ارشيف من : 2005-2008

إلى ساركوزي عندما بكى

إلى ساركوزي عندما بكى
سيدي الرئيس
يومك الأول، كان يوم الوفاء، لشهداء المقاومة الفرنسية. أبيت أن يكون البروتوكول، فاتحة عهدك، بل تقصّدت أن تنحني في غابة بولونيا، أمام شهادة ذلك الشهيد اليافع البالغ من العمر 17 عاماً فقط. ولكم كنت إنساناً عندما دمعت عيناك، وتلعثمت حنجرتك، تأثراً برسالة الوداع، لذاك الشاب النبيل. وأعلنت من على المنبر، أنك ستطلب من وزير التربية الجديد، أن يعمم هذا النص المؤثر، على مدارس فرنسا، ليتعلم أبناؤها، شرف التضحية عن الوطن.
ولا أبرر تأثري بموقفك بأنني كنت من مؤيديك، فأنا لست من مناصريك، وأنحاز إلى منتقدي سياستك وأسلوبك. نص رسالة الشهيد الذي تلته زميلة من عمره، أدمعت عيني، وشعرت أنني أنتمي إلى فرنسا الحرة التي استبسل شبابها في مقاومة الاحتلال النازي.
واستعادت باريس حريتها... وبعد نصف قرن، فتحت أبواب نصرها الرئاسي أمامك. حرية فرنسا، مدينة لشهداء مقاومتها.
إنما يا سيدي الرئيس، لست أظنك تتأثر كما نفعل، بشهدائنا، فلدينا أمهات يبكين شهداءنا الأموات والأحياء، أمهات صبرا وشاتيلا ينتمين إلى عائلة الحداد. الأسود وطنهن. أولادهن ورجالهن المئات، قتلوا في مجزرة جماعية، امتهن تنفيذها الجيش الإسرائيلي. إن أخواتنا ما زلن ينتحبن على معتقلي مخيم أنصار، ومعتقل الخيام، غولاغ الجنوب وسيبيريا القمع.
إن بكاءنا حميم وعميم وكثير. لم نكفّ عن البكاء. شهداؤنا أكبر من عدد سكان مدننا. لا قرية لبنانية لم تسفك دماؤها. جنوب لبنان، ظل تحت قيد الاحتلال، أكثر من ربع قرن، ودفعت المقاومة رجالاً ونساءً وأطفالاً.
إننا يا سيدي الرئيس، من وطن يدعى قانا مرتين. إننا من بلاد تسمى صبرا وشاتيلا، ومن أمة تدعى كفر قاسم، من أرض مقدسة، طرد منها الأنبياء، والأطفال، تسمى القدس. إننا يا سيدي منذ أكثر من نصف قرن، نتسلق الجلجلة، على أمل القيامة.
نصف جدارنا مزين بصور الشهداء، نصف وطننا ينزف، جغرافيتنا موطن دمائنا، وتاريخنا الحديث يختص بمفردتين: احتلال ومقاومة.
أجمل ما في باريس، ساحات انتصارها على الاحتلال الذي دام خمس سنوات. أبأس ما عندنا، ساحات للاحتفال بالحزن.
سيدي الرئيس
يكاد يتفوق شهداؤنا على شهدائكم، بالعدد والمدة والممارسة وطول الزمن. ومع ذلك، فعندما تجري مقارنة بين أنماط المقاومة، نستشهد بالمقاومة الفرنسية، ضد النازيين.
لنا عينان تقيسان الأمور بنصاب حقيقي. نرى الاحتلال احتلالاً، الاستشهاد استشهاداً، والمقاومة مقاومةً. ونكبر في فرنسا مقاومتها، كما تكبر مقاومة الجزائريين لفرنسا.
ميزاننا عادل وإنساني وصادق ونبيل.
فلماذا لا تسمّون الأشياء بأسمائها؟
لماذا تنحازون إلى الجلاد وليس إلى الضحية؟
لماذا تؤيدون بحماسة منقطعة النظير إسرائيل المحتلة، في حربها ضد المقاومة، أتريدوننا أن نلعن الساعة التي وقفنا فيها نتتلمذ على مبادئ المقاومة الفرنسية؟
لن نفعل ولن نقلد انحيازكم.
لماذا تسمون المقاومة في لبنان وفي فلسطين إرهاباً؟
أتستعيرون لغة النازي عندما أطلق على المقاومة الفرنسية صفة المخربين؟
سيدي الرئيس...
السياسة تغلب الأخلاق أحياناً... إلا عندما يتعيَّن علينا أن نحدد موقفنا من الاحتلال. الموقف الأخلاقي يسبق المصالح السياسية. فهل ستفعل؟
أشك في ذلك... فما زلنا في عالم ينظر إلينا، على أننا لسنا بشراً. فالبشر وحدهم هم العرق الأبيض وأصحاب الثروات والشركات وإسرائيل.
برغم ذلك. سأترجم نص الشهيد الذي كتبه في رسالة الوداع إلى أهله، وأزود به أجيالنا، إلى جانب وصايا رجال المقاومة اللبنانية والإسلامية والفلسطينية والعراقية.
إننا موحِّدون في الشهادة... فيما أنتم مشركون. تشركون مع الضحية الجلاد. وهذا حرام أخلاقياً.
نصري الصايغ
الانتقاد ـ  العدد1215 ـ 18 ايار/مايو2007
2007-05-18