ارشيف من : 2005-2008

"تحرش" ديبلوماسي بإيران وتغيير سلوك تجاه سوريا : رايس تطارد متكي وتلاقي المعلم

"تحرش" ديبلوماسي بإيران وتغيير سلوك تجاه سوريا : رايس تطارد متكي وتلاقي المعلم

كان واضحاً أن ثمة إخفاقا كبيراً لدى المحللين في استعجال توقع عقد لقاء وصفوه بالتاريخي بين وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس ونظيرها الإيراني منوشهر متكي على هامش أعمال مؤتمر شرم الشيخ حول العراق الأسبوع الماضي.
ولوهلة بدا أن هذا المؤتمر نظم لغاية أساسية أخرى غير الملف العراقي، وهي إحداث اختراق في جدار العلاقات الأميركية الإيرانية المقطوعة منذ 27 عاماً، نظرا لحاجة واشنطن الماسة لمثل هذا اللقاء لإطلاق عملية بحث منظمة مع طهران للحصول منها على مساعدة عاجلة تسعفها في إخراج نفسها من المأزق العراقي المتفاقم على الولايات المتحدة بصورة دراماتيكية ودرامية غير مسبوقة.
وبدت اللهفة الأميركية لفتح قنوات اتصال مباشرة مع الإيرانيين على مستوى عال واضحة من خلال عملية التحرش الديبلوماسي التي ساعدها فيها الجانب المصري من خلال توفير أكثر من فرصة لحصول مواجهة بين رايس ومتكي تفرض نفسها كلاماً بشكل تلقائي.
وظهر ذلك أولاً من خلال إحاطة تبادل التحيات البروتوكولية والأخلاقية وكأنها "حدث تاريخي" فيما هي أمر بديهي في مؤتمر يجمع الى طاولة واحدة عددا كبيرا من وزراء الخارجية والمسؤولين الدوليين والإقليميين.
وبدا اهتمام الصحافة في محاولة استثمار عبارات التحية والمجاملة المقتضبة وكأنها كسر لجليد العلاقات بين البلدين ومؤشر على الخطوة التالية التي كثر الحديث عنها قبيل انعقاد المؤتمر، وهي عقد اللقاء الثنائي بين رايس ومتكي.
لكن الوزير الإيراني بدّد جميع هذه التوقعات عندما غادر حفل العشاء الذي أقامه وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط بعدما اعد المصريون الطاولة بشكل تجلس فيها رايس في مواجهة متكي مباشرة. وبذلك بدت الرسالة الإيرانية واضحة بعدم الرغبة الحالية أو بالأحرى عدم الاستعجال في إطلاق حوار أو محادثات مع واشنطن من دون أن يحصل ذلك في إطار عملية منظمة تستهدف مقاربة مصالح البلدين بشكل متواز ومتكامل تكون فيها إيران في موقع الند للولايات المتحدة.
أما إذا كانت واشنطن مأزومة عراقياً فهل يتعين على طهران التي تسمع يوميا من الأصوات والتهديدات الأميركية بالاعتداء عليها وعلى حقوقها في مجالات عدة وبينها الحق النووي، أن تنقذ من أراد أن يجعل من العراق محطة أساسية قبل إكمال مشروعه في الشرق الأوسط، وإحدى حلقاته استهداف النظام الإسلامي في إيران.
هكذا أصابت الديبلوماسية الإيرانية نظيرتها الأميركية بانتكاسة وبخيبة أمل حيث برز بالتصريح والتلميح تهافت رايس على عقد اللقاء مع متكي واقتناص أي فرصة لتحويلها إلى اجتماع رسمي مقابل تريث إيراني واضح، عبر عنه متكي بقوله انه لم يكن هناك وقت لعقد اجتماع رسمي، ولم تكن هناك خطة للاجتماع برايس.
على أن الموافقة الإيرانية على مثل هذا اللقاء يفترض أن تأتي ضمن رؤية تنهض على الأسس التالية:
أولاً: يجب أن يكون هناك طلب رسمي من الولايات المتحدة لإجراء مفاوضات، وبعد ذلك نعلن قرارنا، وفقا لما قاله الناطق باسم الخارجية الإيرانية محمد علي حسيني.
ثانياً: إن اللقاءات ليست للاستعراض وتحتاج إلى ترتيبات مسبقة وتحضيرات واتفاق على جدول أعمال متكامل وفقا لما عبر عنه متكي نفسه بطريقة أو بأخرى.
ثالثاً: استئناف الحوار بين الولايات المتحدة وإيران سيأخذ وقتا طويلاً لأن جذور المشكلة قديمة والأمر ليس سهلا، والكلام أيضا لمتكي، وبالتالي من الخفة التعويل على لقاء لحرف مسار علاقات متوترة وعلى حافة الحرب إلى آخر سلمي.
