ارشيف من : 2005-2008

انتصار عربي بالكلام في البحر الميت

انتصار عربي بالكلام في البحر الميت

بحضور 1500 من الشخصيات السياسية والخبراء الاقتصاديين القادمين من 55 بلداً، انعقد نهاية الأسبوع الماضي في منطقة البحر الميت بالأردن لقاء نصف سنوي جديد للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي كان ينعقد منذ تأسيسه في منتجع دافوس السويسري والذي بدأ منذ سنوات، وفي إطار التركيز على خلق صيغ للتعايش العربي الإسرائيلي، بعقد لقاءاته، إضافة إلى دافوس، مرة كل سنة، بالتداول بين المنتجعات القريبة من حدود فلسطين المحتلة في شرم الشيخ المصرية وبعض المنتجعات الأردنية.
وكالعادة، كان الملتقى الأخير مناسبة للحديث من المنظور الاقتصادي الليبرالي عن قضايا الاستثمار في التعليم والخصخصة والمصارف والتأمين والعقارات والنقل والسياحة وما إلى ذلك من قطاعات غير وثيقة الصلة بالإنتاج الأساسي. وكالعادة أيضاً، كان مناسبة للتعارف بين السياسيين وممثلي الشركات الكبرى، وبالتالي لتوقيع ما أمكن من العقود والصفقات. لكن اللقاء الأخير، وعلى غير العادة، فاق اللقاءات السابقة من حيث ارتفاع منسوب ما طرح فيه من قضايا سياسية تمحورت بالطبع حول مشكلة الشرق الأوسط. وعلى غير العادة، شهد اللقاء ظاهرة جديدة قد تهدد، فيما لو تواتر حدوثها، مستقبل المنتدى كمجال للتنسيق بين الفعاليات الاقتصادية والسياسية في إطار الدفع بالعالم نحو المزيد من تعميم قيم العولمة ذات المضمون النيوليبرالي.
والظاهرة المذكورة هي الإحباط والحزن اللذان شعر بهما نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، شمعون بيريز، الذي تعجّل مغادرة مكان الاجتماع لعقد لقاء مع العاهل الأردني، إثر مشادة كلامية جرت بينه وبين الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى. وتفصيل ذلك أن بيريز أسهب في عرض وجهات النظر الإسرائيلية حول مشكلة الشرق الأوسط، فاعتبر أن "إسرائيل" تمارس ضبط النفس في المواجهات الجارية في الضفة والقطاع، وأن المشكلة ليست ناجمة عن مواقف "إسرائيل" والدول العربية، بل عن مواقف من أسماهم بـ"اللاعبين الجدد"، إيران وحماس وحزب الله، وان "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس في قارب واحد، وأن عليهما التنسيق لمواجهة إرهاب حماس، وأن المبادرة العربية هي موسيقى دون عزف، وأن التطبيع يجب أن يسبق السلام، وأن المطلوب هو حوار ومبادرات اقتصادية وتنموية على غرار مشروع شق قناة بين البحرين المتوسط والميت لفائدة "إسرائيل" والأردن والسلطة الفلسطينية كنموذج للتعايش المشترك... عبارة التعايش المشترك هي التي أثارت عمرو موسى وجعلته يقول كلاماً يستفاد منه بأن "إسرائيل" تقول ما لا تفعل، وبأن الاحتلال هو أسوأ أشكال العنف. ولما كان كلام بيريز قد حظي بتأييد مندوبين أميركيين وأوروبيين، فقد حدا ذلك بموسى إلى القول بأن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط مبنية وفقاً لوجهة النظر الإسرائيلية. المندوب الفلسطيني، صائب عريقات، أيد كلام موسى وشدد على أن الاحتلال، لا إيران وسوريا وحماس (دون إشارة منه إلى حزب الله)، هو سبب المشكلة، وعلى أن "إسرائيل" تكون واهمة إذا فكرت بإمكانية تحقيق التطبيع قبل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967.
هذا الكلام "الجميل" من موسى وعريقات لم يؤازره كلام مماثل من المشاركين العرب، وإن كانت أعداد منهم قد صفقت عدة مرات لعمرو موسى، بينما لم يحظ بيريز بالتصفيق إلا مرة واحدة. بعض وسائل الإعلام رأت في هذا الفارق على مستوى التصفيق نصراً عربياً على "إسرائيل". والحق يقال إن ذلك قد يكون نصراً بمقدار ما يعكس مشاعر مشاركين لا يتمتع أكثرهم بصفة رسمية. كما أنه نصر لجهة التشديد على ارتباط المشكلة بالاحتلال لا بـ"اللاعبين الجدد"، وعلى أولوية الانسحاب من الأراضي المحتلة. لكنه نصر يظل في دائرة الكلام "الجميل" الصادر عن مسؤولين لا يمتلكون ما يكفي من القدرة على اتخاذ القرار، والمطلوب أن ينتقل إلى دائرة الفعل من قبل مسؤولين يمتلكون ما يكفي من القدرة على اتخاذ القرار.  
ع.ح.
الانتقاد/ العدد 1216 ـ 25 ايار/مايو2007

2007-05-25