ارشيف من : 2005-2008
تقويم إيجابي لمؤتمري شرم الشيخ ومطالب بعهد وطني بين العراقيين
بغداد ـ عادل الجبوري
برغم ان مواقف القوى والتيارات والشخصيات السياسية العراقية من نتائج مؤتمري شرم الشيخ لم تكن متطابقة، الا انها في الوقت ذاته لم تكن متفاوتة ومتباينة الى حد كبير، او بعبارة أخرى، لم تكن على طرفي نقيض.
هذا الاتجاه العام في العراق الذي بدا منسجما ومتجانسا الى حد كبير، ربما شكل واحداً من مؤشرات وعناصر نجاح المؤتمرين.
ولعل سؤالا يفرض نفسه في سياق القراءة التحليلية لذلك الحدث، وهو: ماذا أريد من مؤتمري شرم الشيخ وماذا تحقق؟
قد تحمل وثيقة العهد الدولي والبيان الختامي لمؤتمر وزراء خارجية دول الجوار العراقي مع وزراء خارجية الدول الصناعية الكبرى والدول الدائمة العضوية في مجلس الامن، جانبا كبيرا من الاجابة عن التساؤل الانف الذكر بشقيه.
وبما ان العراق مثّل العنصر الأبرز والأكثر تأثيرا في صياغة الوثيقة والبيان الختامي، وبما ان كليهما يتمحوران حول الشأن العراقي، لذا فإنه كان من الطبيعي ان تشغل القضايا الرئيسية بالنسبة للحكومة العراقية الحيز الاكبر، وهذه القضايا هي الارهاب، واعادة الاعمار والبناء، ودعم العملية السياسية، وإطفاء الديون وإلغاء التعويضات، وما يتعلق بتلك العناوين العامة من عناوين فرعية.
وكان واضحا ان هذا التجمع الدولي والإقليمي الكبير يسعى كل طرف فيه إلى أن يفعل شيئا ذا قيمة، ولا سيما ان هناك فرقاء اقليميين ودوليين التقوا وجها لوجه، ولم يكن أمامهم خيار إلا البحث والنقاش والجدل والسجال في موضوعات تعنيهم وتهمهم بدرجات ونسب متفاوتة.
وطبيعي ان الموقف الجماعي المناهض للإرهاب والمستنكر لكل أشكاله ومظاهره التي تستهدف العراقيين، والاقرار بشرعية الحكومة ومشروعيتها، والاعلان عن اطفاء ثلاثين مليار دولار من الديون المترتبة على العراق، الى جانب التعهد بمنح مالية وقروض ميسرة، كل ذلك عبّر في جانب منه عن نجاح كبير للحكومة العراقية في حشد اكبر قدر من الدعم والمساندة الدولية للعراق، وفي جانب آخر منه أشار إلى جدية اكبر من قبل المجتمع الدولي لانتشال العراق من مشكلاته وأزماته المعقدة، إدراكا منه ـ أي المجتمع الدولي ـ بأن الآثار والافرازات السلبية لتلك المشاكل والأزمات يمكن أن تتوسع وتمتد إلى ما وراء الجغرافيا العراقية، ولا سيما ان بعضا منها مصدره خارجي وليس داخليا.
وفيما يتعلق بالرؤى العراقية لما تمخض عنه مؤتمرا شرم الشيخ فإن أصحابها، وهم من اتجاهات سياسية مختلفة، ذهبوا عموما إلى أن العهد الدولي وضع الكتل السياسية والبرلمانية والمنظمات العراقية أمام مهمات صعبة تستدعي إيجاد الحلول من الداخل لكل المشكلات، وتحقيق نتائج ايجابية ملموسة على الوضع الأمني والاقتصادي في ظل الدعم الدولي.
ويرى حسن السنيد عضو الائتلاف العراقي الموحد وأحد أعضاء الوفد العراقي إلى شرم الشيخ أن العهد الدولي وفّر فرصة كبيرة للقوى السياسية للإفادة من الدعم الدولي، إذ لم تحصل دولة من دول العالم على وقفة عالمية مثل تلك الوقفة التي حصل عليها العراق.
