ارشيف من : 2005-2008

تشيني في المنطقة: طمأنة الحلفاء من قلق التسوية مع إيران وسوريا

تشيني في المنطقة: طمأنة الحلفاء من قلق التسوية مع إيران وسوريا
ثلاثة أهداف معلنة كررها مرافقو ديك تشيني في جولته العربية ـ شملت السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن فضلا عن العراق المحطة شبه التقليدية لأي مسؤول أميركي رفيع يزور المنطقة ـ  تلخصت بالتالي:
1ـ دفع الحلفاء العرب إلى تشجيع مجموعات سنية في العراق على الانضمام الى العملية السياسية الجارية في هذا البلد.
2ـ  بحث سبل الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.
3ـ الإفادة من علاقات بلاده مع السعودية لتهدئة التوتر مع واشنطن الناشئ من الازمة العراقية.
بالتأكيد ليست هذه هي الأهداف الحصرية، أو الغاية الأساسية التي يسعى لأجلها رأس بقية "المحافظين الجدد" الذين اندثروا من الادارة الاميركية في سلسلة استقالات بعيد اخفاق خططهم التي وضعوها لادارة السياسة الخارجية لبلادهم. وان يقوم تشيني بنفسه بهذه الجولة فله دلالات باعتبار ان نائب الرئيس الاميركي ليس من عادته ان يقوم بأدوار تنفيذية بحضور الرئيس وفريق عمله، بل هو احتياط اداري لقيادة الولايات المتحدة في حال اصيب الرئيس بمكروه. لكن نظرا للانقلاب على هذه القاعدة الدستورية الاميركية بحكم حجم النفوذ الذي مارسه المحافظون الجدد منذ توغلوا بقوة في ادارة جورج بوش، بحيث بدا تشيني في بعض الاحيان هو رأس الادارة الفعلي وليس بوش نفسه، فإن زيارته اتسمت بأهمية باعتبار انها تأتي في لحظة تعمق للمأزق الاميركي في العراق وانسداد آفاق الخيارات الاخرى ـ الحرب وادواتها ضد ايران وسوريا خصوصا بعد هزيمة اسرائيل في حرب تموز ـ  وارتفاع حظوظ عملية تسوية فرضت الوقائع على واشنطن استجداءها من كل من طهران ودمشق لاخراج نفسها من المأزق العراقي.
ويبدو ان الادارة الاميركية ارادت ابلاغ حلفاءها في المنطقة بأنها باتت موحدة وراء خيار التسوية هذا ـ مع الابقاء على الخيار العسكري لرفع سقف الشروط التفاوضية، او كقرار جنوني اخير اذا فشلت المفاوضات ـ وان مرحلة الاتصالات السورية الاميركية التي بدأت على مستوى عال في مؤتمر شرم الشيخ بين وزيري خارجية البلدين كونداليزا رايس ووليد المعلم، أو على مستوى الخبراء الايرانيين والاميركيين على هامش المؤتمر نفسه، تقتضي اعداد الحلفاء مسبقا لاي تطورات تحصل على صعيد انتاج صيغة تسوية بعدما كان بعض هؤلاء الحلفاء يراهنون على مزيد من التأزم الاميركي السوري والتدهور الاميركي الايراني. على ان خشية بعض هؤلاء هي من ان تكون أي تسوية على حسابهم وعلى حساب ادوار يمارسونها في بعض الملفات التي ستكون حكما موضع بحث على طاولات التفاوض.
وقد كان لافتا في القمة العربية الاخيرة الانتقاد النادر للملك السعودي عبد الله لحلفائه الاميركيين عندما ندد بالاحتلال الاجنبي غير المشروع للعراق، متهماً قوى غريبة عن المنطقة بالسعي الى رسم مستقبل الشرق الاوسط. واعقبها الملك عبد الله برفض استقبال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي خلال هذه القمة التي انعقدت في الرياض.
 واعتبر هذا التصريح حينها ورفض الاستقبال رسالة الى الاميركيين بأن لا تكون أي تسوية مع السوريين والايرانيين على حساب الدور السعودي.
وكان لافتا ان الملك عبد الله التقى تشيني في قصر الامير فهد ابن ولي العهد سلطان بن عبد العزيز الذي يمثل الخط الآخر في المملكة الاكثر قربا من الاميركيين، ولم يكن في قصر الملك في الرياض.
وعليه فإن تشيني جاء ليطمئن الحلفاء بعدم المساومة عليهم بهدف عدم رمي البعض منهم اوراقا في وجه بلاده، ومنها مبرر وجود القوات الاميركية في المنطقة طالما ان الامور ذاهبة نحو التسوية. ومن هنا يبدأ العنوان الثاني للزيارة وهو الحد من النفوذ الايراني او ما يسمونه الخطر المتصاعد جراء طموحات ايران النووية ليعيد ضخ الحياة في ما اصطلح على تسميته "مخاوف" خليجية وعربية من "الخطر الايراني".
وفي هذا السياق جاء قول تشيني امام الاف من جنود البحرية على متن حاملة طائرات اميركية ترسو في الخليج في مستهل زيارته للامارات، سنقف الى جانب دول اخرى لمنع ايران من امتلاك اسلحة نووية والسيطرة على المنطقة. لكن الرد الايراني جاء سريعا ومن الرئيس احمدي نجاد ومن الامارات نفسها حيث توعد رئيس الجمهورية الاسلامية الاميركيين برد "قاس" في حال شنوا هجوما ضد بلاده، مقللاً من اهمية التحذيرات التي اطلقها تشيني قائلا  "ان الرسالة التي اراد الاخير توجيهها لا تحتوي اي شيء جديد".
على أي حال فإن زيارة تشيني تزامنت مع اعلان اميركي عن قرب انعقاد مفاوضات مع الايرانيين في بغداد على مستوى السفراء بحضور الحكومة العراقية. وقد جاءت هذه الخطوة التي حظيت بتأييد تشيني وهو في طريقه الى المنطقة بعد ان قدمت الولايات المتحدة طلبا رسميا بهذا الصدد لايران عبر السفارة السويسرية في طهران، وبعد جهود وساطة قام بها مسؤولون عراقيون. ووافقت ايران على اجراء هذه المباحثات بطلب من العراقيين للحد من عذاب وآلام الشعب العراقي ودعم الحكومة العراقية وتحسين الوضع الامني في العراق.
وفي الخلاصة فإن الولايات المتحدة الان في مرحلة تجميع ادواتها التفاوضية بحثا عن حلول تحفظ قدرا من هيبة الدولة العظمى التي تمرغت بالوحل العراقي وفقدت جزءا مهما من قدرتها على المبادرة في السياسات الدولية لا سيما الشرق اوسطية ازاء فشل سياسة العزل التي تنتهجها طوال عامين حيال سوريا، وعقم خياراتها للحد من القوة الايرانية المتصاعدة التي تحدث تآكلاً يومياً في النفوذ الأميركي في المنطقة.
عبد الحسين شبيب
الانتقاد/ العدد 1215 ـ 18 ايار/مايو2007
2007-05-18