ارشيف من : 2005-2008

ساركوزي المنتصر.. إلى أين؟

ساركوزي المنتصر.. إلى أين؟

ليس انتصاراً فحسب، بل إنه انتصار كبير ومجلجل.. ذلك ما أجمع عليه المحللون والمعلقون الفرنسيون وغير الفرنسيين على اختلاف توجهاتهم، في وصف فوز نيكولا ساركوزي في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت يوم الأحد الماضي في السادس من أيار/ مايو الجاري.
والانتصار لم يكن كذلك لأن ساركوزي نال 53 في المئة من أصوات المقترعين مقابل 47 في المئة لمنافسته الاشتراكية سيغولين رويال، فهذا الرقم لم يكن ليعجب شخصاً كشارل ديغول الذي كان سيشعر بنقص في شرعيته لو صوّت له عدد أكبر بكثير من الـ53 في المئة أو ضده عدد أقل بكثير من الـ47 في المئة، إضافة إلى أن هذا الرقم لم يرقَ إلى ذاك الذي حققه في العام 2002، رئيس كجاك شيراك، الذي لم يكن الأكثر إثارة للاهتمام بين رؤساء فرنسا السابقين، والذي نال 82 في المئة من أصوات المقترعين، لا بفضل مميزاته الشخصية، بل بفعل اتحاد فرض على اليمين واليسار لدرء خطر اليمين المتطرف وزعيمه جان ماري لوبين.
أهمية ذلك الانتصار تكمن في النسبة العالية من المقترعين التي بلغت 85 في المئة، والتي لم يسبق لها أن تجاوزت الستين. كما تكمن في حدة المعركة التي كانت، لا سيما في الدورة الثانية، الأكثر سخونة في تاريخ فرنسا، حيث شهدت فرزاً إيديولوجياً واضحاً بعدما اتجهت أصوات اليمين المتطرف والوسط باتجاه ساركوزي، في حين لم تنل سيغولين رويال غير أصوات أحزاب اليسار، ما يعني أن التكتل اليميني قد يعاني عند "تقسيم الغنائم"، من تشنجات من شأنها أن تكون أكثر خطورة من حال الترهل وأزمة الهوية التي تعانيها أحزاب اليسار.
الكلمات الأولى التي تلفظ بها نيكولا ساركوزي بعد لحظات من الإعلان عن النتائج، تميزت بطابعها الوفاقي البروتوكولي وبتركيزها على أن الفوز كان فوزاً للديمقراطية ولفرنسا، كل فرنسا، لا لفئة على فئة، وأن هنالك فرنسا واحدة لا أكثر، وأن الفرنسيين قد اختاروا. إلا أن هذه الكلمات تظل بعيدة عن التطابق مع الواقع، لأن نيكولا ساركوزي لم ينل في النهاية غير تأييد أقل من نصف الفرنسيين، إذا ما أضفنا إلى الأصوات التي حصل عليها اليسار، نسبة الـ15 في المئة من المقترعين الذين لم يشاركوا في عملية الاقتراع، والذين لا يمكن بحال من الأحوال اعتبارهم مؤيدين للرئيس المنتخب.
فلا يمكن والحال تلك، أن تكون فرنسا، كل فرنسا، قد انتصرت، وأن يكون الفرنسيون، كل الفرنسيين، قد اختاروا (ساركوزي). والأهم من ذلك، كيف يمكن أن نفهم هذه الوحدة الفرنسية في ظل ساركوزي، على ضوء أحداث العنف التي شهدتها فرنسا فور إعلان النتائج؟
ففي حين كان مؤيدو ساركوزي يحتفلون بالفوز في ساحة الكونكورد، كانت ساحة الباستيل على بعد مئات الأمتار تشهد حالة من الغضب الحقيقي. والغضب امتد إلى بقية الساحات في العاصمة والضواحي وجميع المدن والمناطق الفرنسية الأخرى.. وهو أسفر حتى صبيحة الاثنين، أي خلال الليلة التي تلت إعلان النتائج، عن إحراق ما يقرب من 400 سيارة، ما ذكّر بحرب الضواحي التي شهدتها فرنسا في أواخر العام 2005، والتي اندلعت في ظل التوترات التي نشأت عن السياسات العنصرية وغير الاجتماعية التي اعتمدها ساركوزي، يوم كان وزيراً للداخلية.. وقد بلغ الموقوفون في تلك الليلة نحو 270 معتقلاً. أما أشكال الشغب فتراوحت بين إحراق السيارات وتحطيم الواجهات والهجمات على مراكز الاقتراع، في حين ووجه المتظاهرون من قبل رجال الشرطة بالهراوات وخراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع، لتسفر المواجهات عن جرح المئات من المتظاهرين ورجال الشرطة.