ولم يبتعد رئيس جبهة التوافق العراقية (الكتلة السنية في مجلس النواب العراقي) عدنان الدليمي كثيرا عما أشار اليه السنيد، وكذلك القاضي وائل عبد اللطيف النائب عن القائمة العراقية بزعامة رئيس الوزراء العراقي الاسبق اياد علاوي، ومحمود عثمان النائب عن التحالف الوطني الكردستاني، فهم اعتبروا انه تم في شرم الشيخ تشخيص المشكلات تشخيصا دقيقا، وتم وضع الحلول والمعالجات الناجعة لها، على أمل أن يصار إلى تفعيلها من خلال التزام الحكومة العراقية بما تعهدت بالقيام به، والتزام المجتمع الدولي والقوى الاقليمية والعربية بتعهداتها تجاه العراق.
بيد أن الأمر المهم هو أن المشهد السياسي العراق شهد بعد مؤتمري شرم الشيخ دعوات من أطراف عديدة إلى ضرورة إبرام عهد وطني بين العراقيين أنفسهم يكون متمما بحسب وجهة نظر البعض لوثيقة العهد الدولي وما خرج به المؤتمرون في منتجع شرم الشيخ، او اعتبار البعض الاخر أن العهد الوطني هو الاساس انطلاقا من حقيقة ان الحلول والمعالجات الحقيقية للمشاكل والازمات ينبغي ان تنبع من الداخل ولا تصاغ وتفرض من الخارج، ويكون هذا الأخير عنصر دعم وإسناد وتفعيل ودفع بالاتجاه الصحيح.
ويفترض طارحو فكرة العهد الوطني انه يمكن أن يشكل إطارا وعقدا سياسيا وأخلاقيا واجتماعيا بين مختلف مكوّنات النسيج العراقي لاحتواء كل مظاهر العنف والإرهاب والاستئثار، ومنع مصادرة الحقوق والحريات، وترسيخ مبدأ احترام القانون، وبالتالي تسريع إنهاء الوجود الأجنبي العسكري وغير العسكري في البلاد.
ويبدو أن الخطة التي من المزمع إطلاقها من قبل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وهي من خمسة فصول لتوحيد الجبهة الوطنية مثلما تسرب عبر مصادر موثوقة في رئاسة الوزراء، تعد تعزيزا لفكرة العهد الوطني.
وتشير تلك المصادر إلى إن الفصول ـ أو البنود ـ الخمسة لخطة المالكي تتلخص فيما يلي:
ـ توسيع المشاركة السياسية لتشمل قوى وتيارات لم يسعفها الظرف لتكون ضمن البرلمان والحكومة.
ـ المضي في مشروع المصالحة الوطنية وتوسيع هذا المصالحة لتشمل من لديهم آراء مخالفة للحكومة ولكنهم لا يلجأون إلى العنف والإرهاب ضد المواطنين.
ـ تطبيق آليات وأطر لخلق توازن في مؤسسات الدولة اعتمادا على ادوار رسمتها المسارات الديمقراطية والاستحقاقات الانتخابية.
ـ إيجاد طرق للمشاركة في اتخاذ القرارات السياسية والمهمة من قبل الجهات الفاعلة في العملية السياسية.
ـ إبعاد الوزارات عن التجاذبات السياسية أو الطائفية، وتتم هذه الخطوة عبر تعديلات وزارية جديدة يكون الوزراء فيها من التكنوقراط الأكفاء، فضلا عن إعادة النظر في تشكيلات مؤسسات الدولة.
ويلاحظ من خلال الخطوط العامة لهذه الخطة انها تبدو استكمالا لمبادرة المصالحة والحوار الوطني، وهي تحتاج لغرض تفعيلها إلى مبادرات وتنازلات وقدر كبير من المرونة من قبل الفرقاء السياسيين، في ذات الوقت الذي قد يوفر الإسراع ببناء الأجهزة الأمنية والعسكرية بناء صحيحا وخروج قوات الاحتلال مناخا ملائما إلى حد كبير لتفعيلها وترجمتها على ارض الواقع.
وطبيعي ان تخفيف حدة الاحتقانات السياسية والطائفية في الساحة العراقية، وتحقيق انجازات أمنية وخلق فضاءات من الهدوء والاستقرار، هي التي تكفل تنفيذ جوانب مهمة من التزامات وثيقة العهد الدولي، وترجمة ما تم الاتفاق عليه واقراره في الوثيقة والبيان الختامي لمؤتمر وزراء الخارجية من نظريات على الورق إلى حقائق عملية على الأرض.
الانتقاد/ العدد1214 ـ 11 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018