ارشيف من : 2005-2008

بين موسكو وواشنطن: توترات جديدة

بين موسكو وواشنطن: توترات جديدة

ديك تشيني في جولة عربية وغوندوليزا رايس في زيارة لروسيا والهدف واحد: البحث عن إمكانية تمرير سياسات واشنطن، أو على الأقل إخراجها من ورطتها في العراق. بالنسبة الى رايس تأتي الزيارة بعد أسبوع من تصريح لنائبها دانييل فرايد، تحدث فيه عن خلافات صارخة بين الولايات المتحدة وروسيا. رايس قالت الشيء نفسه ولكن مع الوقوع في بعض التناقضات. فقد اعترفت بأن العلاقات بين البلدين معقدة بوجه خاص، وأن خطاب الكرملين لا يعجبها بالمطلق.. لكنها أكدت عدم وجود أي مبرر للحديث عن الحرب الباردة، معتبرة أن الاتحاد السوفياتي شيء وروسيا شيء آخر، والحديث عن الحرب الباردة لا يستند إلى ما يبرره.
 لكن مسؤولين أميركيين كباراً سبق لهم أن تحدثوا عن ذلك عقب التصريحات اللاهبة التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من ميونيخ في شباط/ فبراير الماضي، ووجه فيها انتقادات حادة للسياسة الخارجية الأميركية. لكن المسألة تتعدى مجرد الأحاديث، فالأميركيون بدأوا بنشر دروع صاروخية في أوروبا الشرقية، وخصوصاً في بولندا وتشيكيا، بهدف حماية أوروبا من "الصواريخ الإيرانية"، على ما يقولونه. لكن هذا النوع من المزاح لم يعجب الرئيس الروسي الذي اعتبر هذا الإجراء تهديداً مباشراً لروسيا وعودة إلى سباق التسلح، ما انعكس فوراً على اتفاقية الحد من الأسلحة التقليدية الموقعة بين روسيا وأميركا في العام 1990، حيث هدد بوتين بإعادة النظر فيها، قبل أن تصدر قبل أيام تصريحات عن قائد أركان الجيش الروسي الذي قال ان المعاهدة على وشك السقوط، وذلك بعد اجتماع عقد في بروكسل في العاشر من أيار/ مايو الجاري، بين ممثلين روس وممثلين عن البلدان الـ26 الأعضاء في الحلف الأطلسي. وكل ذلك في وقت بدأت روسيا بالحديث فيه عن إعادة تأهيل الجوانب المعنية في الاتفاقية من أسلحتها الصاروخية. وعلى ذلك لا تكون روسيا، خلافاً لرأي كوندوليسا رايس، شيئاً مختلفاً عن الاتحاد السوفياتي، بل شيئاً يعود إلى البدء باعتماد السياسة السوفياتية في هذا المجال من مجالات التسلح.
وفوق ذلك لا تقتصر الخلافات الروسية الأميركية على مسألة الصواريخ، فوجهات النظر غير متقاربة حول الملف النووي الإيراني، وحول التوسع الأطلسي الأوروبي في مناطق النفوذ السوفياتي ـ الروسي، في أوروبا الشرقية والوسطى والبلقان وأوكرانيا والقفقاس وشرق آسيا، وخصوصاً في الوقت الحالي حول كوسوفو، حيث ترى روسيا أن هدف الغربيين من تبني شعار استقلال كوسوفو هو التضييق على صربيا، الحليف الوحيد المتبقي لروسيا من بين منظومة وارصو السابقة.
 والأكيد أن التدخلات الأميركية الأخيرة في الشؤون الداخلية لصربيا، التي أدت إلى تشكيل حكومة موالية للغرب، لن تفعل غير رفع منسوب الاحتقان في العلاقات الأميركية الروسية. وقد استبقت رايس أي موقف روسي من هذا التطور بأن حاولت وضع روسيا في موقع الاتهام، عندما أخذت عليها عدم رضاها عن التقارب المتزايد بين بلدان المحور السوفياتي السابق وواشنطن. هذا إضافة إلى مآخذها الأخرى المتعلقة بالتراجع عن الديمقراطية واعتماد المزيد من أساليب التضييق في مجال حقوق الإنسان. فما رشح حتى الآن من زيارة رايس لروسيا لا يخرج عن إطار التوجيهات المباشرة وغير المباشرة التي قد تأخذ شكل الإملاءات عندما تدور اللقاءات مع وزراء الخارجية ومسؤولي الأمن في بعض البلدان العربية. لكن الناطق باسم الخارجية الروسية كان صريحاً جداً عندما خاطب رايس بقوله: "لا تحاولوا فرض وجهة نظركم على الآخرين، أقلعوا عن مدّنا بالتوجيهات، وتعالوا للبحث المشترك عن الحلول". والواضح هنا ان المنهج الأميركي في التخاطب مع روسيا يعتمد على معطيات مختلفة عما كان عليه الأمر في السابق، أي قبل أن تصبح روسيا دولة نفطية طليعية بعد تأميم "غاز بروم"، على طريق استخدام النفط والغاز كأسلحة سياسية من قبل روسيا وتحالف دولي قد يضم إيران وفنزويلا، وخصوصاً قبل أن تنتقل أميركا إلى موقع الاستجداء للخروج من ورطتها في العراق.
ع.ح.
الانتقاد/ العدد 1215 ـ 18 ايار/مايو2007

2007-05-18