ارشيف من : 2005-2008
اليد في كوسوفو وعين الطمع على صربيا!
لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة يتعرض بلد ذو سيادة وعضو في المنظمة الدولية لفقدان هذه العضوية اذا لم ينصع لقرار قد يصدر عن مجلس الأمن. ذلك البلد ليس "إسرائيل" ذات السجل الحافل بعدم الانصياع لتلك القرارات، ولا هو الولايات المتحدة ذات السجل الحافل باستخدام حق النقض دفاعاً عن المواقف الإسرائيلية، وخلافاً لإرادة الأغلبية الساحقة من البلدان الأعضاء في الأسرة الدولية.. البلد المهدد بـ"العزل الدولي" هو صربيا، والسبب هو رفضها الموافقة على استقلال كوسوفو. وكوسوفو كما هو معروف، أحد أقاليم الاتحاد اليوغوسلافي الذي تفكك في حقبة الانهيار الشيوعي، بعد ان خرجت منه تباعاً وبسهولة فائقة، يسّرتها الإرادات الغربية، الأقاليم المدللة: سلوفانيا ومقدونيا والجبل الأسود، وبسهولة أقل في حالة كرواتيا، وبصعوبة بالغة في حالة البوسنة التي بسبب الانتماء الإسلامي لسكانها، "خرجت ولم تخرج" من الاتحاد الذي زال من الوجود، إلا بعد أن فقدت في ظل المجازر وتواطؤات الأسرة الدولية، أهم أراضيها لمصلحة صربيا وكرواتيا، وبعد أن قبلت بإخضاع القسم الباقي من تلك الأراضي لصيغة مشاركة مع البلدين المذكورين. أما في حالة كوسوفو التي خضعت، للسبب نفسه، لمجازر وتواطؤات مشابهة، فإن الحل يبدو مرهوناً بجملة من التعقيدات، منها ما هو شكلي يتعلق بما ستتطور إليه الأوضاع في صربيا التي تشهد تجاذباً مؤلماً بين الالتحاق بالغرب عبر الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، والمحافظة على هويتها القومية.. ومنها ما هو استراتيجي يتعلق بأشكال الكسر والجبر في ظل تعددية المعايير المعتمدة من قبل الجهات المهيمنة دولياً في إطار سعيها لإعادة تشكيل العالم وفقاً للاحتياجات الامبراطورية.
ولتوضيح الصورة لا بد من التذكير بأن الصرب ردوا بالوحشية المعروفة على مطلب سكان كوسوفو (90 في المئة مسلمون غالبيتهم من الألبان) بالاستقلال شأن سائر أقاليم الاتحاد اليوغوسلافي. ولم يتوقف الصرب عن اضطهاد سكان كوسوفو المسلمين (10 في المئة من السكان هم من الصرب) إلا بعد تدخل الحلف الأطلسي وصدور قرار مجلس الأمن رقم 1244 الذي أخضع كوسوفو عام 1999، لوضع مؤقت تحت إشراف الأمم المتحدة. ويبدو أن النية قد توافرت مؤخراً لإنهاء الوضع المؤقت المعمول به منذ ثماني سنوات، حيث دار الحديث في أروقة الأمم المتحدة عن نية الأميركيين والأوروبيين استصدار قرار من مجلس الأمن يدعم استقلال كوسوفو عن صربيا. ويقترح مشروع القرار الذي وزعه الأميركيون والأوروبيون يوم الجمعة الماضي (11/5/2007)، إنهاء الوصاية الدولية على الإقليم خلال 120 يوماً، تعقبها فترة انتقالية يوضع فيها تحت إشراف الاتحاد الأوروبي، مع إبقاء قوات الحلف الأطلسي في كوسوفو للمساهمة في مهام السهر على الأمن. روسيا ردت على الفور برفض مشروع القرار، وسط توقعات بإمكانية لجوئها إلى استخدام الفيتو الذي قد يستخدم أيضاً من قبل الصين. والبديل المقترح هو الاستمرار في التفاوض، مع التشديد على مبدأ الوحدة الترابية الذي يقره القانون الدولي ويتنافى مع تفكيك صربيا (على اعتبار أن كوسوفو صربية)، وعلى حق الصرب الذين يعيشون في مناطق شبه معزولة داخل كوسوفو بالحماية، وعلى حق الصرب الذين نزحوا خلال الحرب الأهلية بالعودة إلى الأماكن التي نزحوا عنها.
