ارشيف من : 2005-2008
أنهار وينابيع تتحول الى مجارٍ صحية : تلوث المياه خطر داهم في البقاع
يشير تقرير لمصلحة الأبحاث العلمية الزراعية الى ان اكثر من ستين في المئة من المياه الجوفية في منطقة البقاع ملوثة بالنترات والكاديوم والزرنيخ والرصاص والزنك، ومعظم الموارد المائية المتوافرة تُستخدم على نطاق واسع من دون أي اعتبار للمواصفات والمعايير اللازمة للمياه المستعملة للشرب او لري المزروعات، والجزء الاكبر والظاهر يُستخدم لري المزروعات لانخفاض معدل الامطار وعدم توافر المياه بشكل كبير، والفحوص التي أُجريت على اكثر من مئة وخمسين بئراً ارتوازية حول خصائص المياه الجوفية فيزيائياً وكيميائياً، أثبتت ان هذه المياه تحتوي على خمسين الى خمسمئة خلية جرثومية ملوثة، والتفاوت بدرجة التلوث يعود الى تفاوت عمق الآبار او الطرائق والاساليب والانظمة المتبعة في عملية الري.
وتؤكد المصلحة تحول الانهار ومجاري المياه في منطقة البقاع الى مصبات ومجارٍ للمياه الآسنة ومياه الصرف الصحي، اضافة الى رمي النفايات في هذه المجاري.
النتيجة لم تصدم المتابعين لهذا الملف، نظراً لاطلاعهم على الواقع المرير والمأساوي الذي تعيشه منطقة البقاع، والذي يعتبر خطراً داهماً على حياة الإنسان والبيئة، فضلاً عن الكائنات الأخرى.
تلوث الينابيع
تبدأ معاناة المواطنين في البقاع مع المياه انطلاقاً من مصادرها، أي الينابيع التي تتعرض بشكل دائم للتلوث الجرثومي بفعل تحويل شبكات الصرف الصحي وتحويل بعض مجاري الأنهار والينابيع الى مكبات للنفايات. وقد زاد في هذه المشكلة انحسار الامطار في السنوات الماضية وانخفاض مستوى المياه، اضافة الى التعديات والفوضى في حفر الآبار الارتوازية بجانب الأنهار والينابيع، وبشكل عشوائي وكبير جداً حول المياه المتبقية في جوف الارض، والتي تتغذى منها الأنهار والينابيع من ملكية عامة الى ملكيات خاصة، وهذا يظهر جلياً في كل مناطق البقاع. والأنهار والمجاري المائية التي لم تتحرك مياهها حتى في فصل الامطار او فصل الربيع، خير دليل على هذه المصيبة. وللأسف فإن بعض المزارعين يستخدمون مياه الصرف الصحي المنسابة والمتجمعة في تلك الأنهار والمجاري المائية لري مزروعاتهم من دون الالتفات الى خطورة هذا الامر والجريمة التي ترتكب على المستوى الإنساني والاخلاقي، حيث نصب بعضهم المضخات ومدوا شبكات الري من تلك المجاري ناقلين هذه المياه المبتذلة من مجرى تتدفق فيه الأوبئة والجراثيم لينشروها في أراضيهم الزراعية، فيعم الأذى من خلال المزروعات وتستمر المأساة الى أجيال قادمة تخترق الارض وتؤذي ما في باطنها من مياه، كما ما على سطحها من نبات.
اهتراء شبكات النقل
ولا تنحصر المشكلة في هذا الجانب، انما تتعداه الى المعاناة الاكثر تعقيدا، وهي تكمن في البنى التحتية، حيث مشكلة الاهتراء والتلف للشبكات القديمة الموجودة في البلدات والقرى، تساهم بشكل فعال في نقل الميكروبات والمياه الملوثة الى المنازل، وخاصة في القرى التي لا تمتلك شبكات للصرف الصحي.
اما اذا اخذنا مثلاً مدينة بعلبك التي تضج بآليات المشاريع، فقد باشر مجلس الإنماء والاعمار تنفيذ مشروع الصرف الصحي ومياه الشفة والوصلات المنزلية منذ 17/7/2005، والذي كان من المقرر ان ينتهي خلال ثمانية عشر شهراً.
عراقيل
هذا المشروع تنفذه مؤسسة التاج بتمويل من البنك الدولي، وهو حتى الآن لم ينتهِ. يقول احد المهندسين المشرفين على المشروع عن الاسباب التي أدت الى هذا التأخير: "بعد المباشرة بالعمل عُدّل المشروع بزيادة 15%، فجرى تمديد المهلة اربعة اشهر.. وأيضاً الحرب في تموز ادت الى تمديد المشروع لغاية 28/8/2007". ولكنه أكد ان "المشروع من غير المؤكد انه سينتهي في الموعد المحدد، وأعطى موعداً في بداية العام 2008 لإنجازه". وعن تفاصيل المشروع قال: "المشروع ضخم جداً، وهو يتضمن شبكة لمياه الشفة بطول ستين كيلومترا، وأخرى خطوط مجار للصرف الصحي بطول مئة وكيلومتر واحد، وتسعين كيلومترا من الوصلات المنزلية. وقد أُنجز نحو سبعين كيلومترا من المجاري، ونحو اثنين وخمسين كيلومتراً من شبكة المياه، وأربعين كيلومتراً من الوصلات المنزلية، فضلاً عن 10% كانت منجزة سابقاً". مؤكداً ان "العمل جار على قدم وساق، وأن المشروع الذي يشمل كل مدينة بعلبك سينتهي مع بداية العام على أبعد تقدير".