والأهم من ذلك هو الإطار السياسي الأشمل الذي يصلح لإطلاق عملية كهذه، وعبّر عنه متكي بضرورة إجراء الولايات المتحدة مراجعة لسياستها الفاشلة في الشرق الأوسط بعد الانتكاسات التي منيت بها في افغانستان والعراق ولبنان، عقب العدوان الاسرائيلي الأخير في تموز/ يوليو الماضي.
أما اللقاء العابر الذي عقد بين سفير الولايات المتحدة الجديد في بغداد ريان كروكر مع نائب لوزير الخارجية الإيراني على هامش اجتماع شرم الشيخ وبحضور مساعد رايس لشؤون الشرق الاوسط دايفيد ساترفيلد، فقد كان محدودا جدا وقصيرا جدا ومكرسا بالكامل للعراق، ولم يكن سابقة بذاته باعتبار أن لقاءات مماثلة حصلت في العراق على مستوى سفراء.
وهكذا اختتم مؤتمر شرم الشيخ  بتصعيد ايراني ضد الولايات المتحدة، اتهم فيه متكي واشنطن بممارسة "الارهاب" في العراق، وطالبها بجدول زمني للانسحاب منه، مديناً "المعايير المزدوجة" التي تميز بين إرهابيين جيدين وإرهابيين سيئين. مؤكداً ان الاحتلال الاجنبي للعراق هو سبب المشاكل فيه.
في المقابل برز الاجتماع الذي عقد بين رايس ونظيرها السوري وليد المعلم كإعلان رسمي اميركي عن انتهاء سياسة العزل التي مارستها واشنطن ضد دمشق منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وقضت معها ايضا على كل السيناريوهات والاستراتيجيات التي أعدها المحافظون الجدد تارة تحت اسم تغيير النظام في سوريا، وطورا تحت عنوان تغيير سلوكه، لتقر رسميا بفشل جميع هذه الاستراتيجيات ولتعلن رسميا عودتها الى توصيات لجنة بيكر هاملتون بالتحاور مع ايران وسوريا كسبيل وحيد للخروج من المستنقع العراقي.
وشكل هذا اللقاء اعترافا أميركيا رسميا بالدور الإقليمي لسوريا، وان كان هناك حرص أميركي على القول إن المحادثات حصرت بالملف العراقي، وانه ناقش فقط موضوع تسلل المقاتلين الأجانب الى العراق وما يمكن أن تقوم به السلطات السورية في هذا المجال.
وكان لافتا طريقة عقد اللقاء وهو اصطحاب وزير الخارجية المصري كلا من رايس والمعلم إلى غرفة واحدة ثم تركهما بعد قليل ليعقدا لقاءً منفردا ولمدة نصف ساعة بعيدا عن وسائل الإعلام حيث لم تلتقط لهما أي صورة.
وقد شددت رايس على ان "المحادثات كانت مهمة جدا. وانها سعيدة جدا لهذه الفرصة التي أتيحت، وانه لا المعلم وبخها ولا هي وبخته".
وبقدر ما كانت رايس ساذجة بتقديرها ان مثل هذه الخطوة تساهم في ابعاد سوريا عن إيران وتقربها من محور "الاعتدال العربي" وفتحت لها لهذه الغاية الباب لحضور اجتماع الرباعية العربية، فإن أبواب القلق فتحت لدى حلفاء واشنطن في لبنان، وتطايرت الأسئلة بينهم حول ما ستدفعه الولايات المتحدة لسوريا من الجيب اللبناني ثمناً لمساعدتها في العراق، ولا سيما ان اللقاء تزامن مع إشارات مختلفة وجهها  قادة جيش الاحتلال الاميركي في العراق، مشيرين إلى تراجع في تسلل المقاتلين الاجانب عبر الحدود السورية، كما ان رايس قالت للصحافيين ان الاجتماع كان احترافيا وعمليا جدا، وقلت له بوضوح اننا لا نريد ان تكون علاقاتنا صعبة مع سوريا. لكن لا بد من أسس معينة لتحسين العلاقات.
وهذا القلق لدى بعض اللبنانيين سيتعاظم مع انعقاد أي لقاء سوري اميركي لأن نتائجه أكثر مما يعرفونه، برغم كل التطمينات التي قام بها السفير جيفري فيلتمان في لبنان لبعض اقطاب فريق السلطة، وتصريحات مسؤولين آخرين في الخارجية الاميركية التي لن تفسر بسوى محاولة لتهدئة اعصابهم وتماسكهم بانتظار المقايضة الكبرى.
هكذا انتهى مؤتمر شرم الشيخ بإقرار رايس بأن متكي لم يبذل أي جهد للقاء معها، فيما هي ليست معتادة على مطاردة احد، بعدما قطع عليها كل الطرق، فيما شكل لقاؤها مع المعلم مناسبة لاعلان سلوك اميركي جديد تجاه سوريا بدلا من السلوك السوري الجديد تجاه الولايات المتحدة التي ظلت الأخيرة تنتظره دون جدوى.
عبد الحسين شبيب   
الانتقاد/ العدد1214 ـ 11 ايار/مايو2007

2007-05-11