ارشيف من : 2005-2008
روسيا والغرب: خطوات جديدة نحو الحرب الباردة
في ظل التقارب المتزايد منذ بداية ولاية بوش الثانية بين أوروبا والولايات المتحدة، كان من الطبيعي للقمة الأوروبية الروسية التي عقدت نهاية الأسبوع الماضي في سمارا أن تكون حافلة بالتوتر الذي بات منذ مدة يسحب نفسه على كامل العلاقات مع الغرب. فالتوتر كان سيد الموقف في العلاقات واللقاءات منذ تصريحات الرئيس بوتين التي أطلقها في ميونيخ في شباط/ فبراير الماضي، ووجه فيها انتقادات حادة للسياسة الخارجية الأميركية، وهي الانتقادات التي اعتبرها البعض عودة حقيقية إلى الحرب الباردة، التي قال عنها روبرت غيتس، وزير الحرب الأميركي، بأنها كلام فظ من جاسوس قديم.
وقد بلغ التوتر مداه مع عزم الأميركيين على إقامة نظام صواريخ مضاد للصواريخ في كل من تشيكيا وبولندا القريبتين من الحدود الروسية، الأمر الذي رد عليه الروس بتعليق العمل باتفاقية الحد من القوات التقليدية في أوروبا الموقعة في أواخر الحقبة السوفياتية عام 1990، ما يعني، بعد قرار الروس بالشروع في إعادة هيكلة صناعتهم النووية، عودة فعلية إلى سباق التسلح، وبالتالي إلى الحرب الباردة وخطر الحرب الحرارية، وفقاً للمصطلح الذي كان مستخدماً خلال فترة الحرب الباردة. وقد أعربت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عن مخاوفها إزاء تعليق العمل باتفاقية التسلح التقليدي، ودعت إلى الالتزام بمضامين تلك المعاهدة التي تلزم الطرفين (روسيا والحلف الأطلسي) بعدم نشر ما يزيد على 20 ألف دبابة و20 ألف قطعة مدفعية و30 ألف مدرعة قتالية و6800 طائرة مقاتلة وألفي مروحية هجومية لكل منهما في المنطقة الممتدة ما بين المحيط الأطلسي وجبال الأورال، أي في كامل القارة الأوروبية. ورد الرئيس بوتين في خطاب حال الإتحاد الذي ألقاه قبل أيام أمام مجلسي الدوما، معرباً عن استعداد روسيا للالتزام بتلك المضامين شريطة تصديق الأطراف الأخرى عليها، وإحراز تقدم ملموس في تطبيقها، ما يعني آلياً ضرورة التراجع الأميركي عن إنشاء الدرع الصاروخية في أوروبا.
لكن رايس عادت واعتبرت ان مخاوف موسكو من هذا الانتشار الصاروخي سخيفة جداً على اعتبار أنها تهدف تحديداً إلى حماية أوروبا من الصواريخ الإيرانية، الأمر الذي أثار حنق الروس وأعاد الأمور إلى نقطة البداية، ما دفع بوتين في خطابه الأخير إلى شن هجوم جديد على السياسة الخارجية للولايات المتحدة. واعتبر بوتين في هذا الهجوم أن حملة الغرب التي تتلفع بالبرقع «الديموقراطي» على دول العالم الأخرى، بما فيها روسيا، تذكّر بالحقبة الاستعمارية التي «كانوا يتحدثون خلالها عما يسمى برسالة الدول الاستعمارية في تحضير الشعوب». كما ذكر بأن الجهات الغربية تعتمد أسلوب الخبث عندما تستخدم عبارات الديموقراطية بهدف إرجاع روسيا الى الماضي القريب الذي شهد نهب ثرواتها من دون عقاب، وسرقة الناس والدولة، وحرمان روسيا من استقلاليتها الاقتصادية والسياسية. والواضح أن كلام بوتين الأخير يضع أوروبا والولايات المتحدة على صعيد واحد من خلال تركيز هجومه على الغرب بشكل يذكر أيضاً باللغة التي كانت سائدة خلال فترة الحرب الباردة. والواضح أن هذا التوجه الجديد مبرر تماماً في ظل وحدة المواقف الأميركية والأوروبية في العديد من الملفات الدولية وخصوصاً الأوروبية ذات الصلة المباشرة بروسيا، كملفات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي لبلدان متاخمة لروسيا مثل جورجيا وأوكرانيا وجمهوريات البلطيق، إضافة إلى الدرع الصاروخية والقواعد الأميركية في رومانيا، وصولاً إلى ملف كوسوفو حيث يسعى الأميركيون والأوروبيون لاتخاذ قرار في مجلس الأمن يقضي باستقلال الإقليم خلافاً لإرادة كل من الروس والصرب.
