ارشيف من : 2005-2008

تعويضات السنيورة للمصنع المحسوب فقط : الزراعة في البقاع: من الإهمال الى الدمار

تعويضات السنيورة للمصنع المحسوب فقط : الزراعة في البقاع: من الإهمال الى الدمار

الزراعة في لبنان قطاع تعتاش عليه نسبة كبيرة من الشعب اللبناني. وتزداد هذه النسبة في الارياف، وخصوصاً في منطقة البقاع، حيث تصل نسبة الذين يشتغلون بالزراعة الى نحو سبعين في المئة.
وفي كل عام للمزارع مع مورد رزقه شؤون وشجون، لتتكوّن سلسلة متواصلة من المشاكل يتوارثها الابناء عن الآباء، كما تتوارثها الحكومات المتعاقبة. وكما تتجدد الزراعة كل عام كذلك كل عام لها نكهة معينة ومشاكل خاصة ونتائج وحسنات وسيئات.

العنوان الأبرز هذا العام هو موضوع التعويضات والخسائر التي أصابت الزراعة والمزارعين جراء العدوان الاسرائيلي على لبنان. وحتى اليوم لم تحرك الدولة ساكناً، بل تجاهلت هذا الامر كلياً لتتدنى نسبة الاراضي المزروعة الى حد كبير، فيما خرج من لعبة الزراعة كثير من صغار المزارعين الذين لم يتمكنوا هذا العام من الاستدانة بسبب عدم تمكنهم من جني موسم العام الماضي او تصريفه بسبب العدوان، وبالتالي عدم قدرتهم على ايفاء الديون، فيما سقط منهم شهداء او جرحى ومتضررون في حقولهم اثناء عملية جني المحصول.
وإذا انطلقنا من المعاناة الرئيسية التي تعانيها الزراعة في لبنان نجدها في غياب الدولة بشكل شبه كامل عن كل ما يمت الى الزراعة بصلة. ويكفي النظر الى ميزانية وزارة الزراعة لنعرف مدى اهتمام الدولة بهذا القطاع، اذ تساوي واحدا في المئة فقط لنحو 70% من المواطنين الذين يعملون في هذا القطاع.
جهاد البناء
ويشير مركز الشهيد السيد عباس الموسوي للإرشاد الزراعي في بعلبك الى ان ضعف عملية الارشاد الزراعي واعتماد المزارعين الذين يعانون نقص الخبرة الفنية على أنفسهم في كل القرارات التي تتعلق بدورة الانتاج، وهذا ما يفسح الطريق امام القطاع الخاص نتيجة عدة أسباب، فيحل هذا القطاع محل وزارة الزراعة.. اضافة الى غياب الابحاث العلمية الزراعية والدراسات الاحصائية للواقع الزراعي والمراجعة الدورية الفاعلة للسياسات الزراعية المتبعة، حتى أصبحت مؤسسات البحث العلمي في لبنان مجرد مصدر لاستدرار الهبات والقروض.
يقول المهندس الزراعي في جهاد البناء علي الموسوي: "نتيجة لذلك تدنت نسبة مساهمة القطاع الزراعي في الدخل الوطني خلال السنوات العشرين الماضية الى 7%، كما تدنت نسبة العمالة الزراعية الى 7.5% منذ التسعينيات.. وتبلغ نسبة الصادرات الزراعية من مجمل الصادرات اللبنانية نحو 17%، هذا اضافة الى تقلص مساحة الاراضي الزراعية المستغلة لحساب البناء او الهجر".
كما تعاني الزراعة اللبنانية من غياب السياسة الزراعية الواضحة، ومن غياب مشروع التنمية الريفية، الى جانب ارتفاع كلفة الانتاج، خصوصاً المواد الأولية اللازمة للعملية الزراعية، ومنها صفيحة المازوت التي ارتفع سعرها خلال سنوات قليلة أضعافاً مضاعفة (18000 ل.ل) في عز الموسم الزراعي، وهذا يدفع للقول بأن المزارع  (يروي مازوتاً بدل الماء). أضف لذلك فشل نظريات التسويق المتبعة التي تشهد نجاحات في بعض الظروف ولا تستند الى أسس منطقية ولا يمكن تحليلها منطقياً، وهذه تتعلق بطبيعة العجائب اللبنانية.
عدوان تموز

