ارشيف من : 2005-2008
ولش في لبنان: دخول سافر على خط الاستحقاق الرئاسي
كتب مصطفى الحاج علي
بوش مضغوط حتى الانفجار، وهو في حالة حصار وليدة حالة الإنكار لحقيقة ما يجري في العراق، وهو يبدو عالقاً اليوم بين مطرقة الحزب الديموقراطي التي لن ترحمه، وسندان الحزب الجمهوري الذي لن يصفح عنه طويلاً. فاللقاء الذي جمع بوش مؤخراً مع أحد عشر نائباً من الحزب الجمهوري، وبحضور نائبه تشيني ووزير حربه غايتس، ووزيرة خارجيته رايس، قال له هؤلاء كلاماً صريحاً وقاسياً: "لم يعد بإمكاننا الاحتمال أكثر، فنحن نخسر جمهورنا في مراكزنا ومناطقنا، وأمامك من الآن وحتى شهر أيلول لتقوم بعملٍ ما، وإلا سنتخلى نحن عنك أيضاً".
الأسئلة التي تفرض نفسها هنا هي التالية: هل سيدفع وضع بوش الآنف إلى تقديم ما يلزم من تنازلات للحصول على المخرج المشرف من معضلته العراقية، أم أنه سيكابر، ويحاول الهروب إلى الأمام باتجاه مأزقٍ جديد يكون عبر فتح المواجهة العسكرية مع إيران؟
لنفصل أكثر الأسئلة الآنفة:
إن ميزان جدية الانفتاح الأميركي على التسويات يتحدد بالعناصر الرئيسة التالية:
أ ـ إن إدارة بوش باتت مقتنعة تماماً أن مشروعها انهار في العراق، وأن لا امكان لأي خطط إضافية أن تنقذه على الأقل في المدى المنظور. والحقيقة أن من يستمع أو يقرأ مواقف وكتابات التيار المتطرف المتمثل بالمحافظين الجدد يجد أن هؤلاء ما زالوا مقتنعين بأن مشروعهم قابل للانقاذ، وأن جل ما يواجهه هو مجرد صعوبات يمكن تذليلها مع الوقت.
ب ـ إن إدارة بوش باتت مقتنعة بأنه يجب إعادة النظر في وجودها العسكري والأمني في العراق عبر خطة تجدول الانسحاب. إلا أن هذا الأمر لا يبدو واقعياً حتى الآن أيضاً، إذ سبق لبوش وأعلن صراحة أن عهده لن يشهد أي انسحاب. ثم إذا كان من إعادة ترتيب لأوضاع الاحتلال، فلن تكون أكثر من عملية تموضع، حيث يجري الانسحاب من المدن الرئيسية والتجمع في القواعد الكبيرة المقامة حالياً.
وحتى هذه تقتضي أن تكون القوى الأمنية العراقية باتت قادرة على أن تأخذ محل قوات الاحتلال، والتعامل مع الأوضاع الأمنية. وهذا ما لا يبدو متوافراً، حتى الآن، ودونه عقبات كثيرة ومعقدة.
ج ـ إن إدارة بوش باتت مقتنعة أنه لم يعد في جعبتها حلول تجربها، وحتى لو كانت هذه الحلول موجودة، فإن عامل الوقت بات ضيقاً لاختبارها، ولا بد، بالتالي، من القيام بخطوات مختصرة، وسريعة النتائج.
د ـ إن إدارة بوش باتت مقتنعة أنه لا مناص من اجراء تسويات وعقد صفقات بمعزل عن سقفها وطبيعتها مع كل من إيران وسورية، وبالتالي باتت جاهزة لدفع الأثمان المطلوبة.
مما لا شك فيه، أن إدارة بوش وهي تبحث عن مخرجٍ لها من العراق، لا يمكنها إلا أن تضمن التالي:
ـ أن لا يسقط العراق نهائياً في أيدي القوى المناوئة لها في المنطقة، وبالتالي إقامة نوع من التوازن السياسي من شأنه أن يشكل عملية احتواء، وبناء موانع في وجه أي محاولة لسيطرة القوى المناوئة لها.
ـ إقامة نوع من الاستقرار الأمني على الأقل في بغداد، وفي المناطق الحيوية النفطية.
ـ تحقيق مصالحها النفطية من خلال إعادة النظر في بعض القوانين، وبالاتجاه الذي يسمح لشركات النفط الأميركية استغلال النفط العراقي.
إن انجاز هذه الأهداف لا يبدو سهلاً نظراً لتعاظم تناقضات الواقع العراقي، وتضارب مصالح مختلف قواه السياسية.
وفي مطلق الأحوال، تبدو اليوم بصدد استراتيجية مقاربة متنوعة الأبعاد، أبرز عناصرها التالي:
ـ الانفتاح على دول الجوار وتحديداً سوريا وإيران، ولعل هذا الانفتاح هو العامل الأكثر جدّة في هذه المقاربة. وهو ما يثير مخاوف وهلع العديدين في المنطقة.
