ارشيف من : 2005-2008

مواجهة الشمال تفتح باب الأسئلة على مصراعيه:من أراد توريط الجيش ولماذا المسارعة الى الاستغلال السياسي؟

مواجهة الشمال تفتح باب الأسئلة على مصراعيه:من أراد توريط الجيش ولماذا المسارعة الى الاستغلال السياسي؟

فتح المشهد الدموي بين مجموعة "فتح الإسلام" السلفية والجيش اللبناني في منطقة الشمال، وتحديداً في مدينة طرابلس ومخيّم نهر البارد، في الأيّام القليلة الماضية، باب الأسئلة على مصراعيه، حول توقيت هذا الاشتباك المسلّح، والغاية منه، ونتائجه السلبية على مصير البلد في غير اتجاه، في المرحلة المقبلة.

فالأمر برأي المراقبين، تعدّى إطار عملية توقيف لصوص سطوا بقوّة السلاح على فرع مصرف "البحر المتوسّط" في بلدة أميون في قضاء الكورة يوم السبت الماضي، ليشمل مسائل ذات صلة بوطن يُراد له البقاء في دوّامة الصراع والقلق والخوف، تحقيقاً لمآرب مخفيّة يُخطّط لها ضمن مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وبأدوات محلّية.

وهذا ما تفسّره الترجمة السريعة لاستغلال ما حصل سياسياً من بعض أطراف السلطة، بإطلاق العنان لتصاريحها المتناقضة والمتضاربة، وتنظيم تظاهرات "الفرح العارم" بتطهير طرابلس من السلفية وأتباعها المتشدّدين، وهو ما لم يحصل، وذلك لتغطية فشلها السياسي وعدم قيام مساءلة حقيقية واجبة للمسؤولين عن هذا المشهد الدموي من سياسيين وأمنيين مرتبطين حتّى النخاع بقوى 14 شباط/ فبراير.

فتحت جناح ضرب الإرهاب يتلطّى من ارتكب هذه المذبحة بحقّ عسكريي الجيش اللبناني الذين كان بعضهم في غفلة عما يجري في طرابلس فإذا به يقع في كمائن الموت المتنقّل قرب مخيّم نهر البارد.

وتحت حجّة القضاء على الإرهاب المتطرّف يحاول مسؤولون "شباطيون" التستر خشية تقديمهم للمساءلة أو توجيه استفسار واحد لهم عن الغدر الذي مورس بحقّ الجيش لإفقاده هيبته وسطوته حتّى فقد خيرة شبّانه شهداء على مذبح الوطن، ولو كان هناك تنسيق مسبق ما لانخفض معدل الخسائر البشرية كثيراً.

واللافت للنظر أنّ تنبؤات رئيس الهيئة التنفيذية في "القوّات اللبنانية" سمير جعجع أصابت هذه المرّة أيضاً، ولكنْ بارتدادات أكبر من سابقاتها، وبعد يومين من مغادرة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد ولش المربّعات الأمنية لقوى 14 شباط/ فبراير حيث عقد لقاءات مطوّلة معها بشأن المحكمة ذات الطابع الدولي والاستحقاق الرئاسي والخوف على المستقبل السياسي بفعل التغييرات في المنطقة.

وتولّى جعجع على جاري عادته، في استباق الأحداث الأمنية الخطيرة، التحدّث عن توتير أمني، مشيراً إلى أنّ فاعله هو "فتح الإسلام"، وسرعان ما صدق حدسه الأمني فإذا بهذه الحركة تطلق حمّام الدم في الشمال، ما يضع علامات استفهام متعدّدة حول هذا القول والمعرفة المسبقة به، وما إذا كانت له علاقة ما بالتحرّش الذي بدأ تحت عملية سطو مسلّح على مصرف ليس عادياً وإنّما مملوك من آل الحريري.

