ارشيف من : 2005-2008
فينوغراد.. التعبير الأكثر صراحة عن العقلية الإسرائيلية المتعطشة للدم : بأولمرت أو بدونه.. الهزيمة كانت جاهزة
رام الله ـ ميرفت صادق
برغم إجماع الرأي العام الإسرائيلي إبان العدوان الصهيوني الأخير على لبنان صيف 2006 على دعم قرار الحرب بنسبة تجاوزت 90% في الأوساط السياسية الرسمية والحزبية والشعبية الإسرائيلية، إلا أن هذا الإجماع يتوافر في الشارع الإسرائيلي اليوم بتضخم، ولكن تجاه عدم المسؤولية في اتخاذ قرار الحرب ومن ثم الإخفاق في تحقيق النصر المنشود، وهو تماما ما خلصت إليه نتائج تقرير لجنة فينوغراد.
وهذا التقرير "الجزئي وليس النهائي"، كما صمم له أن يكون.. ركز بحثه على موضوع محدد وهو "مدى صحة" القرارات المتعلقة بشن المعركة. وقد جرى تعيين لجنة فينوغراد "بسبب الإحساس الشديد لدى الجمهور الإسرائيلي بالفاجعة وخيبة الأمل نتيجة المعركة وطريقة إدارتها" كما ورد في نص التقرير...
وركز التقرير ونتائجه وتوصياته على أسباب الفشل في "تحقيق النصر" خاصة أمام مجموعة من المقاومين. وقد صدر بصورة جزئية غير نهائية، على أن يصدر كاملا بعد شهرين، في محاولة كما أورد القائمون عليه: في أن تعمل المحافل ذات الصلة على عجل لإصلاح وتغيير الصورة المقلقة.
والأمر الذي أثار خوف الشارع الإسرائيلي، ورد فعله القوي تجاه نتائج التقرير التي حمّلت أولمرت وبيرتس وحالوتس المسؤولية الكاملة عن الفشل في الحرب، هو عدم قدرة قيادته وجيشه على توفير النصر وتراجع مستوى الاهتمام بالأمن.
اللوم على الهزيمة وليس على الحرب
يقول الأستاذ أمير مخول المحلل السياسي والمدير العام لمؤسسة "اتجاه" في الناصرة، إن مسؤولية الفشل تلقى فعلا على رئيس الوزراء ووزير الحرب ورئيس الأركان، لأنهم أثبتوا خلال الحرب على لبنان بأنهم مجرمون. ولكن التقرير لا يتحدث عن كونهم مجرمين، وإنما عن إخفاقهم في تحقيق النصر، وهذا جزء من عقلية إسرائيلية عامة.
وحسب مخول فإن الذي يضعف النظام بنظر الإسرائيليين هو عدم قدرته على تحقيق الأهداف المطلوبة والتي تتمحور دائما في إحراز النصر ولو بالدم. في حين يعبر الإسرائيليون عما يسمونه "شعورهم بالفاجعة" من خلال إحساسهم بفقدان قوة الردع الاسرائيلية، الى جانب فقدان الثقة بالجيش والقيادة، وهو الأمر الذي يولد لديهم إحساسا بأن الهزيمة ستحالفهم في أي معركة قادمة مع سوريا أو إيران.
ويوضح مخول أن الهبّة التي تلت إصدار التقرير والتي طالب من خلالها مئات آلاف الإسرائيليين باستقالة أولمرت، ليست معاقبة له على قرار الحرب الذي بحثه
التقرير، وإنما لوم له على عدم الانتصار بغض النظر عن آلاف الضحايا اللبنانيين الذين سقطوا جراء ذلك. ويؤكد أن أولمرت لو تمكن فعلا من هزيمة حزب الله أو القضاء على المقاومة لحظي اليوم بشعبية مرتفعة في أوساط
الإسرائيليين.
الاعتراف بالهزيمة
وفي الجلسة الأولى للكنيست الإسرائيلي بعد صدور تقرير فينوغراد، قال نتنياهو الذي يسوّق نفسه بديلا عن أولمرت بعد الفشل في الحرب على لبنان، إن الإسرائيليين يخرجون لأول مرة بدون انتصار واضح، وهو الأمر ذاته الذي أثبته التقرير.
بعض المحللين اليوم يعتبرون تقرير فينوغراد أول اعتراف إسرائيلي بالهزيمة، ويعلق الأستاذ مخول على ذلك بالقول إنها لم تكن المرة الأولى، إذ حدث ذلك في أعقاب حرب 1973 والعدوان الثلاثي على مصر، لكنها المرة الأولى التي يعبر الاسرائيليون عن هزيمتهم بشكل واضح كما جرى في التقرير، ويطالبون قيادتهم الثلاثية "أولمرت ـ بيرتس ـ حالوتس" بتحمل المسؤولية واستقالة الحكومة.
السيناريوهات
وبينما يطالب الشارع الإسرائيلي باستقالة أولمرت عقب تقرير فينوغراد، فللأحزاب في الائتلاف الحكومي وخاصة من حزب كاديما الذي يقوده أولمرت، شأن آخر ومصالح بعيدة عن حسابات الانتصار والهزيمة و"هاجس الأمن الإسرائيلي المهدد".
