ارشيف من : 2005-2008
المحكمة سيف مسلط ومادة بيع وشراء في بازار التسويات الاقليمية
شكلت رسالة رئيس الحكومة اللاشرعية فؤاد السنيورة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون التي يطلب فيها إقرار المحكمة في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وفق الفصل السابع، القشة الأخيرة التي أراد فريق السلطة من خلالها رهن مصير البلد للمشروع الأميركي للهيمنة على المنطقة، وجعل هذه المحكمة سيفاً مسلطاً على قوى ودول الممانعة، ولاحقاً "مادة بيع وشراء" في بازار التسويات التي يعمل الأميركي على انجازها مضطراً في سياق سعيه لإنقاذ ما يمكن انقاذه من مشروعه المتهالك انطلاقاً من وحول العراق التي غرق بها بعد أربع سنوات على احتلاله لهذا البلد، ولم يعد من مخرج له منها إلا بالحوار المباشر مع كل من إيران وسوريا وفق ما كانت أوصت به لجنة بيكر ـ هاملتون.
وفي هذا السياق تقرأ مصادر متابعة الاسراع الأميركي لنقل ملف المحمكة الى مجلس الأمن والعمل على إقرار نظامها في غضون الأسبوعين المقبلين، حيث تتزامن هذه الخطوة مع دخول الولايات المتحدة في مفاوضات مباشرة مع كل من ايران وسوريا حول ملف العراق، وتريد أن تضع أوراق ضغط في يدها خصوصاً تجاه السوريين، حيث يجري الحديث عن جولة جديدة من المفاوضات بين الطرفين لن تقتصر على ملف العراق بعد اللقاء الذي عقد في مؤتمر شرم الشيخ بين وزير الخارجية السوري وليد المعلم ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، حيث يستعد الرئيس الأميركي جورج بوش لزيارة الفاتيكان، ومن ثم سيوفد الفاتيكان وزير خارجيته الى دمشق لنقل وجهة النظر الاميركية حول العديد من القضايا، بينها الوضع في لبنان.
وفي هذا الإطار ترى الأوساط المتابعة أن زيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد ولش الى بيروت جاءت بهدف ابلاغ أركان فريق الرابع عشر من شباط بهذا المنحى، وأن واشنطن ستعتمد مصلحتها في كيفية استخدام ملف المحكمة، وما على هذا الفريق الا دفع المزيد من الفواتير المطلوبة في ما يتعلق بالوضع في لبنان، بعدما طمأنتهم واشنطن الى نقل ملف المحكمة الى مجلس الأمن وإقرارها قريباً. ومن هذه الفواتير المطلوبة استمرار الحملة على المعارضة، وتحديداً تجاه حزب الله والمقاومة ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو ما جرى تنفيذه عبر البيان المكتوب الذي تلاه نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري في مقر المجلس النيابي خلال سوق الثلاثاء التي يقيمها نواب السلطة، حيث جدد الحملة على الرئيس بري واتهمه بتعطيل المجلس، وتحامل على المقاومة متهماً إياها بجلب الخراب الى لبنان وليس العدوان الصهيوني. واللافت كان وصفه الكيان الصهيوني بالجار الثاني للبنان، وهي اشارة لملاقاة الأنظمة العربية في انفتاحها التطبيعي على الكيان الصهيوني، الذي تسارعت وتيرته بعد اقرار المبادرة العربية في قمة الرياض.
وكما بات معلوماً، فإن نص الرسالة التي بعث بها السنيورة الى مجلس الأمن جرى اعدادها في كواليس المنظمة الدولية من قبل الأميركيين، ووُضعت عليها اللمسات الأخيرة وأرسلت الى السنيورة ليوقع عليها ويعيدها الى المنظمة الدولية وفق ما تقتضيه الرؤية الأميركية، بعدما كان المسؤولون الأميركيون وجهوا لوماً للسنيورة وفريق السلطة لأن الرسائل السابقة التي وجهوها الى مجلس الأمن لم تتضمن طلباً واضحاً لإقرار المحكمة بموجب الفصل السابع، وهو ما جرى تعويضه في الرسالة الأخيرة التي طلبت "إقرار المحكمة في مجلس الأمن وفق صيغة ملزمة". وهي اشارة واضحة الى طلب الإقرار وفق الفصل السابع الذي ينهي السيادة اللبنانية بشكل كامل، ويجعل المحكمة أداة سياسية بيد الأميركيين المهيمنين على قرارات المنظمة الدولية.
