ارشيف من : 2005-2008
المعارضة طرحت رؤيتها للحل والسلطة تدفع باتجاه الحائط المسدود : المعركة الرئاسية على نار التجاذبات قبل شهور من الاستحقاق
طفا ملف الاستحقاق الرئاسي على سطح التجاذبات السياسية الداخلية، من دون أن تخبو حماوة الملفات الأخرى، وهي لا تقل أهمية من حيث أثرها ومحوريتها في صوغ ملامح المرحلة المقبلة. إلا أن مرد تأجيج حرارة هذا الملف يعود إلى بوادر أزمة بدأت تتبدى عناصرها في صفوف قوى الأكثرية، خصوصاً مع كثرة المرشحين في فريق 14 شباط الطامحين إلى كرسي الرئاسة الأولى.
وباتت الانتخابات الرئاسية عنوان المعركة الحالية التي تخوضها قوى الموالاة ضد فريق المعارضة المتماسك، في ظل عقم محاولاتها في تسجيل نقاط لمصلحتها في الملفات الأخرى، ولو أنها نجحت في إحالة ملف المحكمة ذات الطابع الدولي إلى مجلس الأمن، إلا أن خواتيم الأمور في هذه القضية لا تزال دون المرتجى المطلوب. وعليه فإن فريق السلطة اختار الدخول في معركة الاستحقاق الرئاسي متسلحاً بتفسيرات واجتهادات للدستور تأتي على قياس مصالح الأطراف الشباطية المختلفة في ما بينها على صيغة موحّدة في هذا الإطار.
وترى مصادر متابعة أن قوى 14 شباط تعمد إلى إثارة الغبار والضوضاء حول ملف الرئاسة بهدف تقطيع الوقت، وصولاً إلى نهاية ولاية الرئيس اميل لحود، وبالتالي تنفتح البلاد على مجموعة من الخيارات "أحلاها مرّ". وترجح المصادر عدة سيناريوهات لدى تعذر التوافق على رئيس يحظى بإجماع اللبنانيين والأطراف السياسية المعنية، أبرزها قيام الرئيس لحود بتكليف قائد الجيش العماد ميشال سليمان بتشكيل الحكومة، في إعادة لواقعة العام 1988 في نهاية عهد الرئيس أمين الجميل، مع ما يرافق ذلك من احتمال أن تشهد البلاد حكومتين مرة جديدة، أو حالة طوارئ قد يلجأ العماد سليمان إلى فرضها، خصوصاً مع إجماع الأطراف الداخلية والخارجية على الدور المهم الذي لعبه الجيش اللبناني بقيادة العماد سليمان في كل المراحل التي شهدها لبنان في الفترة الأخيرة. كما لا تستبعد المصادر ذهاب الرئيس لحود الى اختيار شخصية مارونية أخرى لتولي المسؤولية في مرحلة انتقالية تجرى خلالها انتخابات مبكرة.
أما السيناريو الذي يعمل فريق 14 شباط على الوصول إليه، فهو انتقال السلطة إلى الحكومة الفاقدة للشرعية، وفق ما يتمناه رئيسها فؤاد السنيورة. ولكن هذا الأمر يشكل بحد ذاته فتيل تفجير في الساحة المسيحية، حيث لا يمكن تقبّل أن يتولى رئيس حكومة سنّي إدارة البلاد، مع ما يعنيه من كسر لقاعدة تاريخية تنص على تولّي ماروني الرئاسة.
في المقابل تبرز طروحات عملية أخرى، منها ما أعلنه حزب الله على لسان الأمين العام سماحة السيد حسن نصر الله بتأكيده أن حل الأزمة لا يكون إلا بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، مؤيداً خيار اللجوء إلى الشعب اللبناني للخروج من أي مأزق باعتباره خياراً طبيعياً جداً، وخصوصاً أن هناك إجماعاً في النص الدستوري وفي الموقف السياسي، على أن "الشعب هو مصدر السلطات". ومن هنا فإن "فكرة انتخاب الرئيس من الشعب ولو مرة واحدة أو مرات عديدة، هي فكرة ديمقراطية متحضرة ومدنية متطورة وجديرة بالاهتمام ولا مانع منها"، كما جاء في آخر حديث للسيد نصر الله.
ويتقاطع هذا الموقف مع طرح العماد ميشال عون الذي يحظى بتأييد ثلثي المسيحيين، كما لا تمانع انتخابه غالبية شيعية، وشرائح لا يستهان بها من الطوائف الأخرى.. وقد رمى عون القفاز في وجه خصومه بإعلان أحقيته بالرئاسة، في وقت تسلّح هؤلاء بأكثرية نيابية ملتبسة، متجاوزين الحديث عن الأطر الدستورية واصطفوا خلف البطريرك الماروني نصر الله صفير في جزء من موقفه المتحفظ على تعديل الدستور، في حين أن صفير نفسه كان أصرّ في أكثر من مناسبة وما زال، على ضرورة الالتزام بأكثرية الثلثين في مجلس النواب كشرط لانتخاب الرئيس، احتراماً لنص الدستور اللبناني.
وفي حال تجاوز طروحات حزب الله والتيار الوطني الحر، إلا أن الحل التوافقي حول الملف الرئاسي يحتاج إلى جواز مرور دستوري آخر، عبّر عنه الرئيس نبيه بري كشرط أساسي، وهو إعادة النظر بكل القرارات غير الشرعية التي اتخذتها الحكومة "البتراء" منذ استقالة الوزراء الشيعة والوزير يعقوب الصراف. وقد عمد الرئيس إميل لحود إلى توثيق هذه التجاوزات في رسائل رسمية دأب على إرسالها إلى ديوان مجلس الوزراء، في كل مرة تعقد حكومة السنيورة جلسة لها وتتخذ فيها قرارات.
إن رفض فريق 14 شباط تعديل الدستور، وفق رأي محللين، ولا علاقة له بالحرص على حق المسيحيين، بل هو قميص عثمان جديد يرفعونه بادّعاء الحرص على الدستور، فحكومة السنيورة الفاقدة للشرعية أمعنت في انتهاكه و"الزنى" به على حد تعبير الرئيس بري، والكل يعلم أن هناك سابقة حديثة في هذا المجال جرت في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، وفي أكثر من محطة كانت تستلزم اللجوء إلى تعديل الدستور لفتح الطريق أمام توافق داخلي... كما أن هناك محطات مماثلة جرت في كل من أوكرانيا وتركيا، كان فيها خيار اللجوء إلى انتخابات نيابية مبكرة طرحاً توافقياً للخروج من الأزمة وحماية البلاد من أي مواجهة تنعكس سلباً على استقرارها الداخلي. وبالتالي فإن ما صحّ عندنا في فترات سابقة ويجري العمل به في بلدان ديمقراطية أخرى، يصح في لبنان.. إلا إذا كان هناك ما هناك في نفس السنيورة ومن يقف وراءه.
محمد الحسيني
الانتقاد/ العدد1214 ـ 11 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018