رام الله ـ ميرفت صادق
في 24 نيسان/ أبريل الماضي، وهو اليوم الذي يحتفل به الكيان الصهيوني بما يعرف بـ"إقامة واستقلال دولة إسرائيل"، اختار الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين المهجرين على بعد كيلومترات قليلة من قراهم في الداخل الفلسطيني، إحياء موسم النكبة بالعودة إلى هذه القرى وتفقد "الطواحين وعيون الماء ورفد الصغار بذاكرة تحاول إسرائيل محوها من عقولهم قسرا".
وفي السنة العاشرة على هذا النشاط اختارت جمعية مهجري الداخل الفلسطيني أن تنظم هذا العام مسيرتها السنوية إلى قرية اللجون المهجرة، الواقعة في الزاوية الشرقية الجنوبية لمنطقة الروحة على بعد 18 كلم الى الشمال الغربي من جنين، و22 كلم الى الجنوب الشرقي من حيفا.
يقول المهندس سليمان فحماوي الناطق باسم جمعية مهجري الداخل ورئيس لجنة الدفاع عن أراضي الروحة، إن المشاركة الجماهيرية للاجئين الفلسطينيين في الداخل في مسيرة هذا العام كانت الأكبر، حيث سارع أكثر من خمسة آلاف لاجئ للتسجيل في المسيرة قبل أشهر من موعدها.
وفي كل عام يجمع مهجرو الداخل على زيارة إحدى القرى التي تعرض أغلبها للتدمير والتدنيس من قبل سلطات الاحتلال، وتحولت معالمها الى مقاهي وخمارات وزرائب لمواشي وأبقار المستوطنين.. في حين منع الأهل الأصليون من الوصول اليها فترة طويلة، حتى وإن كان ذلك على سبيل المسيرة والتذكر.
ويضيف فحماوي: إن اختيار المسيرة في يوم الرابع والعشرين من نيسان/ أبريل وليس في ذكرى نكبة فلسطين في الخامس عشر من أيار، كان له مغزى هام، وهو التزامن مع اليوم الذي يحتفل به الاسرائيليون بما يعرف بـ"يوم إقامة اسرائيل"، لإظهار أن هذا الكيان الذي يسمي نفسه واحة الديمقراطية، يحتفل باستقلاله على أنقاض وجراح شعب بأكمله.
250 ألف لاجئ.. و280 قرية
وحسب أحدث إحصائية لجمعية مهجري الداخل، فقد بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا الى مناطق قريبة في الداخل الفلسطيني 250 ـ 260 ألف لاجئ، تبلغ نسبتهم نحو 25% من مجموع السكان الفلسطينيين في الداخل, أو 5% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين.. وإلى جانب قرية اللجون هناك مثالاً الغابسية والمنسي والكفرين شمالي فلسطين، وهذه القرى يسكن أهلها بالقرب منها ولا يبعدون عنها سوى أمتار قليلة. وعندما صدر قرار من محكمة العدل العليا بعودة أهلها اليها عام 1952 عادوا مدة اسبوع، ثم طردوا منها بأمر من الحاكم العسكري في المنطقة، واعتبرها منطقة عسكرية مغلقة ممنوع دخول أهلها اليها.
وحسب الفحماوي يبلغ عدد القرى المهجرة 280 قرية فلسطينية، ويوجد مثلا 20 ألف لاجئ صفوري أصلهم من بلدة صفوريا التي هجروا منها ومنعوا من العودة اليها، ويسكنون في مدينة الناصرة القريبة.
تنظيم المسيرة
ويبدأ تنظيم مسيرة العودة الى القرى المهجرة عادة قبل أشهر من موعدها، حيث تنظم حملة إعلامية مكثفة، ويحدد مكان للتجمع، ومن ثم تنطلق المسيرة برفع أسماء القرى المهجرة والأعلام الفلسطينية فقط. وكما جرت العادة تنطلق المسيرة نحو مكان او مَعلم محدد في القرية المزورة، وهذا العام كانت مقبرة اللجون التي رُممت مؤخرا، ومن ثم موقع الطاحونة في القرية هو مكان التجمع الرئيسي.
وقبل ذلك يقوم اللاجئون بزيارة معظم شوارع القرية، وتوكل للمسؤولين عن تنظيم المسيرة مهمة تعريف اللاجئين، خاصة من الأطفال والفتية والشباب، بمناطق القرية ومعالمها، وتأكيد ترسيخها في ذاكرتهم من خلال روايات لمسنين من أهالي القرية شهدوا نكبة التهجير منها.
