ارشيف من : 2005-2008

المفاعيل السياسية الداخلية لتقرير فينوغراد

المفاعيل السياسية الداخلية لتقرير فينوغراد

كتب جهاد حيدر

تحول تقرير فينوغراد الى محطة فاصلة في حركة الواقع السياسي الداخلي الاسرائيلي بحيث تجاوز ابعاده المتصلة بالعدوان الاخير على لبنان... الى كونه عاملاً سياسياً مؤسساً لمسار قد يغير الخارطة السياسية الداخلية، إضافة إلى الثورة التي بدأت في التبلور على مستوى المفاهيم الاستراتيجية المرتبطة بالصراع في المنطقة، حيث من المتوقع أن يتم استبدال مفاهيم سابقة بأخرى ترتكز على الواقع السياسي والاستراتيجي المستجد...
أحدث التقرير زلزالا في الوسط السياسي والشعبي الاسرائيلي تجاوز كل التوقعات التي حاولت ان تستشرف مضمونه، ما أدى إلى إرباك في الحسابات والترتيبات التي أعدتها بعض القوى السياسية لمواجهة التقرير بسبب أن مضمونه تجاوز توقعاتها.
ومن ابرز النتائج المباشرة لنشر التقرير كان دفع موضوع استقالة رئيس الحكومة ايهود اولمرت من منصبه الى رأس جدول الاعمال واحتلاله موقع الصدارة في الكيان الاسرائيلي.
إلا أن بعض تداعيات التقرير كانت دون حجم الزلزال والصدى الذي أحدثه التقرير وهو ما يفتح الباب امام العديد من التساؤلات حول الظروف السياسية والاجتماعية التي يمر بها الكيان الإسرائيلي...
وعلى سبيل المثال توالت في أعقاب التقرير بعض الاستقالات المحدودة.. وارتفعت بعض الأصوات من داخل حزب كديما تطالب اولمرت بالاستقالة، ثم خمدت نسبيا... وكان من أبرزها ما صدر على لسان وزيرة الخارجية تسيبي ليفني ورئيس الائتلاف الحكومي، الذي استقال  من منصبه، افيغدور يتسحاقي، فضلا عن بعض الشخصيات الاساسية في حزب العمل...
على خط موازٍ تداعت بعض الحركات الشعبية، بفعل مضمون التقرير الذي حمَّل أولمرت - إلى جانب آخرين - مسؤولية سياسية وشخصية عن فشل الحرب، إلى تجمع احتجاجي للمطالبة باستقالة اولمرت... واحتشد تحت هذا الشعار ما يقرب من 150000 شخص في ساحة رابين في تل ابيب. لكن اولمرت رفض كل هذه الدعوات والنداءات واعرب عن نيته مواصلة البقاء في منصبه من أجل تنفيذ الاصلاحات والتوصيات التي اقرها تقرير فينوغراد.
وبالاجمال يمكن القول انه حتى الساعة استطاع اولمرت ان يتجاوز جميع الضغوط التي مورست عليه حيث تمكن من امساك زمام الامور داخل حزبه وكبح التمرد منذ بداية تشكله... ولم يتمكن مؤيدو الاستقالة الفورية لاولمرت من داخل حزبه من توسيع دائرة مؤيديهم، فتحولت الرهانات إلى ضغط على أولمرت من بوابة شركائه في الائتلاف.
أيضا يلاحظ انه بالرغم من الموقف الجماهيري العام المطالب باستقالة اولمرت إلا أن ذلك لم يترجم تلبية للاحتشاد في ساحة رابين، وهو ما ظهر من خلال حجم الحشود التي بالكاد تكفي لانتخاب أربعة أعضاء كنيست من اصل 120.
وتعليقا على هذا التجمع أعلنت المتحدثة باسم رئيس الوزراء الاسرائيلي، ميري ايسين، ان اولمرت "لا ينوي الاستقالة من منصبه برغم التظاهرة الضخمة". وذكرت صحيفة معاريف أن اولمرت عبّر عن ارتياحه في أعقاب المعلومات التي وردته عن المسيرة. وقال مقربون منه "ان 100 ألف أو حتى 150 ألف متظاهر، لا يسقطون حكومات".
أما بخصوص اقتراحات حجب الثقة عن الحكومة التي قدمت في الكنيست، فيمكن القول انها كانت تعبيراً عن موقف سياسي أكثر من كونها محاولة جدية لاسقاطه، لأن الخطوات التمهيدية التي تضمن تحقيق هذا الهدف لم تكن قد تبلورت وخاصة فيما يتعلق بموقف شركاء اولمرت في الائتلاف الذين ما زال معظمهم حتى الان متمسكاً باستمرار الحكومة خوفا من اجراء انتخابات عامة تقلص من حجمهم التمثيلي في الكنيست وبالتالي في الحكومة. وفي كل الأحوال فقد جرى التصويت في الكنيست ومرت العملية دون اي نتائج لافتة سوى ان بعض المطالبين من داخل حزب كديما او حزب العمل فضلا عن اطراف المعارضة قد عبروا عن موقفهم.
والجدير بالاشارة هو انه تم تعديل قانون اساس الحكومة بحيث جعل اسقاطها اكثر صعوبة مما مضى اذ لم يعد يكفي حجب 51% من اعضاء الكنيست او ما يزيد (61 عضو كنيست وما فوق) ثقتهم عن الحكومة، واصبح لا بد من ان يُجمع الاعضاء الذين يحجبون الثقة عن الحكومة على مرشح بديل لتشكيل الحكومة، وهو امر غير متوافر في المرحلة الحالية.
عناصر القوة والضعف في ظروف اولمرت