وعن العراقيل التي تواجه المشروع تحدث المهندس المشرف فقال: "تواجهنا عدة عراقيل أهمها: ـ صعوبة التعاطي مع بعض الأهالي الذين يعرقلون تنفيذ الاستملاكات.
ـ صعوبة التنفيذ بسبب طبيعة الارض الصخرية.
ـ عدم التمكن من اعادة تعبيد الطرق لدخول الحرب بشكل مفاجئ، وبعد الحرب بسبب ضيق الوقت وتضاربه مع دخول فصل الشتاء.
وإضافة الى كثرة المشاريع المباشر في تنفيذها في المدينة بوقت واحد (الإرث الثقافي ـ شركة التعفف ـ البلدية وغيرها)، فلا يمكن انزال كل الورش حيث يسبب ذلك في قطع أوصال المدينة".
ومع ذلك فإن بعلبك المقلوبة رأساً على عقب يواجه مواطنوها وطلابها صعوبات كبيرة في التنقل والتواصل، فضلاً عن حركة الأسواق التي تتأثر بالمواصلات.
وعن دور البلدية في تذليل العقبات يقول عضو المجلس البلدي في لجنة الاشغال فؤاد بلوق: ان البلدية تواكب كل الورش والأعمال القائمة في أنحاء المدينة، وتعمل على تذليل الصعوبات، وفور ورود أي مشكلة من قبل هذه الشركات او المنفذين تواجههم مع الاهالي تعمل البلدية على حل كل هذه العراقيل.
وكانت البلدية قد سرعت موضوع جسر عين بورضاي بأموال دفعتها من صندوقها ومهندسين وخبرات شرعت في تنفيذ المشروع، وهكذا تعمل مع كل الأشغال الجارية في المدينة.
وأمل بلوق ان تنحسر مشكلة التلوث فور انتهاء مشروعي الصرف الصحي وشبكة المياه، مؤكداً ان "الاهالي ما زالوا يستخدمون مياه رأس العين مقابل أموال يدفعونها للصهاريج. اما مياه الشفة التي لا تصل الى كل البيوت بعد، فإن الاهالي ينقلونها بالغالونات من الحنفيات المنتشرة في اكثر من مكان في المدينة، والتي تصل من نبع اللجوج في السلسلة الشرقية، ويتم الكشف الدوري على هذا النبع لمنع أي تلوث خطير يتعرض له".
مشاريع مواجهة التلوث
كثيرة هي المشاريع التي وضعت لمواجهة واقع التلوث المائي في البقاع، نفذ جزء يسير منها والجزء الأكبر لم ينفذ. ومن هذه المشاريع مشروع اليمونة التي تمتلك أجود المياه، يقول نور الدين شريف ان اليمونة "لا تزال مياهها عذبة وصالحة للشرب بمجملها، ولكن عدم الرقابة وانعدام المسؤولية يؤدي الى قيام بعض المواطنين والسياح برمي النفايات في هذه المياه، فضلاً عن وجود بعض الحفر الصحية الموجهة الى هذه المجاري وفي أماكن معينة دون وازع". وأسف شريف الى "تلكؤ الدولة في تشغيل محطة التكرير الخاصة التي أنجزت قبل عامين، خصوصاً أنه يستفيد من مياه اليمونة اكثر من خمس وأربعين قرية". داعياً الاهالي والمعنيين للضغط من اجل بدء تشغيل المحطة.
تمنين التحتا، حوش الرافقة، أبلح والسهول الممتدة على ضفتي نهر الليطاني، تعاني من انكشاف النهر الذي بات مجرى الصرف الصحي لكل قرى البقاع والشريان الخطر الذي يخترق القلب.
رياق، ماسا، عين كفرزبد، حارة الفيكاني وعلي النهري بعضها مشكلته في شبكة المياه واهترائها، وبعضها مشكلته في البلدية والرقابة، فعلى الرغم من انجاز شبكة الصرف الصحي في علي النهري، يناشد الاهالي المجاورين للنهر الجاف في وسط البلدة لمنع القصابين الذين يوجهون دماء ذبائحهم ومخلفاتها الى المجرى الذي يتوسط البيوت، حيث ان هذه القرى لا يوجد لها مسلخ فتذبح الابقار والاغنام، على الطريق امام الناس والأطفال مشهد مقزز ودون أي رقابة، وليس في المنطقة سوى مسلخ في بعلبك وآخر في زحلة وعشرات القرى تفتقر لهذه الخدمة".
أمراض بالجملة
في قرى البقاع الشرقية او الغربية الامراض الوبائية والجلدية واقع متكرر ومتزايد في كثير منها نتيجة لاستهلاك المياه الملوثة التي قد يكون من نتائجها ظهور حالات تشمع كبدي وسرطانات في قرى معينة، كما يؤكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة الدكتور إسماعيل سكرية «المختص»، الذي يشير الى "استهلاك مياه ملوثة وخضار مروية بمياه الصرف الصحي التي تحمل كافة أنواع المواد السامة الكيميائية والجرثومية والنترات، والرصاص والكاديوم والزرنيخ والزنك".
ويؤكد أن "كل الفحوص التي أُجريت على المياه الجوفية دلت على وجود تلوث كبير، وهناك بعض الآبار وبعض المياه غير صالحة حتى للمزروعات فضلاً عن الاستهلاك البشري".
تحقيق وتصوير : عصام البستاني
الانتقاد/ العدد1214 ـ 11 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018