والغضب الكاشف عن الانقسام الحاد في "فرنسا الواحدة" كان متوقعاً من قبل السلطات. وللحد من تفاعلاته رُفع عدد أفراد شرطة مكافحة الشغب بنسبة 70 في المئة، وغيرهم من رجال الشرطة والدرك بنسبة 300 في المئة، عما هم عليه في الظروف العادية.
والغضب نفسه كان بارزاً في الضواحي التي لم يتمكن ساركوزي من دخولها خلال جولاته الانتخابية لأسباب، منها ما أطلقه من تصريحات وصف فيها أبناء المهاجرين بألفاظ من قبيل "الحثالة" و"الأوباش" و"ذوي الروائح الكريهة".
وقبل أيام قليلة من انتخابه، كان اعتماد الخطاب البوليسي من قبل ساركوزي لا يزال على أشده، حيث طالب بإنزال عقوبات نموذجية بالجناة الذين قاموا باغتصاب ثلاث من مجندات الشرطة، ليعمم انطلاقاً من ذلك، هجومه على من أسماهم بحفنة من الأوباش الذين يظنون أنفسهم فوق القانون. علماً بأن مثل هذا الكلام يفهم مباشرة في الشارع الفرنسي على أنه موجه إلى مجمل الفرنسيين والمهاجرين من ذوي الأصول المغاربية والأفريقية.
وإذا كان من الواضح أن ساركوزي الذي استحدث وزارة الهجرة والهوية الوطنية، ووعد بوزارة تعتمد أساليب أكثر "انتقائية" في مجال الهجرة والإقامة والتجنيس، يسعى إلى اللعب على الوتر الشوفيني ويلوح بالهراوة البوليسية لخلق مناخ وحدوي على أساس استعداء المهاجرين من العالم غير الأوروبي وغير المسيحي، فإن أصواتاً عديدة ترتفع في فرنسا لتعلن عداءها لهذا المنطق. ومن الأمثلة المباشرة على ذلك بيان وُزع عشية الانتخابات وشرح أسباب الكراهية التي تشعر بها قطاعات فرنسية عديدة تجاه أجهزة الشرطة.
والواضح أن ملف المهاجرين الشائك ـ الذي أثارت معالجة ساركوزي له بالطرائق البوليسية ثورة الضواحي الأخيرة ـ ليس وحده المسؤول عن الانقسام الحاد في الشارع الفرنسي، فالبطالة وأعمال التسريح واسعة النطاق وتراجع مداخيل الفئات الشعبية منذ بدء العمل باليورو، وما أدى إليه ذلك من استنكاف الفرنسيين عن التصويت لمصلحة الدستور الأوروبي، تعكس أزمة النظام الذي قاده جاك شيراك خلال اثني عشر عاماً، والذي كان ساركوزي بين أبرز مهندسيه.
والتغيير الذي وعد به ساركوزي والمتمثل بالمزيد من التضييق على المهاجرين لتنقية الهوية الفرنسية، وبالمزيد من الإجراءات الليبرالية في المجال الاقتصادي والاجتماعي، لن يكون في غير اعتماد المزيد من هذه الإجراءات التي ستؤدي حتماً إلى المزيد من تعميق عدم التكافؤ بين الفرنسيين.
كما أن أي إجراءات تُتخذ بهدف التضييق على المهاجرين لن تكون في مصلحة فرنسا على المستوى الاقتصادي، وإن كان الفهم التبسيطي الشائع في أوساط اليمين يختصر المشكلة عبر تصويرها من خلال القول بأنهم "يأتون إلى بلادنا ليأكلوا خبزنا".
فالحقيقة أن المهاجرين لم يسهموا إسهاماً أساسياً في رفع قواعد الاقتصاد الفرنسي من خلال عملهم في القطاعات المنتجة فحسب، بل إن وجودهم أصبح ـ مع التزايد المطرد في أعدادهم ـ ضرورة أولية لاستمرار حياة المؤسسة الاستهلاكية أيضاً.
فقد تبين في إطار التجارب التي أجريت قبل سنوات للحد من وجود المهاجرين عبر ترحيلهم والتعويض عليهم، أن الأحياء التي رُحّلوا عنها شهدت انهياراً حقيقياً تمثل بإقفال المدارس والمتاجر وقطاعات الخدمات الأخرى بسبب النقص الكبير الذي طرأ على مستوى أعداد السكان ممن كان وجودهم يسمح لتلك المؤسسات بالاستمرار في الوجود. فالمشكلة تحتاج إذاً إلى حلول تستند إلى الاعتراف بالآخر واحترامه وعدم السعي لتجريده من حريته الدينية والثقافية باسم الاندماج ضمن إطار هوية فرنسية قد تحتاج إلى إعادة التعريف، وخصوصاً أن الفرنسيين كثيراً ما يحلو لهم التباهي بالكوزموبوليتية (تعددية الهويات والانتماءات القومية والدينية).