وفي العادة تكون المسيرة نحو القرية المحددة، آخر فعاليات يوم العودة الى القرى المهجرة، حيث تنظم منذ الصباح زيارات سريعة لمعظم القرى التي شرد أهلها منها، وتختتم بمسيرة مركزية في القرية المحددة لإحياء الذكرى.
منغصات.. كالعادة
ولم تخل مسيرة اللجون هذا العام من منغصات الاحتلال الذي اشترط عند تقديم طلب ترخيص هذه المسيرة، أن لا ترفع الأعلام الفلسطينية فيها، لكن القائمين على الفعالية رفضوا هذا الشرط وأصروا على استصدار الرخصة دون الالتزام به. وفي يوم المسيرة لم تفلح المحاولات الاستفزازية لبعض المستوطنين من عناصر اليمين المتطرف التي حضرت وحاولت اغلاق الطريق المؤدي الى قرية اللجون بهدف تعطيل المسيرة، اذ أصر الأهالي على متابعة زيارتهم.
وتتزامن عودة المهجرين "الرمزية" الى قراهم المهجرة هذا العام مع حملة تقودها أعلى المستويات في كيان الاحتلال تطالب بترحيل العرب الفلسطينيين في الداخل.. وكان آخرها ما دعا اليه وزير الاستراتيجيات الاسرائيلي "أفيغدور ليبرمان" الذي نادى "بالترانسفير للعرب"، بعد أن خلصت تقارير للشاباك "جهاز الأمن الداخلي الاسرائيلي" الى الحديث عنهم باعتبار أنهم "خطر استراتيجي على دولة اسرائيل".
يقول المهندس سليمان فحماوي: قضية التلويح بالترانسفير للفلسطينيين في الداخل ليست جديدة، بل كانت ولا تزال مخططا اساسيا من مبادئ الحركة الصهيونية التي لوّحت به قبل قيام الكيان الصهيوني واستمرت بهذا التلويح حتى الآن.. وبناءً على ذلك صودرت آلاف الدونمات من القرى المهجرة، وتعرض الفلسطينيون في الأراضي المحتلة لحملات كثيرة من التفرقة والاضطهاد السياسي والفكري والاقتصادي.. وكل ذلك بسبب تمسكهم بحقهم في العيش على أرضهم، ووعيهم المتواصل بحجم النكبة التي ألمت بهم.
ويشير فحماوي إلى ان الحملة التي أطلقتها حكومة الاحتلال ضد المفكر العربي والفلسطيني عزمي بشارة، وهو أحد أبناء القرى المهجرة، تمثل صورة مصغرة فعلا من صور النهج الاسرائيلي الذي يستهدف قمع الوعي الفلسطيني العربي في فلسطين المحتلة، والحد من ظاهرة الفهم الثقافي والسياسي لهذا الجمهور، وتفريغه من ذاكرته وتطلعاته بالعودة.
ولم تقتصر هذه السياسة، كما يقول فحماوي، على المواقف المعلنة عند اليمين الاسرائيلي أو في عهد حكومة أولمرت، بل ان قضية حق العودة تعد أمرا مرفوضا حتى لدى قوى اليسار التي تنادي بالسلام العادل، وهو ما عبر عنه زعيم هذا التوجه يوسي سريد بالقول يوما: "اذا عاد أي لاجئ الى قريته فسأغادر اسرائيل".. وهي السياسة ذاتها التي عبر عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون بشكل مباشر عندما رفض دعوة تقدم بها النائب العربي هاشم محاميد للسماح للاجئين من القرى المهجرة بالعودة الى قراهم.. وأعلن شارون حينها أن هذه الدعوة مرفوضة، ولن يسمح باستصدار أي قرار بهذا الشأن، لأنه لا يريد ان تتحول هذه الخطوة الى "سابقة تاريخية في قضية عودة المهجرين". ويعلق سليمان فحماوي على ذلك بالقول: ان شارون ولو رفض عودة المهجرين، لكنه اعترف "جملة وتفصيلا" بحق عودتهم. مضيفا: "إن شارون ودولة اسرائيل عامة تخاف من التاريخ"، ولذلك تتوارث سياستها ضد حق العودة للاجئين الفلسطينيين من حكومة لأخرى.
الانتقاد/ العدد 1215 ـ 18 ايار/مايو2007