وفي هذا السياق يقول مخول إن هناك ضغطا شعبيا فعليا ورسميا بعض الشيء للتخلص من حكومة أولمرت، من أجل سد الحاجة إلى "رجل قوي في السلطة"، وهذا ينساق أيضا على "رجل قوي في زعامة الجيش ورجل قوي في رئاسة الأركان".
ويستدرك مخول بالقول ان المشكلة في السلطة الاسرائيلية اليوم ليست الرجل، "ولو كان رجلا آخر غير أولمرت في رئاسة الحكومة لفشل أيضا في الحرب على لبنان"، فالقصة ليست أداة الحرب وإنما السعي الإسرائيلي المستحيل نحو تحقيق انتصارات عسكرية وسياسية في الوقت ذاته، خاصة في الوقت الذي تجتاح الرأي العام الإسرائيلي رغبة قوية في انتصار التوجه الإجرامي في "إسرائيل"، وإذا لم يحدث ذلك فالحل يكون بالانتقام سواء من الفلسطينيين أو اللبنانيين، وعلى السلطة أن تجد طريقة ما لهذا الانتقام.
ويوضح مخول إن الشارع الإسرائيلي لم يتوقف لبرهة عند عدم تطرق التقرير لعدد الضحايا الذين خلفتهم الحرب، باستثناء بعض الإشارات عن الخسائر الاسرائيلية. وهذا أمر ينسحب على الساسة الإسرائيليين وقيادتهم، "في اسرائيل لا يوجد رادع أخلاقي".
وبعكس دعوات الاستقالة والتوجه الى انتخابات جديدة، يرجح مخول أن تثبت حكومة أولمرت في مكانها لأنها تستفيد من التوازنات والمصالح بين الأحزاب في الكنيست. لكن في الوقت ذاته لن يطول عمر كاديما كثيرا "فكما ظهر فجأة سيزول سريعا"، بينما لن يحصل حزب العمل على مكانة أعلى مما هو عليها وفي هذا الوضع سيكون المستفيد الأكبر نتنياهو، الذي تتراجع شعبية ليبرمان "وزير الاستراتيجيات" لحسابه. وبين الأحزاب مجتمعة هناك تخوف من انتخابات جديدة خشية فقدان مكانتها، وهذا الأمر بحد ذاته يحمي أولمرت وحكومته برغم أنه سيودي بحزب كاديما.
وعن تداعيات التقرير على السياسة الاسرائيلية تجاه العرب
يقول مخول إن العرب عامة يجب أن يكونوا حذرين من أي تصرف إسرائيلي للانتقام من فشلهم في لبنان، مشيراً إلى أن "اسرائيل" لا تتورع عن فعل أي شيء لإشباع رغبة الانتقام عند جمهورها، وخاصة الانتقام من لبنان وحزب الله والمقاومة اللبنانية.
ويوضح مخول أن احدى صور هذا الانتقام ربما تكون شن عدوان ضد ما تسميه "اسرائيل" "تحالف المتطرفين" والمقصود به سوريا وإيران. ولكن مع كل هذا هناك تخوف كبير ـ بعد تقرير فينوغراد الذي اثبت عدم الجاهزية الاسرائيلية لأية معارك جديدة ـ من هزيمة جديدة.
ويضيف مخول إن الجهات العقلانية في "اسرائيل" تدرك اليوم تماما أن التفكير في شن حرب جديدة بينما تمر القيادة والمنظومة السياسية والأمنية الاسرائيلية في اضعف مراحلها، سيجلب الهزيمة فقط. وهذا يترافق مع عدم تشجيع أميركي لأية حرب جديدة في المنطقة مع ما تواجهه الولايات المتحدة في العراق.
وفي هذه الأثناء، يرجح مخول أن تقوم "إسرائيل" ببعض المناورات العسكرية المحدودة تجاه سوريا وإيران، مع الاحتفاظ بخط رجعة، مؤكدا ان هذا بحد ذاته يعطي دليلا عن إمكانيات الحرب الضعيفة عند "إسرائيل"، التي تدرك تماما أنها قادرة على إعلان الحرب ولكنها غير قادرة على إنهائها سواء بانتصار أو بهزيمة.
وفي إطار الإمكانيات يمكن الحديث عن استعدادات الجيش الإسرائيلي غير المتوافرة لحرب جديدة، خاصة بعد الهزيمة النفسية التي ولدتها حرب لبنان ومواجهة مقاومة غير متوقعة بدون استعداد نفسي ولا لوجستي عسكري لديهم.
ويؤكد مخول أن قضايا مثل تجهيز الجيش لمعركة لا يمكن أن تنجز في أيام أو في فترة قصيرة، خاصة بعد أن فقد هذا الجيش قناعته بأنه الجيش الذي لا يقهر، وهي أزمة انتقلت من الجيش إلى الشارع خاصة بعد أن أصبح العمق الإسرائيلي سهل المنال كما حدث في الحرب الأخيرة، وهذا أمر يشكل تخوفا كبيرا يوازي تخوفهم من عدم جاهزية الجيش، إذ تعتمد الاستراتيجية الاسرائيلية على إدارة المعركة في "أرض العدو" وليس في "العمق". والحرب الأخيرة أثبتت أن "إسرائيل" ليست محمية، وهذا واقع خطير بالنسبة للرأي العام والقيادة في "إسرائيل".
الانتقاد/ العدد1214 ـ 11 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018