والأكيد أن الحلول المتوخاة هي أبعد ما تكون عن عقلية ساركوزي، كما عبرت عن ذاتها في مسيرته السابقة، اللهم إلا إذا كان التغيير الذي جعله في مقدمة شعاراته الانتخابية سيشتمل أيضاً على تغيير في تلك العقلية.    
هذا لجهة السياسات الفرنسية الداخلية، أما لجهة السياسات الفرنسية الخارجية، فإن استقراءها ممكن عبر موجة التأييد التي جاءته من الرئيس الأميركي بوش، والتي رد عليها ساركوزي بطمأنة أميركا إلى أن بمقدورها أن تعتمد على صداقة فرنسا لها. وإذا كان قد أضاف أن الصداقة لا تلغي التفكير المغاير، فإن الموقف الحقيقي لساركوزي قد ظهر قبل أشهر، عندما أعرب أمام الرئيس بوش عن خجله إزاء موقف فرنسا الرسمي من الحرب على العراق، ما يدعو إلى التساؤل عما إذا كان الرئيس الفرنسي الجديد يفكر بمسح العار عن بلاده عبر إرسال جنود فرنسيين إلى هناك، لعلهم يعدلون كفة الحرب لمصلحة بوش!
وإذا انتقلنا من هذا المنطق الافتراضي إلى أرض الواقع، فإن سياسة ساركوزي الخارجية، وخصوصاً في مجال الحرب على ما يسمى بالإرهاب، قد وضعت أمام المحك الصعب. ففرنسا التي تشارك في الحرب على أفغانستان والتي قُتل العشرات من جنودها هناك، تلقت عشية الانتخابات دعوة من حركة طالبان إلى جدولة انسحابها من أفغانستان مقابل إطلاقها عددا من الأسرى الفرنسيين، وإلا فإن طالبان ستلجأ إلى إجرائها الذي بات معروفاً.
والأرجح أن ساركوزي المتحمس لأشكال العقاب الأكثر قسوة، سيختار عدم القبول بخيار الجدولة، ما سيدفع إلى المزيد من التورط الفرنسي في أفغانستان في وقت ظهرت فيه النتائج الوخيمة لهذا التورط من قبل الأميركيين وقوات التحالف في العراق وأفغانستان والصومال. وبذلك يكون ساركوزي مصرّاً على تقاسم الهزيمة مع بوش، وهي هزيمة لا تليق برجل التغيير في أوائل أيام حكمه.
إذاً هنالك ما يوحي بأن ساركوزي قد سمع كلام بوش عندما طالبه برسم دور جديد لفرنسا في العالم، أي دور مختلف عن دورها في "أوروبا القديمة" المعادية للحرب على العراق، وفقاً لتعبير رامسفيلد.
أما بالنسبة الى "إسرائيل"، وساركوزي هو أول يهودي يحكم فرنسا بشكل مباشر، فقد أعلن أمام السفراء العرب بأنه صديق لـ"إسرائيل" وللعرب.. (ولكن بنسب متفاوتة، على ما جرت عليه العادة)، وبأنه مع دولة فلسطينية ومع ضمان أمن "إسرائيل"، (أي مع دولة فلسطينية مهمتها ضمان ذلك الأمن). أما ثالثة الأثافي، فموقفه المعروف من حزب الله الذي وصفه أكثر من مرة بأنه إرهابي، وبأنه المعتدي في حرب تموز، بينما "إسرائيل" معتدى عليها.
ويبقى الموقف من الملف النووي الإيراني على حاله، حيث عادت مجموعة (5 + 1) ومنها فرنسا، إلى المطالبة بتشديد العقوبات في وقت يدعو فيه العديد من المراقبين الغربيين حكوماتهم إلى الليونة في هذا المجال، لأسباب ليس أقلها أن التهويل والعقوبات لن يزيدا إيران إلا إصراراً على موقفها، ولن يزيدا أميركا وحلفاءها غير الوهن في ظل عجزهم عن المواجهة العسكرية بعد ورطة العراق وأفغانستان وغيرهما من الورطات.
السؤال الأخير هو: إلى متى سيستمر ساركوزي في حكم فرنسا، في وقت تتسارع عمليات الخروج من الحكم لأفراد الجوقة التي اختار الانضمام إليها بلير بعد شهر، بالتزامن مع شيراك، وربما مع أولمرت وبيريتس ورايس التي سبقها تينيت ورامسفيلد وبولتون، والتي سيلحقها وشيكاً كل من تشيني وبوش نفسه، في مدة أقصاها عام ونصف، إذا لم ينفلق الوضع العراقي عن مفاجآت تقرب أجل ابتعاده.
عامداً متعمداً اختار ساركوزي جوقة الفاشلين، فإلى أين يمكنه أن يصل؟ ومن يدري، بعد أعمال الشغب التي ضربت فرنسا منذ اليوم الأول لولايته، إلى أين ستصل الأمور عندما يبدأ بتنفيذ إجراءات التغيير المنشود؟
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1214 ـ 11 ايار/مايو2007

2007-05-11