أسئلة متفجّرة

إنّ تفجير الوضع الأمني في الشمال يستدعي جملة أسئلة برسم المعنيين، تحتاج إلى أجوبة تفرض قيام تحقيق واسع وإقامة المساءلة لكلّ من له علاقة بها من سياسيين وأمنيين ومهما علت رتبهم ومناصبهم لأنّ الوطن أكبر من الأشخاص.

فإلى متى يبقى الأمن في لبنان مكشوفاً وبهذه الطريقة المرعبة؟ وإلى متى تظلّ ساحته مستباحة من مختلف أجهزة الاستخبارات العربية والإسرائيلية والأميركية والأجنبية؟

وكيف يمكن ترميم هيبة الجيش اللبناني بعد تعرّضه لهذا الكمين القاتل وهو الذي يعوّل عليه في المهمّات العسكرية والأمنية الحسّاسة؟ ولماذا لم تشارك "جحافل" "فرع المعلومات" في قوى الأمن الداخلي في صدّ المعتدين والاكتفاء بالظهور الإعلامي والتلفزيوني بعد "تحرير" "بناية عبدو" في شارع المئتين في طرابلس؟ ولماذا غاب التنسيق بين القوى الأمنية بعدما "أيقنت" عناصر "المعلومات" أنّ السارقين يقطنون في الشقّة المستهدفة في "بناية عبدو"؟ وهل حقّاً هم السارقون الحقيقيون، أم أنّ هناك من أراد استغلال هذا السطو لمباشرة مخطّطه الدموي؟ وإن كانوا هم اللصوص أفلا يستوجب تنسيقاً وترتيباً معيّناً وتخطيطاً للقيام بأعمال المداهمات والتفتيش والتوقيف؟ أليس هذا التنسيق واجباً مقدّساً يجب الالتزام به ومن ضمن مقرّرات مجلس الأمن المركزي لسدّ أية ثغرة أمنية تؤدّي إلى نتائج وخيمة على غرار ما حصل على مرأى ومسمع من العالم كلّه؟

ولماذا لم يقم "فرع المعلومات" الذي يراد له أن يختصر أدوار بقية الأجهزة الأمنية، بواجبه لجهة الانتباه لمخاطر انتشار عناصر "فتح الإسلام" على الرغم من أنّ مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي تحدّث عن أنّهم كانوا مراقبين من قبل؟ ولماذا هذا التأخير في مطاردتهم وملاحقتهم قبل أن يتوسّعوا في جغرافيتهم ويتمدّدوا إلى خارج مخيّم نهر البارد وخصوصاً أنّه سبق للواء ريفي ووزير الداخلية العميد المتقاعد حسن السبع ومن منبر مجلس الوزراء، على غير العادة، عند توقيف مجموعة اتهمت بتفجيري عين علق، أنْ كشفا أنّ هذه المجموعة المنضوية في صفوف "فتح الإسلام" كانت موجودة في محلّة الأشرفية أيضاً، ومن يدري فربّما تكون منتشرة في أماكن أخرى في العاصمة وخارجها؟

ولماذا يرفض اللواء ريفي تقبّل فكرة وجود تنظيم "القاعدة" في لبنان؟ فهل لأنّهم منتشرون في منطقته في الشمال أم لإبعاد فرضية وجود علاقة ما لهم باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي فرضية مرجّحة لدى رئيس لجنة التحقيق الدولية البلجيكي سيرج برامرتز ولم تستبعدها كما فعل رئيسها السابق المحقّق السياسي التضليلي ديتليف ميليس؟

ولماذا كان طرف "شباطي" موروث يساعد "فتح الإسلام" على النموّ والتطوّر والازدهار؟ ولماذا كان يجهّزها للقضاء على مَنْ في لبنان؟ ومن سمح لها بشراء الشقق السكنية؟ وكيف استطاعت التوسّع والتمدّد والتغلغل بين المواطنين الطرابلسيين؟ وكيف كانت تنقل أسلحتها وبعضها من العيار الثقيل ولا يمكن إخفاؤها حتّى ولو تحت جنح الظلام؟ وأين كان مخبرو النظام الأمني الجديد الذي يقوده "فرع المعلومات" والذين على ما يبدو يهتمّون بالأخبار الصغيرة واجتماعات المعارضة وحركاتها العلنية أكثر مما يبالون بمن يريد بالوطن شرّاً؟

