ارشيف من : 2005-2008

مخالفة قضائية تستحقّ التنويه: تسليم جعجع الأسرى للعدوّ خيانة وعمالة

مخالفة قضائية تستحقّ التنويه: تسليم جعجع الأسرى للعدوّ خيانة وعمالة
وضعت القاضية غادة عون مخالفة صريحة على هامش القرار الصادر في الدعوى المقامة من الأسرى المحرّرين الخمسة على رئيس الهيئة التنفيذية في "القوّات اللبنانية" سمير جعجع، يصحّ اعتبارها حكماً بحدّ ذاته لما تضمّنته من بحث قانوني مطوّل أفردت فيه للعقل مكاناً وللمنطق حيّزاً، بعيداً عن الحسابات السياسية والضغوط التي تُمارس عادةً في ملفّات تحمل في طيّاتها رائحة سياسية ما.
فبعد المغالطة الكبرى التي وردت في سياق قرار قاضي التحقيق الأول في بيروت عبد الرحيم حمود ومن ثمّ الهيئة الاتهامية وعون عضو فيها، حيث ذكر أنّ دور جعجع على فرض قيامه به "وفي حال ثبوت حصوله"، انتهى بتسليمه الأسرى الخمسة: أحمد محمّد طالب، وحسين محمّد طليس، وأحمد بهيج جلول، وحسين أحمد رميتي، وحسين بهيج أحمد، إلى العدوّ الإسرائيلي في العام 1990، ولم تعد له السلطة لتقدير مسألة استمرارهم في الحجز أو الإفراج عنهم.
وكأنّ القرار القضائي يقول إنّ المدعى عليه سمير جعجع سلّم الأسرى المحرّرين لسلطة أمنية في وطنه كالجيش اللبناني أو قوى الأمن الداخلي حتّى يزول الخطف وينتهي، وليس العدوّ الإسرائيلي الذي كان يرتبط معه بعلاقات جاهر بها ولم تكن خافية على أحد. وكأنّ القرار القضائي يعترف من حيث لا يدري وبحسب التفسيرات لمدلول كلماته وسياقها العام، بسلطة هذا العدوّ، وهذا مخالف للدستور والقوانين ولمنطق الدولة اللبنانية التي تعتبر "إسرائيل" عدواً ولا تزال في حال عداء معها.
والعاقل يسأل: لو لم يقم جعجع "الآمر الناهي" في "القوّات اللبنانية" بتسليم المدعين الأسرى، لما بقوا عشر سنوات في السجون الإسرائيلية، وبالتالي فإنّ عملية التسليم أطالت أمد الاعتقال والخطف وحجز الحرّيّة. وتعتبر ميليشيا "القوات اللبنانية" المسؤولة الوحيدة عن هذا الجرم الذي يعاقب عليه القانون، ومن كان متولّياً زمام القيادة فيها، أي جعجع وسواه، لأنّ جرم الخطف قانوناً هو من الجرائم المتمادية التي لا تسقط ما دام حجز الحرّيّة قائماً ومتواصلاً. وقد خرج الأسرى من سجن حيفا الإسرائيلي في العام 2000، أي منذ سبع سنوات، ولم يمرّ الزمن العشري على هذه الجناية.
وهذا ما ذهبت إليه القاضية عون في مخالفتها الجديرة بالقراءة، وأضافت عليه فقالت إنّ "التوصيف القانوني للجرم المدعى به ينطبق بشكل رئيسي على جناية دسّ الدسائس لدى العدوّ"، أو الاتصال به، أي جرم المادة 275 من قانون العقوبات معطوفة على جرم الخطف المنصوص عليه في المادة 569 من قانون العقوبات، لأنّ "الفعل الجرمي المسند إلى المدعى عليه لم يقتصر على القيام بحجز حرّيّة المدّعين فترة قاربت ثلاث سنوات، إنّما تجاوز ذلك إلى الإقدام على الاتصال بالعدوّ والتعاون معه وتوفير المعلومات له والوسائل المتاحة للقبض على المدعين واحتجاز حرّيتهم فترة طويلة استمرّت عشر سنوات بقصد مساعدة هذا العدوّ ضدّ فريق لبناني سياسي التزم أعمال المقاومة ضدّه".
وزادت عون فقرة أخرى في مخالفتها الواضحة، فأكّدت أنّ جرم الخطف وجريمة الخيانة متصلان وغير منفصلين، "فالمصلحة المقصود حمايتها في الجرائم موضوع الدعوى الراهنة تتناول بشكل رئيسي معاقبة الاعتداء على أمن الدولة الخارجي المتمثّل بالاتصال بالعدوّ بقصد معاونته ضدّ مصالح الدولة اللبنانية، أو ضدّ مصلحة فريق من اللبنانيين، فلا يكون لجرم الخطف والحالة ما ذكر، كيان مستقلّ عن جريمة الخيانة المنصوص عنها في المادة 275 عقوبات، لأنّ النيّة الجرمية لدى المدعى عليه اتجهت بوضوح إلى التعاون مع العدوّ عن طريق خطف المدّعين بقصد تسليمهم إليه".
وبالتالي فإنّه يتوجّب ملاحقة جعجع بجريمة الخيانة، وهذا من اختصاص القضاء العسكري وليس القضاء العدلي العادي.
هذا ما قالته القاضية عون من دون مواربة أو محاباة، ويمكن استخدامه ضدّ جعجع حتّى لو حالت التدخّلات السياسية دون ملاحقته في هذه الدعوى.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد 1215 ـ 18 ايار/مايو2007
2007-05-18