لقد تعرّض القطاع الزراعي في لبنان لأضرار خلال الحرب لا تقل خطورة عن الأضرار التي لحقت بالقطاعات الأخرى، وهذه الأضرار انقسمت الى قسمين بحسب مركز الشهيد السيد عباس الموسوي للإرشاد الزراعي:
أضرار زراعية مباشرة، حيث أصيبت بعض المزارع اصابات مباشرة بالقصف الصهيوني، على غرار ما حصل لمزارع الابقار والدواجن في البقاع، وبعض الحقول والبساتين. يضاف الى ذلك كساد المحاصيل بسبب القصف الذي حال دون وصول المزارعين الى حقولهم 33 يوماً، ما أثقل المزارع بالديون التي لم يتمكن من تسديدها لهذا العام، وأدى فعلياً الى استمرار مفاعيل الحرب بسبب انتشار القنابل العنقودية (خاصة في بعض مناطق بعلبك ـ الهرمل)، حيث نفقت الحيوانات وتلفت المزروعات وهجر النحل القفران.
بلغت قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة الواقعة على المزروعات نتيجة العدوان الصهيوني ما مقداره مئة وواحد وأربعون مليون دولار، وبلغت أضرار الثروة الحيوانية ما قيمته 12 مليونا و238 و726 دولارا (87% أضرارا مباشرة و13% أضرارا غير مباشرة).
الترشيشي