وهل لهذا الاشتباك المسلّح وما تلاه من تفجيرين في محلّتي الأشرفية وفردان في بيروت، علاقة ما ببدء أعضاء مجلس الأمن الدولي البحث في كيفية إقرار نظام المحكمة ذات الطابع الدولي؟ وهل المصادفة تلعب دورها مرّة جديدة إذ أنّه كلّما حان موعد بحث أمر ما يتعلّق باغتيال الرئيس رفيق الحريري والمحكمة يخرب البلد؟

ولماذا غاب وزير الداخلية غير الشرعي العميد المتقاعد حسن السبع عن الظهور الإعلامي؟ فهل خشية من أن يكرّر أخطاءه المميتة بعد أحداث اجتياح مناصري "الشباطيين" لمحلّة الأشرفية في 5 شباط/ فبراير من العام 2006 وتولّى دفّة "الثرثرة الإعلامية والتمويه" بالنيابة العامة عنه وزير الرياضة الأمني المختصر "بوزير الشاي" أحمد فتفت؟

التضليل ثانية

ولماذا وضعت إحدى صحف السلطة التي يديرها وزير "شباطي" يشارك في تضليل التحقيق في قضية حسّاسة، عنواناً عريضاً في صدر صفحتها الأولى في عددها الصادر يوم الأحد الماضي تقول فيه إنّ مرتكبي "جريمة الزيادين" موجودون في منطقة الضاحية الجنوبية، وأهملت الحديث كلّيّاً عن الاشتباك وأسبابه والخطأ المميت والمكلف الذي ارتكبه "فرع المعلومات" مع أنّه صار خبراً معمّماً؟ فلماذا تغيير وجهة الحدث إلى مكان آخر وترك الخبر الطازج والأهمّ، وإهماله والتلهّي بخبر قديم يثير الفتنة ويحرّكها مع أنّه مشهود لهذه الصحيفة بتتبّع الأحداث لحظةً بلحظة ولو كانت في المرّيخ؟

ومن يدفع الثمن بعد هدوء هذه العاصفة الدموية العاتية؟ وهل نرى استقالات حتمية ممن تبقى في حكومة فؤاد السنيورة البتراء؟ أليس هناك من مسؤول سياسياً عمّا جرى من تقصير وغدر وإهمال في القيام بالواجب الوطني؟

عفو جديد

إنّ جريمة من هذا النوع بحقّ الجيش اللبناني والوطن برمّته، لا تحتمل الإحالة على المجلس العدلي، وإن كان أعلى هيئة قضائية في لبنان، بل تستوجب الإحالة السريعة على المحكمة العسكرية لإصدار الأحكام القضائية المناسبة، وذلك لئلاّ يتكرّر سيناريو ما حصل في ملفّ أحداث الضنية التي وقعت في العام 1999، حيث لم ينل المذنبون العقاب اللازم، ولئلا تعاد نسخة العفو غير المسبوق، فنكون أمام تسوية "جعجع ـ موقوفي الضنية رقم 2" على الرغم من اعتراض قيادة الجيش اللبناني على التنازل عن حقّها القانوني والشرعي في معاقبة قتلة جنودها وتصفيتهم بدم بارد بحسب ما استشفّ من سير المحاكمات العلنية والتي لم يكتب لها الاستمرار وصولاً إلى الخاتمة المرجوة.

إنّ فريق "الأكثرية النيابية" يتحمّل وحده مسؤولية هذا العفو الذي هو إنجازه الأوّل في ميدان التشريع في مجلس النوّاب، وهو مستعدّ لمزيد من التسويات لإبقاء سيطرته على البلاد والعباد، وهذا ما تكشفه الأيام ولو بعد حين.

علي الموسوي

الانتقاد/ العدد 1216 ـ 25 ايار/مايو2007

2007-05-25