ارشيف من : 2005-2008

تواتر النبوات وتجددها : الإسلام كدينٍ خاتم

تواتر النبوات وتجددها : الإسلام كدينٍ خاتم

الإسلام هو الاسم الذي أطلقه الله تعالى على الدين الذي أوحى به إلى جميع أنبيائه ورسله هداية منه لبني البشر ورحمة بهم. يقول تعالى في كتابه الكريم: "إن الدين عند الله الإسلام". وفي آية أخرى: "ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين". وجوهر الإسلام وحقيقته هو التسليم لله تعالى والخضوع التام لإرادته والإذعان لمشيئته والانقياد له وحده والالتزام بتعاليمه وأحكامه.
بكلمة واحدة: الإسلام هو أن تعبد الله وحده عبادة خالصة، وقد نطق القرآن الكريم بهذا المعنى على لسان جميع الأنبياء.
قال نوح عليه السلام لقومه: "إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين".. وقال إبراهيم عليه السلام: "إذ قال له ربّه أسلم، قال أسلمت لربّ العالمين، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بَنِيّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون".. فأجاب أبناء يعقوب: "قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون". ويقول تعالى على لسان موسى: "وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين"، "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا".
وأجاب الحواريون عيسى عليه السلام: "نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون".
ولكن دعوات الأنبياء للإسلام وإن التقت جميعها على الغاية نفسها، وهي العبادة الخالصة لله عزّ وعلا، إلا أنها امتاز بعضها عن بعض بالمنحى الذي نحته أو السبيل الذي سلكته باتجاه غايتها.
هذه المناحي أو السبل المتنوعة والمتعددة لدعوات الأنبياء هي ما  أطلق القرآن عليها اسم الشرائع. يقول تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات".
والشريعة لغة معناها الطريق البيّنة المفتوحة باتجاه الهدف. قال بعضهم: سُميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء، لوضوح طريق الماء عندهم بكثرة الورود والصدور. والمنهاج هو المسار (خط السير على الطريق) أو المعالم على جانبي الطريق لهداية السائر. والشريعة كمفهوم ديني هي هذه الرسالة الإلهية التي يبعث الله بها هذا النبي أو ذاك ويدعو قومه للعمل بمحتواها طاعة لله بما يضمن لهم الخلاص في الدنيا والنجاة في الآخرة.
أما التعدد في الشرائع الإلهية فمردّه إلى حالة الترقي والتكامل الإنساني التي تتدرج فيها البشرية حيناً بعد حين من عمرها المديد. وهي في ذلك لا تختلف مطلقاً عن الفرد الواحد الذي تأخذ شخصيّته بالنمو والتطور إلى حين بلوغها ما يعرف بحال النضج، أو بكلمة أوضح تفتح كامل الأبعاد الإنسانية في شخصيته. وعليه فكل شريعة إنما كانت تأتي لتتناسب مع درجة النضج الإنساني الذي كانت عليه البشرية عند كل مقطع زمني من عمرها، فإذا ما بلغ نضجها شوطه الأخير خُتِمت الشرائع بأكمل شريعة منزلة عل خاتم النبيين، نبينا محمد (ص)، في كتاب الله المجيد القرآن الكريم.
قال تعالى: "ما كانَ مُحمَّدٌ أبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِن رَسُولَ الله وَخاتمَ النَبِيّين وكان اللهُ بِكُلّ شَيءٍ عَليْماً". وقال عزّ من قائل: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً".
تجدر الإشارة هنا إلى أن ختم النبوات بنزول الشريعة الكاملة، لا يعني استغناء البشرية عن هداية الله، بل يعني أن هذه الشريعة هي الشريعة الخالدة وهي ستبقى مصدر هداية للبشر ما قامت السماوات والأرض لما انطوت عليه من أحكام حياتية نهائية تتعالى على الزمان والمكان، ومستوعبة جميع تطورات الحياة وتغيراتها.
أما موقع الشرائع السابقة من الشريعة الكاملة ونوع العلاقة بينهما فتبينه الآية الكريمة: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه". فهي من جهة مصدقة لما جاء قبلها من شرائع، لكنها من جهة ثانية تمارس الهيمنة عليها. وتصديقها لها يعني أنها جامعة لمتفرقاتها إضافة لما تختص بها وحدها. وهذا ما أشارت إليه الآية التالية: "شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه".
وهيمنة الشيء على الشيء كون الشيء ذا سلطة على الشيء في حفظه والتصرف فيه، وهذا حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه تبيان كل شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية: يحفظ منها الأصول الثابتة غير المتغيرة وينسخ منها ما ينبغي ان ينسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرق إليها التغير والتبدل، حتى يناسب حال الإنسان بحسب سلوكه سبيل الترقي والتكامل الإنساني بمرور الزمن.
فالهيمنة متممة للتصديق، إذ لولاها لأمكن لأحدنا أن يتوهم من تصديق القرآن للتوراة والإنجيل أنه يصدّق ما فيهما من الشرائع والأحكام تصديق إبقاء من غير تغيير وتبديل، لكن توصيفه بالهيمنة يبين أن تصديقه لها تصديق أنها معارف وشرائع حقة من عند الله، ولله أن يتصرف فيها بما يشاء من النسخ والتكميل. فقوله: "مصدّقاً لما بين يديه" معناه تقرير ما فيها من المعارف والأحكام بما يناسب حال هذه الأمة، فلا ينافيه ما تطرق إليها من النسخ والتكميل والزيادة، كما كان المسيح أو إنجيله مصدّقاً للتوراة مع إحلال بعض ما فيها من المحرّمات، كما حكاه الله عنه في قوله تعالى: "ومصدّقاً لما بين يديّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حُرّم عليكم".
إسماعيل زلغوط
الانتقاد/ العدد1214 ـ 11 ايار/مايو2007

2007-05-11