رئيس نقابة الفلاحين والمزارعين في البقاع ابراهيم الترشيشي قال لـ"الإنتقاد" ان موضوع التعويضات الزراعية عاد الى التداول، خاصة بعد ان تحدث بالموضوع سماحة السيد حسن نصر الله في مقابلته الأخيرة التي أكد فيها عدم نسيان الأمر. وفي الواقع نحن كمزارعين نشكره على هذه اللفتة الكريمة، لأننا بالفعل بتنا نشعر بأن تعويضات القطاع الزراعي صارت في عالم النسيان، ولكن بعد كلام سماحة السيد شعر المزارعون بارتياح كبير، وهو ما طمأن العاملين في هذا القطاع ودفعنا كنقابات للعودة الى التحرك والمطالبة بهذه الحقوق".
 ويشير الى أنه "بعد المؤتمر الصحافي للرئيس السنيورة واستعراضه الأرقام والمدفوعات، تمنينا ان نسمع عن أي تعويضات صرفت للمزارعين او الطريقة او الوقت الذي سيحدد للدفع، قريباً كان او بعيداً، ولكن للأسف لا حصل لا هذا ولا ذاك".
وعبر الترشيشي عن حال الارتباك الذي يعيشه المزارعون فقال: "في الواقع كلما تقدمنا الى الامام نترحم على الماضي، كنا نقبل بوزارة زراعة بميزانية متدنية، اما اليوم فإننا نبحث عن وزارة الزراعة! ونحن كقطاع زراعي نشعر بأننا أيتام، بحيث ان الوزير المستقيل لا يمارس أعماله، والوزير المكلف لا يعتبر ان الأمر يعنيه الا بما يخص ما يخدم سياسته".
وأشار الترشيشي الى مشكلة الشاحنات الأخيرة على الحدود، والتي انتهت بعد اتصال من وزير الزراعة المستقيل طلال الساحلي مع الوزير السوري. وأضاف: "بغياب وزير يحاور وزيرا كيف نحلّ مشاكلنا". ودعا الى "عدم وضع كل المشاكل في اطار السياسة، فالسوريون ليسوا أعداءنا، كيف نقول لهم تعالوا لنتفاهم وفي الوقت نفسه نقول إنكم أعداؤنا".
ورأى الترشيشي انه "يجب ان يكون هناك طرائق لمحاورة الاخوة السوريين، ولا يمكن ان تحصل المشاكل بالعنترية والاستنكاف ونترك الطرف السوري من دون محاور، وحينما يوجد هذا الطرف المحاور يحصل التجاوب وتقدم التسهيلات ويحاول مساعدتنا على حل المشكلة".
وعن تداعيات العدوان على المزارع قال: "لقد اعتدى الصهاينة على مؤسساتنا ومزارعينا وآلياتنا، ولا يمكن ان ننكر الاعتداء على كل مزارع في أرضه، على عائلته وأولاده.. أرادوا تهجيره، ولكن النتيجة كانت عكسية، فالمزارع صمد في أرضه، وبعضهم استشهد والآخر خسر مؤسسته، وبعضهم تلف موسمه، ومع ذلك لم يترك أي مزارع أرضه".
أضاف: "اليوم المزارع يحاول ان يعيش ويتعايش مع الدورة الزراعية الجديدة، ولكن الامكانيات قليلة والخسائر ظهرت بوضوح على هذا القطاع".
ويؤكد الترشيشي ان "خمسين في المئة من المزارعين لم يتمكنوا من شراء بذار البطاطا هذا العام، أولاً لغلائه وقلّة الامكانيات مع المزارعين". لافتاً الى أن "كثيراً من المزارعين لا يمكنهم ان يشتغلوا في الزراعة مرة أخرى، وإذا لم يعوّض عليهم من قبل الدورة الزراعية يصبحون خارج القطاع".
ويعتبر أن "البقاع على بوابة الانتاج لهذا العام، وما هي الا أيام وتبدأ الغلال"، معرباً عن تفاؤله بالنسبة الى البطاطا، لكون نسبة الاراضي المزروعة قليلة هذا العام، وقد تكون أسعارها جيدة للمزارع (مرتفعة نسبياً)". وتخوّف الترشيشي من "أخبار وردت تفيد ان وزارة الاقتصاد لن تتسلم محصول القمح لهذا العام، وهذه مشكلة، اذ انه لغاية الآن لم يضع وزير الاقتصاد تسعيرة للقمح".
ونبه الترشيشي الى ان "القمح يجب عدم المس بتسعيرته، لأنه سلعة مرتفعة عالمياً وسعره ممتاز. وحذر من إلغاء عشرين في المئة من تسعيرة الدعم التي يفكر بها وزير الاقتصاد".
وطمأن الترشيشي المزارعين الى ان "هناك اتصالات مع بعض المسؤولين لبدء عملية الرش ضد حشرة السونا التي تصيب القمح"، مؤكداً "الحصول على وعد بالبدء بعملية الرش بعد تحسن الطقس، والدواء موجود، وستقوم وزارة الدفاع بتقديم طائرات للرش بتنسيق مع وزارة الزراعة". وأكد رفض المزارعين لأي تعويضات بما يخص القمح ورفض الحسنات والمساعدات، فالمزارع ليس متسولاً، ولكن على الدولة ان تستمر في استلام محصول القمح وتسويقه وبيعه. علماً ان "سعر القمح عالمياً جيد، والدعم ليس بالأمر الكبير".
وعن القيمة المادية لخسائر القطاع الزراعي في البقاع أحال الترشيشي الموضوع على "تقرير منظمة الفاو المكلفة من الدولة اللبنانية والأمم المتحدة، الذي قدر كلفة أضرار القطاع الزراعي جراء العدوان بـ285 مليون دولار، حسب منظمة الفاو، وليس من رقم دقيق في البقاع". معتبراً انه "لو وصل مئة مليون دولار قد تحل أزمة المزارع البقاعي مع المؤسسات التي قصفت، بما فيها معمل الألبان والأجبان العزيز على قلب دولة الرئيس السنيورة، والذي أحضر له مساعدة دون المؤسسات الأخرى والمزارعين، ومع ذلك نحن نضيفه الى التعويضات".
تحقيق وتصوير: عصام البستاني