وإذا كانت العلاقات الأوروبية الروسية تشهد توتراً متصاعداً فيما يتعلق بالشراكة التجارية وتصدير الغاز الروسي نحو أوروبا، وما يرافق ذلك من مخاوف يثيرها التوجه الذي تشارك فيه روسيا مع إيران وفنزويلا نحو تكوين منظمة عالمية للغاز على غرار أوبك، فإن ملف جمهوريات البلطيق التي استقلت عن روسيا وانضمت إلى الاتحاد الأوروبي يثير حساسية خاصة بالنظر إلى الموقع الإستراتيجي الذي تحتله هذه الجمهوريات على المنافذ البحرية الروسية وقريباً من المناطق الروسية الشمالية ذات الأهمية الاقتصادية القصوى. وقد جاءت الصدامات الأخيرة التي جرت في استونيا على خلفية قيام متظاهرين بتدمير تمثال يمجد الجيش الأحمر، والتي سقط فيها قتلى وجرحى بينهم استونيون من أصل روسي، لترفع من حدة التوترات بين موسكو وجمهوريات البلطيق الثلاث. وامتد هذا التوتر ليمس العلاقات الأوروبية الروسية حيث استخدم رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروزو لغة التهديد المباشر عندما اعتبر أن أي خطوة تقوم بها موسكو ضد جمهوريات البلطيق سيتم التعامل معها بوصفها عملاً عدائياً تجاه الاتحاد الأوروبي بأكمله.
وبالإضافة إلى كل ذلك، تبقى قضية حقوق الإنسان، التي طالما استخدمت بنجاح في التهويل على الاتحاد السوفياتي حصاناً أساسياً يراهن عليه الغرب في معرض محاولاته الهادفة إلى التضييق على روسيا. وفي هذا المجال، حرصت مستشارة ألمانيا الغربية، آنغيلا ميركل، التي تترأس بلادها الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي، على الإعراب عن قلقها إزاء انتهاكات حقوق الإنسان وخصوصاً إزاء احتجاز السلطات الروسية لناشطين سياسيين قيل بأنهم سيواكبون قمة سمارا للتظاهر ضد سياسات الكرملين. ويذكر أن السلطات الروسية اعتقلت عدداً من الأشخاص في أحد مطارات موسكو أثناء توجههم إلى سمارا بحجة حيازتهم لأوراق ثبوتية مزورة، وأن بوتين قد لفت النظر، فيما يتعلق بحقوق الإنسان، إلى الاضطهاد الذي يتعرض له في جمهوريات البلطيق (الأعضاء في الاتحاد الأوروبي) المواطنون ذوو الأصول الروسية.
لكمات ولكمات مضادة يتبادلها الروس مع الأميركيين والأوروبيين، في جو تحتشد فيه عناصر التصعيد الناجم، وفق وجهة نظر الروس، عن انزعاج الغرب من خروج روسيا من دائرة الاستسلام المطلق التي أدخلها فيها بوريس يلتسين، ودخولها، من وجهة نظر الغرب، في دائرة الانزعاج من التحاق بلدان الفلك السوفياتي السابق بالقطار الأوروبي والغربي. انزعاج ترافقه "تصرفات روسية سلبية" على ما تقوله أحدث خطة إستراتيجية أميركية يقودها هنري كيسنجر بهدف إعادة روسيا إلى رشدها. لكن الروس يرون الأمر من زاوية مختلفة، ويعتبرون أن العودة إلى التعددية القطبية، حيث تأخذ روسيا موقعها الطبيعي المتناسب مع قدراتها الاقتصادية والعسكرية، هي البديل الواقعي لمساعي الهيمنة الاستعمارية التي يحاول الغرب إعادتها إلى الحياة، والتي جاءت حروب بوش الفاشلة لتدلل على عدم قابليتها للحياة.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد 1216 ـ 25 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018