ارشيف من : 2005-2008

اصطفاء الرسل : أكمل البشر إيماناً وطاعة

اصطفاء الرسل : أكمل البشر إيماناً وطاعة

قال الله تعالى: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
وقال عزّ من قائل: "أُوْلئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَئِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً".
"الاصطفاء" الذي جاء ذكره في الآية الأولى مفهوم قرآني تكرر في العديد من الآيات القرآنية من جملتها هاتان الآيتان. وتبين الآية الثانية أنه كان من أجل الإنعام على هؤلاء المُصطَفَيْن بالنبوة. وفي آيات أخرى "الأنعام:/83-87"، حيث يجري ذكر أسماء عدد من الانبياء ترد عبارة: "وكلاً فضّلنا على العالمين" بدل "الذين انعم عليهم".
والفعل اصطفى معناه اختار، لكنه ليس أي اختيار. فالاصطفاء ينطوي على معنى الصفو والصفاء، وهو خلوص الشيء من الشوائب. ومنه قولنا «الصفا» للحجارة الصافية. إذن الإصطفاء هو اختيار صفو الشيء وخالصه،أي أفضله.
وعليه يكون معنى الآية: إنّ الله اختار أفضل الناس جميعاً آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران، وفضّلهم على العالمين بالنبوة.
وهذا هو معنى "الاصطفاء" كمفهوم قرآني. وتفصيله:
أولاً- المصطفون همُ الصفوة. ولا يكون الشخصُ صفوةَ الله إلا بعد صفوِه لله تعالى وتخلصه عن غيره، فيكون خاصتَه وخالصتَه وصفوتَه وخيرتَه. فهم أشخاص ربانيون مطهَّرون عن كلِّ رجسٍ ودنس، عن كلِّ شكّ وريبة، عن كلِّ باطلٍ وضلال. إنهم المنـزَّهون عن كل شائبة، لا تزيغ بهم الأهواء، ولا يأتيهم الباطلُ ولا يأتونه، بل لا مطمع للباطل فيهم بأي نحو من الأنحاء. هم في الذروة من الكمال الروحي.
ثانياً- ومع أن المصطفين للنبوة هم خير البشر وصفوتهم وأكملهم، فإنها ليست استحقاقاً لأحد منهم. بمعنى أن الله لا يصطفيهم ويختارهم لأنهم يستحقون النبوة بما هم عليه من الطاعة والفضائل كما يختار أحدنا شخصاً ما لوظيفة ما لأننا نرى فيه الكفاءة المهنية المطلوبة. وإنما النبوة هبة ربانية يهبها الله لمن يشاء من عباده. ولا يمكن لأحد من البشر مهما سما في سلّم الكمال أن ينال مرتبة النبوة عن طريق الرياضة النفسية أو الجهد في الطاعة والعبادة. فالنبوة لا تنال بالكسب ولا تحصل بالعزم والمثابرة على فعل الخير والطاعة.
وإنما هي بمحض الفضل الإلهي: "يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم"، "سورة آل عمران: الآية74".
هي نعمة ربانية كما قال تعالى: "أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوحٍ ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل" "مريم/58". وإسرائيل هو النبي يعقوب.
في ضوء ما تقدّم يجدر التأكيد هنا على أن هؤلاء الرجال الذين يتخذهم الله أنبياء لدينه فيأتمنهم على وحيه ويحمّلهم رسالاته إلى خلقه ليدعوهم إليه تعالى ليسوا أشخاصاً عاديين لا يتميّز أحدهم عن سواهم من المؤمنين من أبناء قومه أو أبناء زمانه بشيء في موازين الإيمان والتقوى. بل هم الصفوة من بينهم معرفة بالله وطاعة له سبحانه. وبهذا اصطفاهم على الآخرين وقرّبهم إليه فشرّفهم بحمل أمانته إلى عباده. من هنا فإنه من الخطأ البيّن اعتقاد من يعتقد، واستناداً إلى ما عرفت من أن النبوة هبة، أن الله كما اختار من اختار لوحيه كان يمكن له أن يختار سواهم ممن هم مثلهم في سلك الإيمان والتوحيد دون النظر إلى الفارق في درجة الإيمان والتقوى بين هؤلاء وأولئك. لم لا، أليست النبوة هبة من الله يهبها لمن يشاء من عباده؟ ولكن أيختار الله المفضول على الفاضل؟ أم يستوي عنده المحسن والمسيء؟ وكذلك الاعمى والبصير؟
إنّ الله وبمقتضى حكمته لا يمكن أن يصطفي لنبوته من تلوّث بشرك أو كفر لحظة من عمره ولا من المؤمنين من طاله شيء من الذنوب في كثير أو قليل.
والمتأمل في سيرة الأنبياء يقف على القول الفصل في ما ذهبنا إليه.
قال الله تعالى: "ولقد اخترناهم على علم على العالمين". وقال عزّ من قائل: "فالله أعلم حيث يجعل رسالته".
اسماعيل زلغوط 
الانتقاد/ العدد 1215 ـ 18 ايار/مايو2007

2007-05-18