ـ الانفتاح على قوى المقاومة، واجراء حوارات معها لدرس وفحص امكانية استيعابها ضمن العملية السياسية في العراق.
ـ العمل على إحداث تغيير في المشهد السياسي العراقي من خلال تشكيل جبهة جديدة بقيادة إياد علاوي، وبما يؤدي إلى تقليص دور الائتلاف الشيعي في العملية السياسية، واعطاء دفعة للدور السني.
ـ التصعيد في استخدام القوة العسكرية عبر زيادة جرعة استخدامها، والافراط بها.
ـ توفير إطار سياسي دولي ـ اقليمي يشكل نوعاً من محاولة لاشراك الجميع في حمل عبء نتائج الاحتلال، وايجاد مخارج له.
من الواضح، أن نقطة الارتكاز في هذه المقاربة هي المدى الذي ستأخذه المباحثات الأميركية ـ الإيرانية، والأميركية ـ السورية، وبالتالي فإن عليها المعول بالنسبة للعديد من الملفات والقضايا، فإذا ما انتهت إلى تفاهمات مُرضية يمكن أن تسحب نفسها على مجمل المنطقة وأزماتها بما فيها الأزمة اللبنانية، وفي حال العكس علينا أن نتصور أحد بديلين: إما نوع من استاتيكو أزمات، أي أزمات مدارة على النحو الذي يحول دون انفجارها، وإما انفجار سيكون أبرز مرشح له الجبهة الأميركية ـ الإيرانية، وعلى خلفية الخلاف حول الملف النووي، ما سيعني دخول المنطقة في دوامة من الانفجارات المتسلسلة، لا سيما في الأزمات المرشحة التي لديها قابلية من هذا النوع.
من هنا، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة، لا سيما من الآن حتى شهر أيلول المقبل، حيث موعدنا مع الاستحقاق الرئاسي، وهو موعد مفصلي في مسار الأزمة اللبنانية، حيث فريق السلطة يعمل على خطة مثلثة الجبهات:
الجبهة الدستورية حيث يتبنى موقفاً دستورياً لا يقول بإلزامية حضور ثلثي أعضاء المجلس ليتوافر النصاب القانوني للجلسة، ولا يحصر الدعوة بيد رئيس مجلس النواب.
والجبهة السياسية حيث يريد حصر الرئيس في صفوف فريق 14 شباط. والجبهة الوزارية والإدارية، حيث العمل على وضع اليد على مجمل الوزارات والمواقع الإدارية الرئيسية في سياق قطع الطريق على أطروحة الحكومة الثانية، وإفقادها مسبقاً من مقوماتها المادية، وعدة عملها.
في المقابل، تطرح المعارضة خيارين رئيسين: إما اجراء انتخابات نيابية مبكرة، أو انتخاب رئيس جديد بالعودة إلى الشعب ولمرة واحدة. هذا إلى جانب الدعوة الثابتة إلى التوافق على شخص الرئيس المقبل.
إزاء عمق فجوة الخلافات بين الفريقين تبدو البلاد مقبلة على أوضاع سمتها العامة المزيد من الانقسام، في هذا السياق الداخلي، وفي ذاك السياق العام، جاءت زيارة ولش المفاجئة إلى لبنان. وهي زيارة بدا واضحاً أن الاستحقاق الرئاسي هو عنوانها الرئيسي، وذلك وفق التالي:
ـ دفع مسيحيي السلطة للتوافق على رئيس حتى لا يتحول عدم التوافق إلى عامل تصديع لهذا الفريق. ويبدو أن المعوّل عليه هنا هو البطريرك الذي جرت محاولات لتحميله عبء هذه المسألة.
ـ كان واضحاً عدم قدرة الأميركي تجاوز عقدة عون مسيحياً، ما يعني أن له صوتا رئيسيا في عملية الترشيح، بل أن ترشيحه نفسه قد لا يكون مستبعداً أميركياً.
ـ ترتيب إدارة المرحلة المقبلة لا سيما في ما يتعلق بلوازم تمرير الاستحقاق الرئاسي بأقل أضرار ممكنة. ولعل في هذا السياق جاء الكلام مع السنيورة عن ضرورة تشكيل حكومة جديدة تيسر التوافق على رئيس جديد.
ـ محاولة توجيه رسالة أميركية واضحة بأن واشنطن مع اجراء الانتخابات في وقتها، وأنها ترفض فكرة الحكومتين.
ـ تطمين فريق السلطة خصوصاً في ما يتعلق بما يحدث على الخطين الأميركي ـ السوري والأميركي ـ الإيراني.
كخلاصة عامة يمكن القول، إن الأشهر المقبلة ستكون حبلى بالتحركات، وربما بالمبادرات، إلا أن إيقاعها العام سيبقى مرهوناً بالإيقاع الخاص بالمفاوضات الدائرة في العراق وحوله. فبيت القصيد الأميركي هناك، والباقي تفاصيل.
الانتقاد ـ العدد1215 ـ 18 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018