لكن عقدة التعارض بين الغرب الداعم لاستقلال كوسوفو وروسيا المتحالفة مع صربيا ليست أكثر العقد استعصاءً على الحل، إذ يبدو أن الغرب يتذرع بالأخلاق في وضع يده على كوسوفو، بينما يطمح بعينه سياسياً إلى صربيا بالذات، إذ برغم طيّ صفحة سلوبودان ميلوسيفيتش الذي لم يزعج الغرب بسياساته العنصرية تجاه المسلمين في الاتحاد اليوغوسلافي بقدر ما أزعجه بسياساته القومية ومعارضته للمد الغربي الذي اكتسح أوروبا الشرقية والوسطى منذ أواخر الثمانينيات، فإن صربيا لا تزال بعيدة عن الانجراف الكامل في ذلك المد. كما أنها لا تزال بعيدة عن الفوز برضا الغرب بسبب استمرار حمايتها لبعض رموز النظام السابق الملاحقين من قبل محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة التي تنتظر بفارغ الصبر وبدفع غربي، اعتقال من تبقى من معاوني ميلوسوفيتش لمحاكمتهم. وكان الاتحاد الأوروبي قد علق العام الماضي المفاوضات الخاصة بانضمام صربيا بسبب عدم تعاونها في ملف المحكمة. والأنكى من ذلك أن الانتخابات التشريعية التي جرت في كانون الثاني/ يناير الماضي سمحت للقوميين الراديكاليين بتحقيق اختراق مذهل، سمح لهم في بداية الأسبوع الماضي وبالتعاون مع الحزب الديمقراطي الذي يقوده رئيس الوزراء المحافظ فوجيسلاف كوستينيتشا، بإيصال نائب زعيمهم توميسلاف نيكوليك، أحد شركاء ميلوسيفيتش في التسعينيات، إلى منصب رئاسة البرلمان الصربي، الأمر الذي ووجه بالقلق الشديد من قبل العديد من الزعماء الغربيين. لكن الضغط الغربي المباشر والمعلن دفع كوستينتشا إلى التخلي عن تحالفه مع الراديكاليين والانضمام إلى ائتلاف يضم الحزبين المواليين للغرب، هما الحزب الديمقراطي الذي يقوده رئيس الجمهورية بوريس تاديتش، ومجموعة "17+" المكونة من التكنوقراط الليبراليين. وبذلك باتت الأحزاب الموالية للغرب تمتلك 130 مقعداً في البرلمان مقابل 120 للراديكاليين وحلفائهم في الحزب الاشتراكي الذي كان يقوده ميلوسيفيتش. وعلى الفور أعلن نيكوليك استقالته من رئاسة البرلمان التي لم يشغلها إلا لأيام، وذلك ليفوّت على الخصوم لذة إسقاطه عن طريق التصويت. وعليه تكون صربيا قد أصبحت في وضع يسمح لها وسط التهليل الغربي، بتشكيل حكومة تنفتح أمامها سبل الخروج من العزلة ومن الماضي القومي للدخول إلى العصر الأوروبي والتنعم بالازدهار والرفاه، على ما ورد في تصريحات أبرزها لرئيس المفوضية جوزيه مانويل باروزو. لكن هل يعني ذلك أن الحكومة الصربية الجديدة ستستجيب لمطالب الغرب الخاصة بالمحكمة، وخصوصاً مسألة استقلال كوسوفو؟
آخر تصريحات الرئيس الموالي للغرب بوريس تاديتش شددت على أنه شخصياً، وعلى أن صربيا كلها، لن توافق على ذلك الاستقلال. موقف يتطابق تماماً في هذا الشق، مع موقف غير الموالين للغرب. ما يعني أن سياسة التفكيك الامبراطوري المتجهة نحو فصل كوسوفو عن صربيا التي انتقلت من موقع المغضوب عليه إلى موقع المرضي عنه قد تخضع لامتحان عسير: إما التراجع "اللاأخلاقي" عن مطلب استقلال كوسوفو، أو العودة مجدداً إلى قصف صربيا "الصديقة".
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد 1215 ـ 18 ايار/مايو2007
ولتوضيح الصورة لا بد من التذكير بأن الصرب ردوا بالوحشية المعروفة على مطلب سكان كوسوفو (90 في المئة مسلمون غالبيتهم من الألبان) بالاستقلال شأن سائر أقاليم الاتحاد اليوغوسلافي. ولم يتوقف الصرب عن اضطهاد سكان كوسوفو المسلمين (10 في المئة من السكان هم من الصرب) إلا بعد تدخل الحلف الأطلسي وصدور قرار مجلس الأمن رقم 1244 الذي أخضع كوسوفو عام 1999، لوضع مؤقت تحت إشراف الأمم المتحدة. ويبدو أن النية قد توافرت مؤخراً لإنهاء الوضع المؤقت المعمول به منذ ثماني سنوات، حيث دار الحديث في أروقة الأمم المتحدة عن نية الأميركيين والأوروبيين استصدار قرار من مجلس الأمن يدعم استقلال كوسوفو عن صربيا. ويقترح مشروع القرار الذي وزعه الأميركيون والأوروبيون يوم الجمعة الماضي (11/5/2007)، إنهاء الوصاية الدولية على الإقليم خلال 120 يوماً، تعقبها فترة انتقالية يوضع فيها تحت إشراف الاتحاد الأوروبي، مع إبقاء قوات الحلف الأطلسي في كوسوفو للمساهمة في مهام السهر على الأمن. روسيا ردت على الفور برفض مشروع القرار، وسط توقعات بإمكانية لجوئها إلى استخدام الفيتو الذي قد يستخدم أيضاً من قبل الصين. والبديل المقترح هو الاستمرار في التفاوض، مع التشديد على مبدأ الوحدة الترابية الذي يقره القانون الدولي ويتنافى مع تفكيك صربيا (على اعتبار أن كوسوفو صربية)، وعلى حق الصرب الذين يعيشون في مناطق شبه معزولة داخل كوسوفو بالحماية، وعلى حق الصرب الذين نزحوا خلال الحرب الأهلية بالعودة إلى الأماكن التي نزحوا عنها.