تتعدد نقاط الضعف التي يعاني اولمرت منها، بدءاً من خبراته وكفاءاته المتدنية التي كشف أداؤه خلال العدوان على لبنان جانبا منها... وافتقاده الى الكاريزما السياسية والشعبية ومرورا بمكانته المتدنية في الوسط الجماهيري وصولا الى تحميل تقرير فينوغراد له المسؤولية السياسية والشخصية عن الفشل الذي واجهه الجيش الاسرائيلي في لبنان.... فضلا عن وجود قناعة لدى الكثير من الشخصيات السياسية سواء في حزبه او داخل الائتلاف الحكومي ترى ان استقالته توفر الكثير من المشاكل وتؤمن للحكومة استمرارها...
في المقابل يستغل اولمرت نقطتين اساسيتين يرتكز عليهما لمواجهة الضغوط التي تمارس عليه. اولاً عدم وجود آلية داخل حزب كديما تسمح لاعضائه وقياداته بإقالة رئيسه، ويعود ذلك الى ان ارييل شارون عندما اسس الحزب وضع له نظاماً داخلياً على قياسه بحيث يحوله الى قيادة مطلقة الصلاحية لا يمكن لاحد ان يلوح له بإقالة من منصبه وذلك على خلفية ما واجهه خلال ترؤسه لحزب الليكود من عمليات تمرد واجباره على استفتاء هنا وضغط ومحاولة اقالته من رئاسة الحزب التي انتهت اخيرا بانشقاق شارون نفسه وتشكيله حزب كديما.
وعليه فإن زحزحة اولمرت من رئاسة كديما مرتبطة بشكل اساسي بموقفه هو وبكيفية تفاعله مع الضغوط.
النقطة الاخرى التي يستغلها اولمرت مرتبطة بالبديل المؤهل لاستلام الحكومة في حال اجراء انتخابات عامة. حيث ان الكثيرين ممن يطالبون باستقالته يخشون من مجيءرئيس حزب الليكود بنيامين نتنياهو الى رئاسة الحكومة، وخاصة ان جميع استطلاعات الرأي تعطيه موقعا متقدما على بقية المنافسين.
اهمية موقف "حزب العمل"
يشكل موقف "حزب العمل" من السجال السياسي المحتدم الان عاملا اساسيا في تحقيق استقرار الحكومة او الدفع باتجاه المزيد من الضغوط الفعالة التي قد ينتج عنها سقوط اولمرت. ويعود ذلك الى كونه الشريك الثاني الاساسي في الحكومة باعتبار انه يملك 19 عضوا في الكنيست من اصل 78 الذين يشكلون مجموع الغطاء البرلماني للحكومة الحالية. وعليه ففي حال انسحب "العمل" من الحكومة عندها سينخفض العدد الى ما دون 60 عضواً. وسيكون من الصعب على الحكومة الاستمرار واتخاذ قرارات اساسية في الوقت الذي لا تملك فيه الحجم التمثيلي المطلوب.
تباينت منذ نشر تقرير فينوغراد المواقف داخل "العمل"، لكن الاصوات الداعية لاستقالة اولمرت تزداد اتساعا، ومن اجل حسم الموقف يعقد مركز الحزب اجتماعا له نهار الاحد في 13/5/2007، لاتخاذ موقف نهائي. ويبرز في هذا المجال ان اغلب المرشحين لرئاسة الحزب من اوفير بينس، الى داني ياتوم الى عامي ايالون، يطالبون اولمرت بالاستقالة من منصبه. واخيرا اضطر ايهود باراك ايضا الى اتخاذ موقف يفهم منه على انه دعوة غير مباشرة لاولمرت بالاستقالة.
ومع صدور هذا العدد من "الانتقاد" يكون قد تبلور موقف حزب "العمل" من هذه القضية ليتضح في اعقابه جانب من مسار التطورات...  
آفاق التطورات على الساحة الداخلية الاسرائيلية:
- من الصعوبة تصور استمرار اولمرت في منصبه تحت اي عنوان من العناوين، حتى انتهاء فترة ولاية الكنيست في العام 2010.
- في السياق الطبيعي للتطورات اقصى ما  يستطيع اولمرت ان يقوم به هو تمديد فترة بقائه، التي لن تكون مريحة، ويكاد يجمع المراقبون على ان تقرير فينوغراد النهائي المفترض ان يصدر منتصف او نهاية الصيف سيتضمن توصية بإقالة اولمرت، وعندها لن يكون بإمكانه البقاء حتى لو لم تكن هذه التوصية تتمتع بالالزامية القانونية، وانما انطلاقا من ابعادها المعنوية والسياسية...
- في حال اندفعت التطورات في مسار التغيير فإن السيناريو الأقرب هو أن يبادر اولمرت الى الاستقالة ثم يتم تعيين رئيس جديد لحزب كديما، الذي يدور حاليا بين تسيبي ليفني وشمعون بيريس، وتشكيل حكومة جديدة، ويتم بذلك قطع الطريق على نتنياهو، للاعتبارات التي أشرنا اليها سابقا.
- قارب الانقاذ الوحيد لاولمرت هو حصول تطورات سياسية دراماتيكية على شاكلة بدء مفاوضات مع سوريا... تغير جذري في المسار السياسي الفلسطيني يدفع باتجاه الرهان على توصل الى تسوية... حصول تطورات امنية اقليمية خطيرة تؤدي الى طي ملف التغيير الحكومي لمواجهة الاستحقاقات السياسية والامنية المستجدة.  
الانتقاد/ العدد1214 ـ 11 ايار/مايو2007

2007-05-11