفريق الحاكم مقابل تخفيض نتائج الملاحقة القانونية عنها في لبنان؟
ويضيف هذا المتابع استفساراته بأنّ ما يعزّز هذا الانطباع أيضاً هو أنّ شقيقي رنا قليلات طه وباسل قليلات أوقفا في مطلع صيف العام 2006، أيّ في عزّ هيمنة "الشباطيين"، ووُضعا في مبنى تابع لفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي في سجن "رومية" المركزي، ثمّ أفرج عنهما خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان التي استمرّت من 13 تموز/ يوليو لغاية 14 آب/ أغسطس 2006، حيث كان اللبنانيون يفكّرون بإيجاد الطرق المناسبة للنجاة بأنفسهم من همجية هذه الحرب ولا يبالون بما يحدث خارج دائرة هذه الحرب وهذا الموت المتنقّل.
وينهي هذا المتابع بالقول: إنّ أسلوب الاستماع إلى شاهد "متورّط" ثمّ تهريبه واستخدام "شهادته" لاحقاً ضدّ آخرين موضوعين على "لائحة" التوقيف المرجأ، هو أسلوب جديد ومستحدث لم يشهد لبنان مثله سابقاً على مرّ العهود، حتّى في زمن الوجود السوري الذي أورثنا معظم "الشباطيين".
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد1214 ـ 11 ايار/مايو2007

2007-05-11