لكن عقدة التعارض بين الغرب الداعم لاستقلال كوسوفو وروسيا المتحالفة مع صربيا ليست أكثر العقد استعصاءً على الحل، إذ يبدو أن الغرب يتذرع بالأخلاق في وضع يده على كوسوفو، بينما يطمح بعينه سياسياً إلى صربيا بالذات، إذ برغم طيّ صفحة سلوبودان ميلوسيفيتش الذي لم يزعج الغرب بسياساته العنصرية تجاه المسلمين في الاتحاد اليوغوسلافي بقدر ما أزعجه بسياساته القومية ومعارضته للمد الغربي الذي اكتسح أوروبا الشرقية والوسطى منذ أواخر الثمانينيات، فإن صربيا لا تزال بعيدة عن الانجراف الكامل في ذلك المد. كما أنها لا تزال بعيدة عن الفوز برضا الغرب بسبب استمرار حمايتها لبعض رموز النظام السابق الملاحقين من قبل محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة التي تنتظر بفارغ الصبر وبدفع غربي، اعتقال من تبقى من معاوني ميلوسوفيتش لمحاكمتهم. وكان الاتحاد الأوروبي قد علق العام الماضي المفاوضات الخاصة بانضمام صربيا بسبب عدم تعاونها في ملف المحكمة. والأنكى من ذلك أن الانتخابات التشريعية التي جرت في كانون الثاني/ يناير الماضي سمحت للقوميين الراديكاليين بتحقيق اختراق مذهل، سمح لهم في بداية الأسبوع الماضي وبالتعاون مع الحزب الديمقراطي الذي يقوده رئيس الوزراء المحافظ فوجيسلاف كوستينيتشا، بإيصال نائب زعيمهم توميسلاف نيكوليك، أحد شركاء ميلوسيفيتش في التسعينيات، إلى منصب رئاسة البرلمان الصربي، الأمر الذي ووجه بالقلق الشديد من قبل العديد من الزعماء الغربيين. لكن الضغط الغربي المباشر والمعلن دفع كوستينتشا إلى التخلي عن تحالفه مع الراديكاليين والانضمام إلى ائتلاف يضم الحزبين المواليين للغرب، هما الحزب الديمقراطي الذي يقوده رئيس الجمهورية بوريس تاديتش، ومجموعة "17+" المكونة من التكنوقراط الليبراليين. وبذلك باتت الأحزاب الموالية للغرب تمتلك 130 مقعداً في البرلمان مقابل 120 للراديكاليين وحلفائهم في الحزب الاشتراكي الذي كان يقوده ميلوسيفيتش. وعلى الفور أعلن نيكوليك استقالته من رئاسة البرلمان التي لم يشغلها إلا لأيام، وذلك ليفوّت على الخصوم لذة إسقاطه عن طريق التصويت. وعليه تكون صربيا قد أصبحت في وضع يسمح لها وسط التهليل الغربي، بتشكيل حكومة تنفتح أمامها سبل الخروج من العزلة ومن الماضي القومي للدخول إلى العصر الأوروبي والتنعم بالازدهار والرفاه، على ما ورد في تصريحات أبرزها لرئيس المفوضية جوزيه مانويل باروزو. لكن هل يعني ذلك أن الحكومة الصربية الجديدة ستستجيب لمطالب الغرب الخاصة بالمحكمة، وخصوصاً مسألة استقلال كوسوفو؟
آخر تصريحات الرئيس الموالي للغرب بوريس تاديتش شددت على أنه شخصياً، وعلى أن صربيا كلها، لن توافق على ذلك الاستقلال. موقف يتطابق تماماً في هذا الشق، مع موقف غير الموالين للغرب. ما يعني أن سياسة التفكيك الامبراطوري المتجهة نحو فصل كوسوفو عن صربيا التي انتقلت من موقع المغضوب عليه إلى موقع المرضي عنه قد تخضع لامتحان عسير: إما التراجع "اللاأخلاقي" عن مطلب استقلال كوسوفو، أو العودة مجدداً إلى قصف صربيا "الصديقة".
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد 1215 ـ 18 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018