رسالة فريق السلطة الى مجلس الأمن لاقت الردود المناسبة من قبل المعارضة التي حذرت مجلس الأمن والأمم المتحدة من اتخاذ قرارات تجر البلد الى الفتنة الأهلية، وتحول المنظمة الدولية الى وسيلة لزعزعة الاستقرار وليس تعزيزه. وفي هذا السياق جاء موقف حزب الله واضحاً وصريحاً على رسالة رئيس الحكومة اللاشرعية فؤاد السنيورة الى الأمين العام للأمم المتحدة، وهو ما عبّر عنه عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي عمار خلال رده على نواب السلطة في سوق الثلاثاء في مقر المجلس النيابي، حيث حذّر مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون من مغبة وخطورة اتخاذ أي قرار يزرع بذور الفتنة بين اللبنانيين. وقال: ان رسالة الفصل السابع تعبر عن ارادة مسبقة من فريق السلطة لتدويل الأزمة ووضع لبنان تحت مقصلة المشروع الأميركي الهادف الى فرض السيطرة والهيمنة الأميركية. وأكد النائب عمار ان سيادة المؤسسات الدولية تتوقف عند سيادة لبنان.
مصادر رئيس مجلس النواب قالت ان إقرار المحكمة في مجلس الأمن لن يقدم أو يؤخر في الأزمة، لأن المحكمة لم تكن يوماً أساس هذه الأزمة التي كانت ولا تزال في الحكومة. وأكدت أن إقرار المحكمة في مجلس الأمن لن يعيد الوزراء المستقيلين الى الحكومة ولن يخرج المعتصمين من ساحتي رياض الصلح والشهداء، ولن يؤدي الى عودة الحوار بين الموالاة والمعارضة، وبالتالي فالأزمة السياسية قائمة، والمسألة الأساسية أنهم يريدون التحكم بالبلد، وليس انشاء المحكمة.
وتقول مصادر المعارضة إن إقرار المحكمة تحت البند السابع في مجلس الأمن على خطورته، فإنه سيحرر المعارضة من اتهامها بتعطيل المحكمة، وهي ستتعاطى مع أي قرار يصدر في هذا السياق كأي قرار دولي مرفوض يمس بالسيادة والثوابت الوطنية، مثل القرار 1559، خصوصاً أنه يشكل بديلاً عن المؤسسات اللبنانية التي ستعين هؤلاء في ظل الأزمة الدستورية وفقدان الحكومة الحالية شرعيتها الدستورية. وماذا عن الجانب الأمني؟ وهل ستصبح الأجهزة الأمنية تأتمر بأوامر المحكمة حول المتهمين والشهود واستدعائهم وما الى ذلك؟ كل ذلك أمور ترى المصادر المتابعة أنها تقود نحو مزيد من التفجير للوضع في لبنان.
في كل الأحوال ترى المصادر المتابعة أن الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حبلى بالتطورات، فإما تتجه الأمور نحو تسويات إقليمية تنعكس إيجاباً على لبنان، وإما يذهب الوضع الإقليمي نحو مزيد من التعقيد، ما سينعكس سلباً على الساحة اللبنانية، حيث الخطط التنفيذية الأميركية جاهزة لسيناريوهات التقسيم والتفتيت انطلاقاً من ملفي تسييس المحكمة والسير بالاستحقاق الرئاسي بعيداً عن الأطر الدستورية، وهو ما سيواجه بقوة من قبل القوى الوطنية.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد 1215 ـ 18 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018