غياب الدولة يفسح الطريق للقطاع الخاص

في ظل غياب الدولة عن رعاية القطاع الزراعي، فإن المزارع يعتمد في استمرارية عمله على:
1ـ  القطاع الخاص، وبشكل اساسي على الشركات الزراعية الخاصة التي تقوم بتمويل المشاريع الزراعية بتقديم تسليفات مقنعة ومموهة، فالشركات والتجار يقومون بتسليف المزارع على الموسم بسعر اغلى من السعر النقدي..
أما القطاع المصرفي فغائب بشكل شبه تام عن القطاع الزراعي حيث لا تسليفات لكل ما يتعلق بالزراعة.
2ـ تجار اسواق الخضار (الحسبة) فالمزارع يقع تحت رحمة تجار الحسبة بغياب سياسة تسويقية رسمية واضحة تعتمد على الأسس العلمية والواقع الاجتماعي.
3ـ الجمعيات غير الحكومية بغالبيتها تعمل لدول اجنبية، أي ان سبب وأصل وجودها هو الدعم من المنظمات الدولية، وبرامج عملها تفرض من الممول، ويشوبها في الكثير من الحالات المنفعة الشخصية للمقربين في مجالس الجمعيات.
وهناك جمعيات أخرى لا تبتغي من عملها سوى منفعة المزارع والنهوض بالقطاع الزراعي يمارس عليها الحصار وتعاقب على إخلاصها، ولكن إمكانياتها لا تسمح بالتغيير الجذري  أو النوعي على مستوى المشاكل التي يعاني منها هذا القطاع.

جهاد البناء: دور إرشادي ومساهمات مباشرة
انتهاء العدوان الاسرائيلي ضد لبنان على لبنان شكل نقطة البدء للأنشطة الهادفة لإعادة تأهيل القطاعات الزراعية المتضررة من خلال جمعية جهاد البناء، نذكر منها:
1ـ تحسين طريقة حياة المزارعين ومربّي الماشية والنحالين عبر تأمين الحاجات الزراعية وتحسين عملية الارشاد.
2ـ تشجيع المزارعين على تأسيس تعاونيات متخصصة على مستوى عدد من القرى، ما يزيد من قدرتها على التفاوض والتعاقد على مستوى حيز كبير في القطاع، والمحاولة الجماعية لإيجاد اسواق في الخارج او الداخل.
3ـ تشجيع المزارعين للانضمام الى نقابات خاصة بالمحاصيل التي يقومون بإنتاجها لأن النقابات هي التي بإمكانها ايصال صوتهم الى موقع اتخاذ القرار.
4ـ تفعيل دور المرأة الريفية للمشاركة في عملية الإنتاج من خلال تعاونيات المونة.
5ـ توجيه المزارعين نحو الزراعات الأكثر قابلية للتسويق والمنافسة (اضافة اصناف جديدة وزراعات عضوية).
وبعد عدوان تموز قامت مؤسسة جهاد البناء في المجال الزراعي بالعديد من الجهود للتخفيف من وطأة الحرب عبر العديد من الأعمال، ومنها:
ـ توزيع هدايا زراعية رمزية عبارة عن مبيد حشري، مبيد فطري ومغذّ على خمسة آلاف مزارع.
ـ القيام بمعاينات بيطرية مجانية مع توزيع دواء مجاني على الحالات المرضية.
ـ توزيع ادوية لمكافحة بعض الامراض التي تصيب المزروعات.
ـ توزيع مئات الالوف من الاشجار المثمرة والحرجية على الاهالي والبلديات والجمعيات الاهلية.
وحالياً يتم التحضير للقيام بحملة تحصين للماشية ضد مرض التسمم الدموي.
وتقوم مؤسسة جهاد البناء سنوياً بحملات تلقيح للمواشي بما يقارب المئتي الف رأس من مختلف الانواع (تسمم دموي ـ جدري الأغنام ـ الحمى القلاعية).


الجفاف والري
الجفاف وقلة المياه من المشاكل الكبرى التي تواجه المزارع:
المعدل المفترض سنوياً في البقاع 655 ملم.
معدل المتساقطات هذا العام وسطياً 400 ملم.
معدل المتساقطات في تل عمارة 350 ملم.
يتطلب آباراً جوفية عميقة وتكاليف باهظة، وترافقه اسعار مرتفعة للمازوت (18000 ل.ل)
  
الانتقاد/ العدد 1215 ـ 18 ايار/مايو2007

2007-05-18